-
-
1. جرى عقد اللقاء بتنظيم من الشبكة الإقليمية حول انعدام الجنسية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (هويتي)، والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في سوريا، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة.
-
في سياق النقاشات الدائرة حول مسارات العدالة الانتقالية في سوريا، وإثرَ انعقادِ لقاء في جامعة دمشق بعنوان «الثغرات في قانون الجنسية السور: تحقيق المساواة بين الجنسين» في 30 آذار (مارس) الماضي، 1 تكرّرَ ويتكرّرُ اعتراضٌ مفاده أن التركيز على قضايا مثل المساواة في قانون الجنسية يأتي على حساب ملفات أكثر إلحاحاً. يقوم هذا الاعتراض على افتراض ضمني إشكالي بأن العدالة يمكن ترتيبها زمنياً وفق سلّم أولويات، وهو افتراضٌ ينطوي على خلل بنيوي، إذ يتعامل مع العدالة كحزمة خيارات ويختزلها إلى مجموعة ملفات منفصلة، لا كمنظومة مترابطة يَشترطُ بعضها بعضاً. كما أن السؤال يظلُّ قائماً حول الجهة أو المعايير التي تُحدّد هذه المفاضلة، ومن يملك سلطة ترتيبها.
تنطلق هذه المقالة من مقاربة مغايرة ترى أن المواطنة المتساوية ليست مجرد خطوة لاحقة في مسار العدالة الانتقالية كما هو الاعتقاد الشائع، بل هي شرطٌ تأسيسيٌّ لقيامها. فمن دون اعتراف قانوني متكافئ بالأفراد بوصفهم أعضاء في الجماعة السياسية، تفقدُ آليات العدالة، من كشف الحقيقة إلى جبر الضرر، مُرتكَزها الذي تستند إليه، وتغدو مُمارساتُها منقوصة من حيث الأساس.
تتضح خطورة هذا الإشكال عند النظر إلى اتساع نطاق الفئات المتأثرة بقانون الجنسية التمييزي في سوريا. فالقضية لا تنحصر في حالات فردية، بل تمتد لتشمل شرائح متعددة من المجتمع، من التمييز الإثني الذي طال الكُرد في الحسكة، إلى أوضاع اللاجئين الفلسطينيين، وصولاً إلى من تضرروا بفعل مواقفهم السياسية أو سياقات النزاع. ومع ذلك، يبرز الأثر الأوسع في وضع النساء السوريات، وما ينعكس عنه مباشرة على أطفالهنّ. ولا يمكن اختزالُ الإشكالية في نموذج واحد هو زواج السورية من أجنبي الجنسية، بل إنها تتخذ صوراً متعددة أخرى أيضاً تكشف عن خلل بنيوي أعمق. فهناك نساء سوريات متزوجات من رجال عديمي الجنسية، وأخريات فقدنَ أزواجهن – وهم سوريون- بسبب الاختفاء القسري أو الوفاة دون توثيق رسمي، وفي حالات أخرى، يؤدي غياب أو عدم توثيق هوية الأب، كما في حالات المقاتلين الأجانب أو الناجيات من العنف الجنسي، إلى تعقيدات قانونية واجتماعية مضاعفة، تجعل تسجيل الأطفال أو إثبات نسبهم أمراً بالغ الصعوبة. ويُضاف إلى ذلك حالات رفض بعض الآباء الاعترافَ بالأطفال، وانتشار الزيجات غير المُسجَّلة، وهي ظواهر تفاقمت بشكل ملحوظ في ظل ظروف الحرب والنزوح، لا سيما في دول الجوار، ذلك أن التهجير القسري يزيدُ من تعقيد المشهد، إذ يعيق الوصول إلى الوثائق الرسمية ويُضعِفُ القدرة على إثبات الروابط القانونية.
ما تكشفه هذه الحالات ليس تعدد الاستثناءات، بل إنها تشير إلى قاعدة عامة تحكمها بنية قانونية تجعل نقل الجنسية عبر الأم حقاً مُقيَّداً لا أصيلاً. وتؤدي هذه البنية إلى إنتاج متكرر لحالة هشاشة مستمرة تفتح المجال أمام أشكال متعددة من الحرمان، وتُفضي بدورها إلى مزيد من الإقصاء، بغض النظر عن اختلاف الظروف الفردية. من هنا، لا يعود إصلاح قانون الجنسية مسألة هامشية، بل يغدو جزءاً لا يتجزأ من مسار العدالة الانتقالية، بوصفه يعالج وجهاً بنيوياً من أوجه الظلم، ويحدّ من توليد انتهاكات أخرى.
