يشكّل الأمر تحوّلاً في الموازين التي رسمت الاستراتيجية الأميركيّة في الخليج على مدى قرنٍ من الزمان كانت الولايات المتّحدة خلاله أكبر زبون لنفط المنطقة، والمعنيّ الأكبر بأمن إمداداتها وسلامة الملاحة في ممرّاتها الملاحيّة.
قبل 15 عاماً فقط، كان صافي استيراد الولايات المتّحدة من النفط الخام يزيد على 7 ملايين برميل يوميّاً، فيما كان إنتاجها لا يتجاوز 5.5 مليون برميل يوميّاً. كانت وارداتها في ذلك الحين تفوق واردات الصين النفطيّة بمقدار النصف تقريباً. بعد ذلك ظهرت طفرة النفط الصخريّ فانقلبت المعادلة: انخفض صافي واردات النفط الخام الأميركيّة بنسبة 70%، ليقف عند 2.2 مليون برميل يوميّاً العام الماضي، بل إنّها تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى صافي مصدّر للمنتجات البتروليّة، لأنّها تنتج المكثّفات والسوائل من حقول الغاز بكمّيّات كبيرة. في المقابل قفز صافي الاستيراد الصينيّ بـ130% ليتجاوز 11 مليون برميل يوميّاً ويصبح أمن الإمدادات مشكلة صينيّة لا أميركيّة.
لذلك يقول الأميركيّون للصين إنّ “مضيق هرمز مشكلتكم أنتم!”، بل ويعرضون المساعدة بطريقة أخرى: “اشتروا النفط والغاز منّا”.
السّيطرة على شرايين الطّاقة
لدى ترامب استراتيجية ثابتة منذ ولايته الأولى لتعزيز صناعة النفط والغاز، والسيطرة على شرايين الطاقة العالميّة. لقد قام بتحرّكين استراتيجيَّين كبيرين في هذا الإطار:
- الضغط على أوروبا لإحلال الغاز المسال الأميركيّ مكان الغاز الروسيّ الأرخص ثمناً، وقد أتت الحرب الأوكرانيّة في عهد جو بايدن لتعطي دفعاً هائلاً لهذا التوجّه.
- الضغط على الصين في إطار الحرب التجاريّة الأولى (2018-2020) لتزيد مشترياتها من النفط والغاز الأميركيَّين، وقد التزمت بكّين بالفعل عام 2020 بشراء ما قيمته 52 مليار دولار من الهيدروكربونات (النفط والغاز وتوابعهما) الأميركيّة.
أدّى ذلك الاتّفاق إلى ارتفاع الواردات الصينيّة من النفط الأميركيّ إلى قرابة نصف مليون برميل يوميّاً عام 2021، فيما سجّلت وارداتها من الغاز المسال الأميركيّ ذروة قياسيّة بلغت 9.3 مليون طنّ في ذلك العام. إلّا أنّ تلك الواردات تدهورت بشكل تامّ في ظلّ الحرب التجاريّة الثانية التي أطلقها ترامب العام الماضي بعدما فرضت بكّين رسوماً جمركيّة هائلة عليها.
ينظر ترامب إلى تصدير النفط والغاز إلى الصين كحلٍّ لثلاث معضلات على الأقلّ:
- معضلة العجز التجاريّ الكبير مع الصين: الولايات المتحّدة لا تجد الكثير من المنتجات لتصدّرها إليها في مقابل فاتورة الاستيراد الهائلة (صدّرت إليها بـ106 مليارات دولار في 2025 مقابل واردات منها بـ308 مليارات دولار). بالتالي، قد يشكّل النفط والغاز حلّاً جزئيّاً لتقليص الفجوة.
- استراتيجية “هيمنة الطاقة” الأميركيّة: وهي عنوان أساسيّ في سياسات ترامب منذ عودته إلى البيت الأبيض. قوامها أنّ الطاقة ليست سلعة اقتصاديّة فحسب، بل هي سلاح جيوسياسيّ، من يمتلكه يمتلك مفاتيح النموّ.
- إغلاق أهمّ سوق للنفطين الروسيّ والإيرانيّ: الصين تستورد ما يقارب 3 ملايين برميل يوميّاً من هذين البلدين، بحسومات كبيرة، كثمن للالتفاف على العقوبات الأميركيّة.
