واشنطن- منذ نشوب الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران في نهاية فبراير الماضي، تسعى تركيا جاهدة إلى البقاء بعيدة عنها والمحافظة على حيادها الدقيق.
وانطلق هذا الحياد من دروس تاريخ تركيا الحديث، حيث حرص صناع السياسة التركية، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى التي خاضتها الدولة العثمانية إلى جانب دول المحور ومنيت بهزيمة ساحقة أنهت وجودها الإمبراطوري، على التزام الحياد في الصراعات الإقليمية والدولية، بما في ذلك الحرب العالمية الثانية.
وقالت المحللة التركية أسلي أيدينتاشباش، في تحليل نشرته مجلة “فورين أفيرز” الأميركية، إن الحرب في إيران فرضت على صناع القرار التركي حسابات مماثلة، في ظل معطيات مختلفة، حيث تسعى أنقرة إلى لعب دور أكبر على الساحة الدولية، رغم أنها لا تمتلك القوة الاقتصادية أو العسكرية اللازمة لتشكيل الأحداث وفقا لشروطها الخاصة.
ولذلك، فإن علاقاتها مع اللاعبين الرئيسيين في المنطقة حساسة للغاية، فهي لا تزال في المراحل الأولى من إعادة ضبط علاقاتها مع الولايات المتحدة، وقد تدهورت علاقاتها مع إسرائيل بشكل كبير في السنوات الأخيرة.
كما أن تركيا لا تزال تعتمد على الآخرين في الدفاع عن أراضيها، فقد أسقطت طائرات اعتراضية تابعة لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، وليس أسلحة تركية، الصواريخ الإيرانية الأربعة التي استهدفت نظام رادار تابعا للحلف وقاعدة إنجرليك الجوية في جنوب تركيا، حيث تتمركز القوات الأميركية، قبل وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة في 7 أبريل الحالي.
وحرصت تركيا على النأي بنفسها عن الحرب، فلم تدعم الحملة الأميركية – الإسرائيلية، ولم تسمح للولايات المتحدة أو إسرائيل باستخدام مجالها الجوي لشن ضربات ضد إيران.
ويعود ذلك إلى العلاقة المعقدة بين تركيا وإيران، والتي تمتد لقرون. ورغم أن إيران خصم تاريخي، لم ترغب أنقرة قط في اندلاع هذه الحرب، وقضت الأشهر الأولى من عام 2026 في قيادة الجهود الإقليمية لإقناع طهران وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بمنح المفاوضات النووية فرصة أخرى لتجنب الحرب، إذ كانت تدرك أن أي حرب في إيران يمكن أن تؤدي إلى تدفق اللاجئين إليها، وتعطيل اقتصادها، وزعزعة استقرارها السياسي الداخلي.
وتقول أيدينتاشباش، الباحثة ومديرة مشروع تركيا في معهد بروكينجز للأبحاث، “للأسف الشديد، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومهما على إيران، ورغم وقف إطلاق النار فإن حالة الحرب ما زالت قائمة، ويمكن أن تشتعل في أي لحظة”.
وفي الوقت نفسه، من غير المرجح أن يحمي الموقف الحيادي تركيا من النتائج السلبية للحرب، فالصراع الأميركي – الإسرائيلي – الإيراني يهدد أنقرة من جوانب عديدة، إذ قد يخل بالتوازن الهش في علاقتها مع طهران، ويعرقل عملية السلام الجارية مع الأكراد في الداخل، ويعزز هيمنة إسرائيل، الخصم الإستراتيجي الأبرز لتركيا، في المنطقة.
ولذلك، توخت تركيا الحذر، فلم تدعم الحرب أو تتورط في الاضطرابات الأخيرة في إيران، فعندما هزت الاحتجاجات الشعبية إيران في يناير، امتنع القادة الأتراك عن توجيه أي انتقادات لحملة القمع التي شنها النظام الإيراني أو إعلان دعمهم لتطلعات المتظاهرين.
وبمجرد اندلاع الحرب في نهاية فبراير، حث الأتراك الولايات المتحدة على إيجاد مخرج قبل انهيار الدولة الإيرانية.
