لا يمكن حصر الأدب في مساحات ضيّقة تدور في فلك النزعة الجمالية فقط، إذ يتجاوز الأدب هذا الإطار ليؤدّي دورًا أعمق، لا سيّما في ظلّ الواقع المضطرب والحروب والأزمات. ففي مثل هذه الظروف، يصبح الأدب مساحة حيّة تطرح فيها أسئلة الإنسان الكبرى، المتعلّقة بالأنا، والهويّة الجماعية، ومعنى أن يكون المرء أديبًا في زمن التحوّلات. من هنا، تبدو العودة إلى تاريخ آداب الشعوب ضرورة ملحّة، لما يحمله هذا التاريخ من تجارب غنيّة في التعبير عن بحث الإنسان الدائم عن المعنى، حيث يتنفّس المثقّف ضمن فضاء من الحرية الفكرية والإبداعية.
انطلاقًا من ذلك، تبرز أهميّة الاطّلاع على آراء الكتّاب والأدباء اللبنانيين، ومنحهم مساحة لتفكيك الوقائع تحت مظلّة الأدب، وتأويل ما يحدث من حولهم. فالأدب، في هذا السياق، لا يكتفي بعكس الواقع أو سرده، بل يتجاوزه ليصبح أداة لإعادة صياغته، والبحث في قدرة الإبداع على تحقيق الحرية.
يتضمّن هذا التحقيق مجموعة من الأسئلة التي طرحت على الأدباء وهي:
كيف يعبّر الأدباء اللبنانيون اليوم عن واقع الأزمات والحروب المتجدّدة؟ وهل يكتفون بتوثيق المأساة، أم يسهمون في تفسيرها وإعادة تشكيل الوعي والهوية الجماعية في ظلّ واقع ما بعد الصدمة؟
| من اليمين: كامل فرحان صالح، أغنار عواضة، ومحمود عثمان |
كامل فرحان صالح (شاعر وأستاذ جامعي):
لسنا بمنأى عن الأزمات والحروب
لم يكن الأدباء والمثقفون في العالم عمومًا ولبنان خصوصًا، بمنأى عن الوقوف على الأزمات والأحداث والحروب عبر التاريخ. قد تتباين لغة التعبير بين السرد والشعر، إلا أنها في العموم، تبقى لغة ترتكز على المنحى الإبداعي التخييلي الذاتي الذي يلامس الواقع الحقيقي بشكل أو بآخر، لكنه ملزم في الوقت نفسه، بخلق واقعه الخاص بحسب شروط النوع الأدبي المعتمد، وجعل هذا الواقع المتخيل عالمًا موازيًا يعبّر الكاتب المبدع من خلاله عن موقفه الخاص، ونظرته للحدث المبنية على لغة أدبية تتسم غالبًا بانزياحات، واستعارات، ومساحات من التأويل والقراءات المتعددة التي قد لا نجدها، بالضرورة، في الكتابة التاريخية أو الإخبارية للحدث (أزمات، حروب، كوارث، ثورات…).
إن عملية توثيق المأساة والأحداث من مهام المؤرخين والإعلاميين بالدرجة الأولى، فالمؤرخ والإعلامي ليسا ملزمين بأكثر من ذلك في الغالب، ولغتهما في صياغة الحدث، يجب أن تتسم بالوصف الدقيق، وتقديم السياقات المنطقية بناء على معطيات واقعية، وبالتالي ليسا ملزمين بأكثر من ذلك أمام القارئ أو المتابع أو المشاهد… فما يقدمانه يندرج في الغالب الأعم، ضمن مهام الوظيفة وشروطها، أو الموضوعية العلمية. قد يدخل هؤلاء بعض العناصر البلاغية في كتاباتهم بهدف دعم عناصر التشويق أو التهويل من حجم المأساة، لكنها تبقى ضمن هذه الحدود، ونادرًا ما تتخطاها.
في المقابل، يُلحظ أنه على المبدع والأديب والشاعر والروائي أن يتقدم خطوة في هذا الإطار، وإلا سيبقى حبيس المشهدية التاريخية والإخبارية، وبالتالي يصعب أن يسجل تميزًا في هذا الخصوص إن لم يخرج من الإطار الموضوعي إلى الذاتي. فمن مهام المبدع عمومًا أن يقدم قراءة موازية للواقع/الحدث بحسب نظرته الذاتية الخاصة التي يصوغ من خلالها كتابة تقدر على تجاوز الآني المباشر نحو كتابة تقدر على تقديم خطاب ما – استشراف ما، يمتلك مقومات استمراريته بمعزل عن شرطي الزمان والمكان الأساسيين، فيساهم بشكل أو بآخر، بإعادة قراءة الأزمات والحروب والكوارث والثورات… بمعايير وشروط الإبداع الأدبي.
