لم يكُن منحُ البرلمانِ الثّقَة لحكومَةِ علي الزّيدي إجراءً دُستُورِيّاً رُوتِينيّاً وحسب، بل كانَ أشبهَ بعمليّةٍ قيْصَريّةٍ مُعقّدةٍ وسريعةٍ أُجرِيَت في غُرفَة عَمليّاتٍ تتجاوزُ مَساحَتُها حدودَ بلادِ الرّافديْنِ وتصل خُيوطُها إلى أروقةِ القرارِ فِي واشنطن ودَهاليز السّياسَةِ في طَهْران.
رَجلُ “التّكنوقراط” في “غابَةِ الذّئاب”
لَيسَ سَهلاً أن تكونَ رئيساً للوزرَاءِ في العِرَاقِ. تُشبِهُ المُهمّة السّيْرَ في حقلِ ألغامٍ، حيثُ الخطأُ الأوّلُ هو الأخيرُ حتماً. يَجِدُ عليّ الزّيديّ الآتِي من عالمِ الأرقامِ والمَصارفَ نفسَهُ اليومَ أمامَ استحقاقٍ لا يرحم. هو “الوافدُ الجديدُ”، في الظّاهِرِ، الذِي لم تُلوّثهُ الصّراعَاتُ الحِزبِيّةُ المُباشِرةُ، لكنّهُ في الوقتِ ذاتِهِ “الابنُ البارُّ” لتَوافُقَاتِ “الإطارِ التّنسِيقيّ” الّذي لم يَجد بُدّاً مِن المَجِيءِ بِمُرشّحٍ يُهدّئُ من روعِ الشّارعِ ويُطمئنُ الخارِج.
تَسلّم الزّيدِي مَفَاتِيحَ “المنطقة الخضراء” فِي لحظةٍ فارِقَة. الرّئيس نِزار أمِيدِي، الّذِي لَم يَمضِ على تَسَلُّمِهِ مَنصِبَهُ سوى أسابيعَ قليلةٍ، وَضعَ التّكليفَ بينَ يدي الزّيدي في 27 نيسان الماضِي، مُدرِكاً أنّ العدوّ الأوّل لتشكيل الحُكومةِ العراقيّةِ هو الوقت: شهرٌ للتّشكيل.
قبلَ يوميْن حَسَمَ البرلمانُ الجِدَال. صوّت النّواب على “حكُومةٍ مَنقُوصَةٍ”، لكنّهَا “كافيةٌ” للانطِلاق. غابَت وزارتا السّيادةِ (الدّفاعِ والدّاخِلِيّةِ) عن التّصويتِ الأوّل بسببِ “لعنةِ المُحاصَصَةِ”، فبَقي الزّيديّ الذي سابقَ الوقتَ رئيساً للحُكومةِ ووزيراً بالوكالةِ في آنٍ واحدٍ، فِي انتظارِ ما سُتسفِرُ عنه تَفاهُمَاتِ ما بعدَ عطلةِ عيد الأضحَى على “الدّفاع” السّنّيّة، و”الدّاخليّةِ” الشّيعيّة.“البريدُ السّريع” بين طهرانَ وواشنطن
فِي العِراقِ، لا يُصنَعُ القرارُ خَلفَ الأبوابِ المُوصَدِةِ فَقَط، بل يُطهَى على نارٍ إقليميّةٍ ودُوليّةٍ هادِئةٍ، وأحيَاناً حارقة.
لا يُمكُن قِراءَةُ ولادة حُكومَة الزّيديّ بِمَعزِلٍ عَن “الرّسَائل المُتَبادَلةِ” بينَ البيتِ الأبيَضِ في واشنطن ومَكتب الإرشادِ في طهران عبر “صُندوقِ بريدِ بَغداد”.
الدّورُ الأمِيركيّ: يقولُ مصدرٌ عراقيّ مسؤول لـ”أساس” إنّ واشنطن، التِي تُراقِبُ بِحَذَرٍ، تُريدُ “عِراقاً مُستَقِرّاً” يَحمِي تَدفُّقَاتِ الطّاقَةِ ويضبُطُ إيقاعَ الفَصائِل.
بالنسبة للأميركيّين، الزّيديّ هوَ وَجْهٌ “مَقْبولٌ”: تِكنوقرَاط، يُدرِكُ لغَةَ الأرْقَامِ، ولا يَحمِلُ، في ظاهِرهِ، عداءً أيْديولُوجِيّاً فَجّاً كنُوري المالكِي مثلاً. تَمَحورَ الضّغطُ الأمِيركيُّ حَولَ ضَرورةِ إبعادِ وزَارَاتِ الأمْنِ عَن النُّفُوذِ المُباشِرِ للفَصَائلِ الشّيعيّة المواليةِ لإيرانِ، وهُوَ مَا يُفسّرُ تأجيلَ حسمِ حقيبَتَيْ الدّفَاعِ والدّاخِلِيّة.
