إياد الجعفري صحفي سوري
إياد الجعفري
بعيداً عن صخب السياسة، واشتباكات المؤثّرين في السوشال ميديا، نزعم أن التغيّر الأخير في سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار، يحتل مرتبة متقدمة في قائمة اهتمامات معظم السوريين في الداخل، لما لذلك من انعكاسات مباشرة على معيشتهم.
ومنذ مطلع شهر آب المنصرم، وحتى اليوم، خسر سعر صرف الليرة مقابل الدولار، نحو 10.15% من قيمته. فهل سيكون ذلك، تذبذباً مؤقتاً، أم تراجعاً مستقراً؟ قبل أن نحاول الإجابة، قد يكون من المفيد رسم تصوّر واضح للعوامل التي أثّرت في سعر صرف الليرة منذ سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، وحتى اليوم. ومدى استقرار تأثير كل عامل.
ولنبدأ من اللحظة التي سبقت انطلاق عملية “ردع العدوان” في 27 تشرين الثاني 2024، وكان مبيع “دولار دمشق”، حينها، عند 15 ألف ليرة. قبل أن تهوي الليرة، وصولاً إلى ليلة سقوط النظام، واليوم التالي لها، حينما أصبح “دولار دمشق” بـ30 ألف ليرة. وبعد ثلاثة أيام فقط من فرار بشار الأسد، واستقرار المشهد الميداني لصالح “هيئة تحرير الشام” وحلفائها في غرفة عمليات “ردع العدوان”، ارتد سعر الصرف مجدداً إلى 15 ألف ليرة لكل دولار. وبذلك نجد أن الأثر النفسي لسقوط النظام البائد على سعر صرف الليرة، لم يكن مستقراً.
بعد ذلك بأيام، دخل عامل جديد، ترك أثره المستقر على سعر الصرف. إذ أتاحت السلطات الجديدة تداول الدولار والعملات الأجنبية الأخرى، من دون أية قيود. وهنا بدأت الليرة بالارتفاع، بدفعٍ من تحرير سوق الصرف، وحركة عرض كبيرة للدولار وعملات أجنبية أخرى من جانب سوريين تدفقوا من الشمال إلى مناطق سيطرة النظام السابق. وكانت حصيلة هذا المتغيّر الجديد، خلال شهر ونصف الشهر، ارتفاع قياسي في سعر صرف الليرة مقابل الدولار، بنحو 23.3%. ترافق ذلك مع انخفاض ملحوظ في أسعار السلع والبضائع بنسبة تقترب من 30% (في بعض الحالات)، على وقع فتح الأسواق للبضائع المستوردة الآتية من الشمال السوري.
وفي نهاية كانون الثاني الفائت، دخل عامل جديد، نفسيّ الطابع، على خط التأثير. إذ حلّقت الليرة ارتفاعاً، على وقع مؤتمر النصر بدمشق، والذي أعلنت فيه الفصائل العسكرية المشاركة في غرفة عمليات “ردع العدوان”، تنصيب أحمد الشرع رئيساً للبلاد. أعقب ذلك، زيارة أمير قطر إلى دمشق، ومن ثم زيارة الشرع إلى السعودية.
تأثير مؤشرَي الاستقرار السياسي والميداني، والدعم الخليجي، كان نوعياً في سعر الصرف، لكنه كان منفصلاً عن أسعار السلع والخدمات. وعلى مدار نحو 40 يوماً من تاريخ هذا التأثير، ارتفع سعر صرف الليرة بنحو 8.70%. لكن ذلك ترافق مع شح في السيولة من الليرة، وركود في حركة الإنتاج والبيع والشراء. ولأول مرة، بدأ السوريون ينظرون إلى ارتفاع سعر صرف عملتهم، بصورة سلبية. إذ انخفضت القوة الشرائية الفعلية للسوريين بنسبة تقترب من 10%.
وكان ملفتاً أن الأحداث الدامية التي شهدها الساحل السوري، في آذار الفائت، تسببت في تأثير مؤقت وطفيف على سعر صرف الليرة، الذي تراجع بنسبة 5% لأيام فقط، قبل أن يرتفع مجدداً. لكن التأثير الأكثر استقراراً، كان لزوال أثر الحوالات المضاعفة التي تأتي من الخارج للسوريين، في رمضان. إذ تراجع سعر صرف الليرة بصورة تدريجية بعيد عطلة عيد الفطر، ليسجّل انخفاضاً بنحو 8.70%.