وفي سياق متصل، ليس بالضرورة أن يلتزم الأديب المبدع بتفسير الأحداث، وإعادة تشكيل الوعي والهوية الجماعية، فثمة أدباء يرفضون الغرق في وحل الأحداث والحروب، فيقدّمون نصوصًا قد لا ترتبط بالحدث/الأحداث؛ إلا أنه في القراءة النقدية اللاحقة، قد يستشف الناقد وجود ظلال ما في أثناء الحفر في النص. فهروب المبدع من الواقع، هو موقف أيضًا، وقد يفسّر رفضًا من قبله لكل هذا الجنون الذي يعصف بالعالم، ويسبب بسقوط ضحايا، ودمار المدن، والتوغل في قتل الإنسانية.
في الخلاصة، إن كانت تقع على المؤرخ والإعلامي مسؤولية تقديم الحدث حيًّا أمام القارئ اليوم، فإنه تقع على المبدع مسؤولية أن يبقي، من خلال نصّه، الحدث متوهجًا وحيًّا عبر قرّائه اليوم وفي المستقبل. فكتب الأدب بقدر ما فيها من نصوص حيّة متوهجة، تضم أيضًا الكثير من النصوص الميتة التي عجزت عن ملامسة الخلود.
محمود عثمان (أكاديمي وشاعر):
الشعر صرخة ضد الظلم والطغيان
إنّ التزام الشاعر الأول والأخير هو إخلاصه لقصيدته على مستوى اللغة والموسيقى والجمال والشعر صرخة ضد الظلم والطغيان. ولكن لا يمكن أن يكون نشاطًا سياسيًا لصالح هذا الحزب أو ذاك. معظم القصائد السياسية أشعار ظرفية لا تعمّر طويلًا وبالتالي فإنّ القصائد الجيدة ذات الطابع السياسي نادرة جدًا.
الشاعر في نظري مترفّع عن ألاعيب السياسة وبهلوانياتها فهو مستقل ويسعى إلى التعبير عن جوهره الخاص. الشاعر يتبنّى قضايا سياسية ذات بُعد إنساني كمقارعة الاستبداد والاحتلال ومناهضة التمييز العنصري. وبالتالي فالشعر لن يكون في خدمة السياسة بمعناها النفعي الانتهازي بل السياسة في خدمة الشعر.
الشاعر يتبنّى قضايا الإنسان العادلة بلا قيد ولا شرط سوى موهبته. وهكذا يساهم في تكوين الرأي العام والهوية الجماعية. الشاعر ليس سمسارًا ولا بيّاع مواقف. وبئس الشاعر الذي يدنّس شعره!
التاريخ يقول إنّ هناك شعراء ساهموا في صنع الهوية الجماعية لشعوبهم. خذي مثلًا بابلو نيرودا فهو من خلال قصائده في تمجيد الأرض وتقديس التاريخ والنضال رسم هوية مقاومة لكل أشكال الاستعمار والاستبداد. خذي مثلًا صاحب “أوراق العشب”، والت ويتمان، الذي رسم هوية الإنسان الأميركي من خلال التغنّي بالحرية والتنوع والجمال. وخذي مثلًا محمود درويش الذي أصبح رمزًا للنضال الفلسطيني ضد الاحتلال والعنصرية.
أغنار عواضة (شاعرة):
الأدب يتجاوز التوثيق إلى تفسير الواقع وإعادة تشكيل الوعي
تُظهر تجارب التاريخ، منذ صعود أدولف هتلر إلى حقبة جوزيف ستالين وانقلاب أوغستو بينوشيه، أنّ هيمنة “لغة القوّة” تؤدي إلى انكماش الديمقراطية وخفوت صراع الأفكار عبر نشر الخوف وإلغاء التعددية. وحتى في الأنظمة الديمقراطية، يمكن لمناخ الخوف أن يقيّد حرية التعبير ويُضعف الجرأة على الاختلاف.
في مواجهة ذلك، يبرز “المثقف المشتبك” كما عند أنطونيو غرامشي، بوصفه نموذجًا أخلاقيًا ومعرفيًا يحافظ على صدقه واستقلاليته، ويعيد الاعتبار للحقيقة في زمن تتقدّم فيه القوّة على الفكرة.
ضمن هذا السياق، يتجاوز الأدب التوثيق إلى تفسير الواقع وإعادة تشكيل الوعي.
ولكن في لبنان للأسف يعاني المثقف من وقوعه في قمع مزدوج، قمع الطوائف المتناحرة وقمع السلطة الرسمية بما فيها النظم والركائز الثابتة في محتمعات تقليدية. ويبقى هامش تأثيره كفرد غير منضوٍ في أحزاب عريضة بإعادة تشكيل الواقع وسردياته ضئيلًا أو معدومًا فينكفئ، ناهيك عن تعريض حياته للخطر.