الدّورُ الإيرَانِيّ: لا تَقبَلُ طَهرانُ، مِن جِهَتِهَا، بِضَياعِ نُفُوذِها فِي “الرّئَةِ الحَيَوِيّةِ”. كَانَت شَرِيكاً أسَاسِيّاً فِي هَندَسة طرح تكليف الزّيديّ عَبرَ “الإطارِ التّنسيقيّ”. تُريدُ طَهران حكومةً تَضمَنُ بقاءَ العِرَاقِ ضِمنَ ما يُعرَفُ بـ”مِحورِ المُمَانَعةِ” اقتصادِيّاً وسياسيّاً، لكنَّها فِي الوقتِ نَفسِهِ تحتَاجُ إلى “تهدِئَةٍ” تَسمحُ لهَا بالمناورَةِ فِي ملَفّاتٍ إقليميّةٍ أُخرَى. الزّيديّ هُوَ الحَلُّ الوسَط: مُرشّحُ “الإطارِ التّنسيقيّ” الموالِي للحرسِ الثّوريّ، لكن بِلَمسةٍ مَدنيّة.
المَخَاضُ العَسيرُ: مَراحِلُ الوِلادةِ
لَم تَكُن الطّريقُ إلى جَلسةِ مَنحِ الثّقَةِ مُعبّدة بالورُود. مَرّ تَشكيلُ الحُكومَةِ العِراقيّةِ بـ3 مَحَطّاتٍ كادَت أن تَعصِفَ بالعَمليّة بِرُمّتِهَا:
1- عقدَةُ الفَصائِل: الصّرَاعُ بيْنَ رَغبَةِ زعيمِ التّيّار الصّدريّ مُقتدى الصّدر في “حَلّ الفَصَائِل” وإصرَارِ القُوى الأُخرَى على بقائِهَا ضَمَانَة أمنيّة، وَضَعَ الزّيديّ في حَرَجٍ شَدِيد.
2- بورصةُ المُكوّنات: قادَ رئيسُ البرلمانِ العراقيّ هيبَت الحَلبُوسي مُفَاوضَاتٍ شاقّة لضمانِ “حصّة السّنّة” بـ6 وزارات. بينَمَا كانَ التّحالفُ الكُردِيّ يُقاتِل لضَمانِ استْحقَاقَات “إقليم كُردستان” في المُوازَنَةِ والنّفطِ.
3- شبحُ الشّارع: على الرّغمِ من “مرورِ الزّمنِ”، يبقى “تشرين” 2019 حاضِرَاً. أيّ حُكُومَة تُشتمّ مِنها رائحة المُحاصَصَةِ الفَجّةِ ستُواجِهُ ساحاتٍ ملتهبَة أسوةً بما واجَهه عادل عبد المهديّ في خريف 2019. لذَا حَاوَلَ الزّيدِي تَقدِيمَ “مِنهَاجٍ وزارِيٍّ” يَتَحدّثُ بلغةِ الخُبْزِ والخَدَمَاتِ، بعيداً عن الشّعَارَات.
بُورصَة الحَقائِب: اقتِسامُ الكَعكَةِ تَحتَ ظِلَال السّيادَةِ
في حاضرة العبّاسيّينَ، لا تُقاسُ الوزَارَةُ بِبَرنَامَجِهَا، بل بـ”وزنِهَا النّوعيّ” في مِيزَانِ المُكَوّنَات. حينَ فُتِحَت مُغَلّفَاتُ الأسمَاءَ في ردهَاتِ البَرلَمانِ، كانَ الواضحُ أنّ عليّ الزّيدي لم يَكُن يُؤلّفُ حكُومة بِقَدرِ مَا كَانَ يُديرُ “مَزَاداً علنيّاً” للتّرضِيَات. ليسَت الوزارةُ فِي العِراقِ تَكلِيفاً تِقَنيّاً، بل هِيَ “إقطاعِيّةٌ سِياسِيّةٌ” تضمَنُ بقاءَ الحِزبِ داخلَ دائرَةِ النّفوذِ والتّمويل.
”جاَءَت خَرِيطَةُ التّوزِيعِ كالعَادَةِ مَرسومَةً بِمِسطَرَةِ المُحاصَصَةِ التِي يَرفُضُ الجَميعُ تَسمِيَتَها ويُمارسُهَا الجَميعُ بإتقَانٍ:
- حِصّةُ “الإطارِ” والبَيتِ الشّيعيّ: احتَفظَت القُوى المُنضَوِيَةِ تحتَ رايةِ “الإطارِ التّنسِيقِيّ” بـ”العَمودِ الفِقَرِيّ” للدّولةِ. كانَ الإصْرارُ علىَ وزارَتَيْ النّفْطِ والكهرُبَاءِ واضحاً وضوحَ الشّمس. إذ إنّهما الشّرايينُ التِي تَضُخّ المَالَ والحَياةَ في “ماكينةِ الحُكمِ”. وَلم يَكُن نَصِيبُهُم منَ الحَقائِب الخَدَمِيّةِ إلّا تَأكيداً للرّغبَةِ في مُلامَسَةِ احتياجاتِ القَواعِد الشّعبِيّةِ المُتَملمِلَةِ، ومُحاولةً لترمِيمِ صُورةِ السّلطَةِ أمامَ جُمهُورٍ لم يَعُد يَكتَفِي بالوُعُودِ.