ورغم أن الجولة الأولى من الحرب انتهت دون تحقق أسوأ مخاوف تركيا، وهو انهيار الدولة في إيران، لا يزال لديها سبب وجيه للقلق، فقد ازداد النظام الحاكم في الجمهورية الإسلامية تشددا، مع تقلص هامش المناورة السياسية والبراغماتية الدينية أكثر من ذي قبل في طهران.
وقد أبرزت الحرب في إيران هشاشة عملية السلام التي تقودها أنقرة مع حزب العمال الكردستاني، والتي تلقت دفعة قوية عام 2025 بعد دعوة الزعيم الكردي المسجون عبد الله أوجلان إلى وقف إطلاق النار، وكان من المفترض أن تفضي العملية في نهاية المطاف إلى حل حزب العمال الكردستاني، إلا أن ذلك ليس أمرا مضمونا، في ظل تباطؤ أنقرة في تنفيذ الإصلاحات القانونية الضرورية، واضطرابات المنطقة.
وبالنسبة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يعد الهدوء على الجبهة الكردية ضرورة سياسية أيضا، إذ يحتاج إلى دعم الحزب المؤيد للأكراد في البرلمان لتعديل الدستور بما يسمح له بالترشح مجددا في الانتخابات الرئاسية التركية المقبلة.
رغم أن إيران خصم تاريخي، لم ترغب أنقرة قط في اندلاع هذه الحرب، وسعت إلى إقناع طهران وإدارة ترامب بمنح المفاوضات فرصة أخرى
لكن الحرب على الحدود الشرقية لتركيا قد تقوض هذه الجهود برمتها. وقد انتابت أنقرة حالة من القلق عندما طرح ترامب، بعد وقت قصير من الضربات الأميركية والإسرائيلية الأولية، فكرة استخدام المعارضة الكردية الإيرانية لإشعال انتفاضة داخل إيران، وهو ما قد يعيد العلاقات الأميركية – التركية إلى فترة التوتر الشديد التي شهدتها قبل نحو عقد من الزمن، حينما سلحت واشنطن القوات الكردية السورية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، وأرسلت قوات أميركية للقتال إلى جانبها ضد تنظيم داعش في سوريا.
وخفتت حدة المخاوف التركية بعد تراجع ترامب عن فكرة فتح جبهة كردية داخل إيران، في حين قال مسؤول تركي رفيع المستوى إن “الأكراد اتخذوا خيارا إستراتيجيا” بعدم دخول الحرب. كما أن فرعا لحزب العمال الكردستاني في إيران اختار عدم حمل السلاح أو قبول الدعم الأميركي والإسرائيلي.
وفي الوقت نفسه، تشعر أنقرة بالقلق إزاء تنامي دور إسرائيل الإقليمي ونفوذها في واشنطن.
ورغم الشراكة الوثيقة بين أنقرة وتل أبيب في تسعينات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة، بات البلدان يتصادمان علنا، وينظر كل منهما إلى الآخر، على نحو متزايد، باعتباره تهديدا له.
وقد أدت الحرب الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في غزة إلى شرخ في علاقات الدولتين لا يمكن إنكاره، لكن قلق تركيا ازداد بشكل خاص مع استعراض إسرائيل المتكرر للقوة في لبنان وسوريا بعد سقوط نظام حكم الرئيس السوري بشار الأسد، مما رسخ مكانتها كقوة عسكرية مهيمنة في المنطقة.
ويرى العديد من المعلقين والسياسيين في تركيا الآن أن الحرب الإسرائيلية ضد إيران تستهدف، ولو جزئيا، تطويق تركيا واحتواءها.
وقد قصفت إسرائيل قواعد جوية في سوريا كانت تركيا تدرس استخدامها، كما عمقت التعاون الدفاعي مع اليونان وقبرص بطرق تهدف صراحة إلى تحدي تركيا، وبات المعلقون الإسرائيليون ينظرون إليها بشكل متزايد على أنها تهديد طويل الأمد.
ووضع كل هذا أردوغان في موقف حرج، فأنقرة لا ترغب في هيمنة إيران على المنطقة، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في نظام إيراني جديد تهيمن عليه إسرائيل وتفرض عليه الولايات المتحدة تقلبات غير متوقعة.