في سياق الحرب الطاحنة، يبرز في لبنان نوع جديد من الأدب هو “أدب المنازل المهدّمة والمدن المجروفة”، حيث تتحوّل البيوت إلى رموز للفقد، والمدن إلى ذاكرة مجروحة تُقاوم النسيان.
ليس لدينا ترف التأثير لأنه ليس صراعًا فكريًا بقدر ما هو تحول في منظومة العالم عن طريق القوة المفرطة. غير أنّ لكلّ كاتب طريقته في مقاربة هذا الخراب؛ فبالنسبة إلي، يتيح الشعر، بما فيه من غموض وكثافة، فسحة أوسع للبوح. أكتب لنفسي بقدر ما أكتب لرواية تتشكّل في داخلي، رواية عن حروب لا تنتهي في هذا الشرق الذي يتنازعه العالم. وهكذا، تصبح الكتابة مساحة شخصية وجماعية في آن، تُعيد صياغة الألم وتبحث، وسط الركام، عن معنى للاستمرار وإمكانٍ للحياة.
| من اليمين: يسرى البيطار، فاروق خدّاج، وهالة نهرا |
هالة نهرا (كاتبة وشاعرة):
علينا بناء وترميم الوعي
أعتقد أنه لو يتسنّم الموسيقيون والفنانون والأدباء والشعراء ذوو الأفق الواسع والحكماء الحقيقيّون زمام القيادة في هذا العالم لانتفت الحروب، ولأصبح العالم أرحب وأذكى وأنبل وأجمل وأرقى وأكثر التحامًا واتّحادًا، وأكثر ملازمةً للعدالة وتماهيًا مع إنسانية الإنسان وتناغمًا مع الكون.
كتبتُ قصيدةً نُشرت في ديواني الشعري “أمنح شعوبي أسمائي الـ7” تناولتُ وعالجتُ فيها الموضوع: “كثيرةٌ هي مصافُّ الأباريق/ عنوانها لا يُعرَب إلا بعينيك/ وشعراء غيارى يقطفون النبق والمَندرين/ من شجر قصائدي/ ساحةٌ دحرجَها ضِيقُها النرجسيّ/ وكلّما أشعل شاعرٌ ركاكتين/ قال: أنا من تشرق الشمس من إصبعي..!/ “غناء الأرض” لغوستاف مالر أجمل من pavane الحربين العالميتين/ الأولى والرابعة/ في بروباغندا الحبور الجبّار/ ومقالات المشحونين بالطبول وإيقاع المارشات السعيدة وجؤار الأبقار…/ وكل الحروب من أعراض فشلِ الإنسان/ كحيوانٍ مفكّر./ ذهب جون ستاينبك/ ولم يغرّد جملته سوى دُوريٍّ/ كان يبني عشّه في ريف شِعري/ أنا من قلبتُم مقامات ظَهري/ فعادت مُهَوْدَجة بالنجوم في سماء العالَم/ واستوسع المدى/ إكرامًا لوعد البحّارة في يعبوب العبارة…/ حين أموت غدًا/ زفّوا أرواحي الـ7 وعين السبع في أرواحي/ فوق رماد العالم الجديد القديم/ واشربوا جيوش عينيَّ نخب الحضارة/ مِن تلهُّف الجوعى/ إلى الطحين والشغف والجنون/ يبرق بيت الوجود/ خلف المنفيّ المستوحش في السُّحُب/ المعفور بنُسغ السدرة وزعفران الخلود/ وسيفُ المَلكِ الحبيب يراقصُ ترس الشذا/ في صولات الماء المبقبق/ في لغتي…/ أنا دمعةٌ هوت من جرح الغيب/ على قدّ الحجَرِ/ نحتت عناوينكم في الزمانِ/ وامتثال القدَرِ”.
على الشعراء والأدباء عدم الاكتفاء بتوثيق المأساة فهذه مهمّة ووظيفة الصحافيين والإعلاميين عمومًا، علمًا بأنّ الأدب في ظروفٍ وحالاتٍ مشابهة يتحوّل إلى وثيقةٍ تاريخيةٍ إبداعية، بل عليهم أيضًا إذا استطاعوا بناء وترميم الوعي، لا سيما أنّ الوعي الجمعيّ لا يزال مشوَّهًا في بلدنا لبنان بسبب بنية وطبيعة النظام الطائفي المقيت المتخلّف والخطير الذي يُبقي لبنان على فوهة بركان، إضافةً إلى مخاطر وتداعيات حرب العدوّ الغاشم علينا. وعليهم إعادة تشكيل الهوية الوطنية الجامعة الموحِّدة في غيهب الانقسامات. الشاعر أو الأديب ينبغي أن يحمل ليس ذاته وأناه الفرديّة فحسب، بل أيضًا قضايا وصوت شعبه ووطنه، وعلى كلماته أن تكون محفوفةً بالنور وسط الظلام.