لاحقاً، تسببت الأحداث الدامية في جرمانا وأشرفية صحنايا بريف دمشق، نهاية نيسان ومطلع أيار الفائت، في تراجع بنسبة 5.65% في سعر صرف الليرة. قبل أن يزول هذا الأثر، وتحقق الليرة قفزة دراماتيكية في سعر صرفها، على وقع أحداث جديدة ذات وَقعٍ نفسيّ. إذ التقى الشرع بدونالد ترامب في السعودية، ومن ثم تم رفع العقوبات الأوروبية وتخفيف العقوبات الأميركية. وهي أحداث تسببت في تحسّنٍ استقر أثره لأكثر من شهرين، بنسبة ارتفاع لليرة بنحو 9.5%. وفي منتصف تموز الفائت، تسببت أحداث السويداء الدامية في تراجع محدود لليرة، لكنه مستقر، بنحو 1.25%.
لكن، منذ مطلع آب الفائت طرأ متغيّر جديد، يتعلّق بحجم السيولة من الليرة في الأسواق. إذ بدأ تنفيذ قرار زيادة أجور موظفي القطاع العام ومتقاعديه، الصادر في حزيران الفائت، بنسبة 200%. قبل أن يدعمه متغيّر جديد، وهو تأكيد المركزي السوري خبر طباعة عملة جديدة مع حذف صفرين. وهو ما دفع شرائح محددة إلى تبديل ما معها من ليرة سورية بالدولار، تحديداً في المناطق غير الخاضعة لسيطرة الحكومة في دمشق، وذلك خشية أن تواجه هذه الشرائح صعوبة في تبديل الليرة القديمة بالجديدة، عبر المنافذ التي ستفعّلها السلطات الرسمية.
هذان المتغيّران، تسببا خلال آخر 40 يوماً، بتراجع لسعر صرف الليرة بنحو 10.15%. والملفت أن الإعلان عن مذكرات تفاهم واتفاقيات استثمارية خليجية في سوريا، بنحو 20 مليار دولار، خلال الشهرين الأخيرين، لم يؤثر مطلقاً على تذبذبات سعر صرف الليرة، الأمر الذي يؤشر لتلاشي الأثر النفسي للأحداث ذات الطابع السياسي، والتي كانت قادرة على إحداث تغيرات دراماتيكية في سعر الصرف، في الأشهر الخمسة الأولى من حكم العهد الجديد بدمشق.
وبناء على العرض السابق، نجد ثلاثة أصناف من العوامل التي أثّرت في سعر صرف الليرة منذ سقوط النظام البائد. الصنف الأول، نفسيّ الطابع، مرتبط بأحداث سياسية بصورة خاصة. وهي كما أشرنا، باتت ضئيلة الأثر أو بلا أثر مستقر. أما الصنف الثاني من العوامل، فهو الأحداث الميدانية الدامية، والتي كانت ذات أثر مستقر، لكنه محدود للغاية. أما الصنف الثالث من العوامل، وهو المتعلّق بالمتغيّرات المؤثّرة بحجم وحركة العرض والطلب من الليرة والدولار في السوق السورية. وهي العوامل التي نزعم أنها كلمة السرّ في التغيّرات الأكبر، والأكثر استقراراً في سعر صرف الليرة.
وهو ما يدفعنا لتوقّع أثر مستقر للانخفاض الأخير في سعر صرف الليرة. لكن من الصعب تخمين مداه، وهل سيستمر أم سيتوقف. وذلك بسبب غياب أي معلومات دقيقة عن حجم السيولة من الليرة التي يمكن أن تخلق طلباً على الدولار. إلى جانب عدم وجود معلومات دقيقة عن القيمة الإجمالية لكتلة البضائع والسلع المتاحة في الأسواق. ذلك أن زيادة الأجور بنسبة 200%، لم تتسبب بزيادة مماثلة في أسعار السلع، كما كان يحدث مع كل زيادة للأجور في عهد النظام البائد، وهو ما يُفسَّر بعاملين: القيود على السيولة في المصارف السورية، وبقاء الطلب تحت حاجز العرض من السلع بسبب ضعف القوة الشرائية، وهو ما يجعل رفع أسعار السلع بنسب كبيرة، مضرّاً للتجار.
ونعتقد أن أثر زيادة الأجور قد استقر. لكن يبقى أن الأفق لا يزال متاحاً أمام أثرٍ إضافي ناجم عن قضية تبديل العملة. الأمر الذي يجعل الليرة مرشحة لانخفاض جديد، إن لم تدخل متغيّرات جديدة على الخط. ومن غير المتاح تقدير حجم الانخفاض المرتقب، لكن من المرجح ألا يكون دراماتيكياً.