تعويض الإمدادات الرّوسيّة والإيرانيّة إلى الصّين
يكتسب الحديث الأميركيّ عن تصدير النفط والغاز إلى الصين أهمّيّة مضاعفة في الظرف الجيوسياسيّ الراهن، في ظلّ إغلاق مضيق هرمز الذي تمرّ عبره نصف واردات النفط إلى الصين. إلّا أنّ الإشكال هنا أنّ الولايات المتّحدة، وإن كانت تضخّ النفط بمستويات قياسيّة، لا تستطيع بأيّ حال تعويض الإمدادات الروسيّة والإيرانيّة إلى الصين. إذ إنّ أقصى ما صدّرته أميركا إليها في أفضل أحوالها نصف مليون برميل يوميّاً، أي أقلّ من 5% من إجمالي احتياجها، إضافة إلى أنّ النفط الأميركيّ الخفيف لا يلائم المصافي الصينيّة المصمّمة للنفط الثقيل. تكاد المسافة بين موانئ الخليج الأميركيّ والموانئ الصينيّة تضاعف تكلفة الشحن، علاوة على أنّ أميركا التزمت عقود تصدير طويلة الأجل نحو أوروبا واليابان وكوريا لا تستطيع نقضها.
من الناحية السوقيّة، يصل النفط الإيرانيّ إلى الصين بتخفيضات تراوح بين ثمانية وعشرة دولارات للبرميل، أي نحو 7 مليارات دولار سنويّاً أقلّ ممّا لو اشترته بسعر السوق. هذا التخفيض هو الذي يجعل المصافي الصينيّة المستقلّة المعروفة بـ”teapot” تعتمد عليه بصورة شبه كليّة.
مع ذلك، الحرب التي تشنّها واشنطن على إيران اليوم هي من حيث لا تقصد ضغطٌ على هذه الإمدادات، وقد وجدت الصين نفسها أمام تراجع فعليّ في الوصول إلى النفط الإيرانيّ. في هذه الفجوة تحديداً يسكن الرهان الأميركيّ: إذا استمرّ إغلاق هرمز وتعطّلت إمدادات إيران، فإنّ الصين مضطرّة إلى البحث عن بدائل، وأميركا تعرض نفسها واحداً من هذه البدائل.
تقليص الاعتماد لا إلغاؤه
لكنّ المسألة تبقى جزئيّة وظرفيّة، فبكّين لن تُلغي العلاقة الاستراتيجيّة مع طهران من أجل نفط أميركيّ قد تنقطع إمداداته بقرار سياسيّ مع أوّل أزمة جمركيّة. ما يمكن لأميركا تحقيقه هو تقليص الاعتماد لا إلغاؤه.
بدأ اعتماد الصين على نفط الشرق الأوسط يبرز كأحد محرّكات السياسة الخارجيّة الصينيّة، فالصين التي كانت تُفضّل الغياب الاستراتيجيّ عن منطقة تعتبرها تقليديّاً “فناء أميركيّاً خلفيّاً”، باتت اليوم منخرطة فيها بصورة متصاعدة. من مظاهر ذلك رعاية بكّين لاتّفاق المصالحة بين إيران والمملكة السعوديّة في آذار 2023. بالمنطق ذاته جاءت مواقف بكّين المُعلنة رفضاً لإغلاق مضيق هرمز واضحةً وحازمة بصورة غير معتادة في خطابها الدبلوماسيّ المحسوب عادةً.
يضع ذلك إيران على حدّ دقيق، فالحقيقة الاقتصاديّة أنّ إغلاق هرمز لا يؤلم خصمها الأميركيّ بقدر ما يؤلم حليفها الصينيّ. لذلك التقى الخطابان الأميركيّ والصينيّ على تأييد فتح المضيق بلا تحفّظ، بل وعلى تأييد الصين للموقف الأميركيّ الرافض لامتلاك إيران أسلحة نوويّة.
تجتمع هذه المحاور لترسم صورة جيوسياسيّة معقّدة. تمتلك أميركا إنتاجاً ضخماً لكنّها لا تستطيع أن تكون شريان الطاقة البديل لآسيا. الصين مقيّدة بشرايين الطاقة الممتدّة من الشرق الأوسط المضطرب. تمسك إيران بورقة المضيق لكنّها تخاطر بأن يقع ثقله الأكبر على كاهل حليفها قبل خصمها. تجد دول الخليج نفسها في مواجهة عالم يتراجع فيه الالتزام الأميركيّ تجاه المنطقة، فيما تصعد الصين كقوّة اقتصاديّة، وتحسب خطواتها في ما عدا ذلك.
الواضح أنّ الحجر الثقيل الذي أُلقي في مضيق هرمز حرّك المياه في بحر الصين.