- المُكَوّنُ السّنّيّ و”السّيادَة”: خَاضَ التّحالفُ الذي يقُودُهُ هَيبَت الحَلبُوسِي مَعرَكَةً شَرِسَةً لانتزاعِ وزاراتٍ ذات طابعٍ “تنمَوِيٍّ” و”تَخطِيطِيّ”، فكانَت وزَارةُ التّخطيطِ والتّجارَةِ بِمنزلةِ المَغانِم التي تُعيدُ التّوازُنَ لنُفُوذِ القُوى السّنّيّة. بَينمَا ظَلّت العُيونُ شاخِصَة نَحوَ وزارةِ الدّفاعِ، التِي أُريدَ لها أن تَكُونَ “دِرعاً” يَحمِي التّوازُنَاتِ الأمنيّة في المُحافَظَاتِ بعيداً عن هَيمَنةِ لونٍ واحدٍ، وهو “الإطار” ومن معهُ.
- “أربيلُ والسّلَيمَانِيّة” ولعبةُ النّفوذِ: جرياً على العَادةِ، لم يَرضَ الأكرادُ بغيرِ “وزَارَةِ الخَارجِيّةِ” واجهةً لحُضُورِهِم الدّولِيّ، مع تَمَسُّكٍ بالخَيارِ التّقلِيديّ في وزارةِ الإعمارِ والإسكانِ. على الرّغم من الخِلافَاتِ البَينِيّةِ بينَ الحزبِ الدّيمقراطِيّ والاتّحادِ الوَطَنِيّ، توَحّد الأكراد في الحِفَاظِ على “الحُصّةِ الكُردِيّةِ” ككتلَةٍ صَلبةٍ لا تقبلُ القِسمَةَ إلّا علَى طُمُوحَاتِ الإقليمِ وحِسابَاتِه المُعقّدَةِ معَ بغدَاد.
إنّهَا “الدّيمقراطِيّةُ العَدَدِيّةُ” في أقسَى تَجلّيَاتِهَا، حيثُ تُخْتزلُ الدّولة إلى “رُقعةِ شَطرنج”، تُوزّعُ فيهَا الوزارات كقطَعٍ لِحِمَايةِ “الملوكِ” السّياسيّين. سيدخُلُ الوزراءُ الجُدُد مكاتِبَهُم، لكنّهُم يُدركُونَ أنّ ولاءَهُم الأوّلُ ليسَ لبرنامِج الزّيديّ الحكومِيّ، بل للمُكتَبِ السّياسِيّ الّذي رشّحَهُم، وللزّعيمِ الّذي مَنَحَهُم “بَرَكَةَ” المَنصِبِ. في العراقِ، الحقِيبةُ الوزاريّةُ ليسَت مَسؤولِيّة، بل هيَ “خندَقٌ” مُتقدّمٌ في مَعركَةِ البَقَاءِ.
هل تنجو السّفينة؟
جَلسَ الزّيديّ على الكُرسِيّ الهزّازِ. نَجَحَ في عُبورِ بَوّابَة البرلمَان، لكنّهُ لم يَعبُر بعدُ بَوّابَةَ الأزَمَات. العِراقُ اليوم أمَامَ “حُكومَةَ الوقتِ المُسْتقطع”. إمّا أن يَنجَحَ هذَا التّكْنوقرَاط “المُستَقلّ”، بينَ مُزدوجَيْن مُؤكّديْن، في تَحوِيلِ التّوافُق الإقلِيمِيّ – الدّوليّ إلى فُرصةٍ للاستقرار، أو أنْ يغرَقَ في تفاصيلٍ “الحصَصِ” التي التَهَمَت سابقِيه.
يقولُ التّاريخُ العرَاقِيُّ إنّ الحُكُومَات تُولَدُ في القُصُورِ، لكنّهَا تَموتُ في الشّوارِع. السّؤال الذِي يطرَحُهُ كُلّ عرَاقِيّ اليوم: هل هَذهِ الحُكومةُ هي بدايَةُ الحلّ أمْ “مُسكّنِ آلامٍ” فِي جَسَدٍ أنهَكتهُ الجِراحَات؟
الخَريطَة السّياسِيّةُ التِي رَسَمَهَا “الرّؤساء” نِزار أميدي الكُرديّ وهيبَت الحَلبُوسِي السّنّيّ وعلي الزّيدِيّ الشّيعيّ هِيَ “خَريطةُ المُمْكِن”، لكنّ فِي بلدٍ مِثل العِراقِ “المُمكِنَ” هُو دَائماً “عجِيبةٌ مُؤجّلةٌ”.