إن ربطَ إصلاح قانون الجنسية بالعدالة الانتقالية يتجاوز كونه طرحاً نظرياً، ذلك أنه يُعيد تعريف من هو «المعني» بالعدالة أصلاً. فالدولة التي لا تعترف ببعض ضحاياها كمواطنين على قدم المساواة، تعجز عملياً عن إشراكهم في مسارات المُساءلة أو جبر الضرر. وفي هذه الحالة، تتحول العدالة إلى امتياز انتقائي، ويبرز ما يمكن تسميته بـ«تراتبية المظلومية»، حيث يُستبعَدُ الأشدُّ هشاشة من فُرَص الوصول إلى الإنصاف. وفي هذا الإطار، تكتسب الجنسية معناها الأعمق كما صاغته حنّة آرنت بوصفها «الحق في امتلاك الحقوق»، إذ تُمثّل الأداة التي تُتيح للأفراد المطالبة بسائر حقوقهم. وبدونها، لا يفقد الإنسان انتماءه القانوني فحسب، بل يفقد أيضاً قدرته على مواجهة الانتهاكات أو حتى تسميتها.
ويتجاوز أثرُ هذا الخلل حدودَ اللحظة الراهنة أو الحاضر، ليأخذ طابعاً عابراً للأجيال. فالقوانين التمييزية في مجال الجنسية لا تُنتِجُ ظلماً آنياً فحسب، بل تُعيد إنتاجه بشكل تراكمي، بحيث ترثه الأجيال اللاحقة التي تجد نفسها بدورها محرومة من طيف واسع من الحقوق المدنية والسياسية، فضلاً عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية والمُلكية والتنقل. وبهذا المعنى، يغدو التمييز القانوني أحد أكثر أشكال الانتهاك رسوخاً واستدامة.
وكلّ ذلك دون التطرّق إلى بُعدٍ لا يقل خطورة، يتمثّل في كيفية إتاحة استمرار توظيف الجنسية كأداة سياسية، سواء عبر سحبها، أو حجبها، أو استخدامها وسيلة للضغط والابتزاز، مما يقوّض أي ضمانات حقيقية لعدم التكرار، ويجعل من أي انتقال سياسي عرضة لإعادة إنتاج أنماط الإقصاء ذاتها.
وعليه، لا يُمكن النظر إلى تأجيل إصلاح قوانين الجنسية بوصفه خياراً تقنياً محايداً، بل هو في جوهره قرارٌ بالإبقاء على شروط الظلم. فلا يمكن تصوّر عدالة انتقالية فعّالة في غياب إطار قانوني يضمن المساواة، كما يستحيل بناء عقد اجتماعي جديد بين أطراف لا تعترف الدولة لها بالتكافؤ، ولا تعترف لبعضها بعضاً به.
خلاصة القول؛ إن المواطنة المتساوية ليست محطة عرضية أو اعتباطية أو نهاية لمسار العدالة، بل هي بدايته. وأي محاولة لتجاوز هذا الأساس تحت حجج «الأولويات» لن تؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الإقصاء بصيغ جديدة. وقد تضمّنَ اللقاء المشار إليه في أول النص تحليلاً للسياقات القانونية والسياسية والاجتماعية التي تبرر استمرار التمييز، وخلصَ إلى نتائج تتعلق بضرورة إنصاف الضحايا، عبر الجمع بين المطلب الاستراتيجي بتعديل القانون واتخاذ تدابير إجرائية عاجلة تهدف إلى رد الاعتبار وتخفيف الأعباء عن المتضررين. لكن هذه المقالة ركّزت على زاوية محددة تتماشى مع هدف اللقاء، وهي توضيح كيف أن التمييز في قانون الجنسية وحرمان النساء السوريات من منح الجنسية لأطفالهن يُشكِّلُ عائقاً جوهرياً أمام إمكانية تطبيق عدالة انتقالية فعلية، بوصف هذا التمييز عاملاً مُحدِّداً لمن يمكنه أصلاً أن يكون مشمولاً بالعدالة.
-
رؤى الطويل… الجمهورية .نت