الثقافة ليست استعراض معلومات ولا بعدد الكتب المقروءة والمكتوبة فحسب في تراكمها كمًّا ونوعًا، بل هي أيضًا مجموع المواقف النقدية إزاء الإشكاليات الراهنة والملحّة. القراءة يجب أن تنتج أفقًا معرفيًا واسعًا والكتابة كذلك بطبيعة الحال حُكْمًا؛ والسؤال الأهمّ هو: ماذا يفعل الإنسان بالمعرفة والوعي وكيف يستثمرهما في خدمة التقدّم، وللخروج من النفق المظلم نحو بؤر الضياء والخلاص. الطائفية اللعينة مقبرة الأوطان وتُشوِّهُ الوعيَ الفرديّ والجماعيّ وإنْ لم يتعلّم شعبُنا الحبيب من دروس الحرب الأهلية المقيتة المريرة وما أفرزتْهُ ويستخلص العبَر فلا يمكنه بناء وطن موحّد حصين منيع والعبور نحو غدٍ مُشرق.
يقول أحد الفلاسفة الكبار في العالم إنّ التاريخ يعيد نفسه مرّتين، مرّة على شكل مأساة، ومرّة على شكل مهزلة. لذلك فعلى الأدباء والشعراء والمثقّفين أن يحفروا في الوعي. حتى بعض النخب قد تصبح جزءًا من القطيع إن لم تكن متسلّحة بوعيٍ مغايرٍ وإن لم تنتج وعيًا مغايرًا جديدًا مؤثرًا يضيف ويثمر في التراكم ويفضي إلى التماسٍ جديدٍ منقذٍ ينطلق من اكتناه الضرورة والضرورة هي بناء الوطن والدولة وترسيخ السِّلْم الأهلي.
فاروق خدّاج (كاتب وباحث):
الأديب شاهد ومفسّر
في لبنان اليوم، لم يَعُدِ الأدب مجرّدَ مرآةٍ تعكسُ الألمَ، بل غدا عدسةً تبحثُ عنِ المعنى وسطَ الفوضى، وتُحاولُ إعادةَ صياغةِ التجربةِ الإنسانيّةِ بلغةٍ قادرةٍ على الاحتمالِ. فالأديبُ اللبنانيُّ، في ظلِّ الأزماتِ المتراكمةِ والحروبِ المتجدّدةِ، لم يَعُدْ يكتفي بتوثيقِ المأساةِ بوصفِها سردًا للأحداثِ، بل يتوغّلُ في طبقاتِها العميقةِ، سائلًا: لماذا حدثَ كلُّ هذا؟ وكيف أعادَ تشكيلَ الإنسانِ؟ وإلى أين يمضي بنا؟
نقرأُ في النصوصِ المعاصرةِ انتقالًا واضحًا من السردِ الأفقيِّ، الذي يكتفي بوصفِ الوقائعِ، إلى سردٍ عموديٍّ ينفذُ إلى المعنى. لم تَعُدِ الكتابةُ تسجيلًا متأخّرًا للكارثةِ، بل صارت محاولةً فلسفيّةً لفهمِها. فالأدبُ هنا لا يُؤرشفُ الألمَ فقط، بل يُفكّكُه، ويُعيدُ تركيبَه ضمنَ رؤيةٍ تتجاوزُ الحدثَ إلى دلالاتِه الوجوديّةِ.
وفي هذا السياقِ، يقفُ الأديبُ في منطقةٍ دقيقةٍ بينَ الشهادةِ والتأويلِ: هو شاهدٌ، نعم، لكنّه أيضًا مُفسِّرٌ. يستخدمُ اللغةَ لا ليصفَ الانهيارَ فحسب، بل ليُقاومَ عبثيّتَه، مُستخرجًا من الركامِ لحظاتِ دلالةٍ، تجعلُ من الكتابةِ فعلَ مقاومةٍ هادئةٍ، ولكن عميقةً.
أمّا الهويّةُ، فلم تَعُدْ ذلكَ المُعطى الثابتَ، بل تحوّلت إلى سؤالٍ مفتوحٍ. بعدَ الانهياراتِ الكبرى، لم يَعُدْ ممكنًا الحديثُ عن تعريفٍ جاهزٍ للبنانيِّ، بل عن تجربةٍ متحرّكةٍ تتشكّلُ من الألمِ والانكسارِ، وربّما من الأملِ أيضًا. والأدبُ يلتقطُ هذا التشظّي، لا ليحلَّه، بل ليحتويه ويمنحَه لغةً.
ولا يمكنُ إغفالُ حضورِ السخريّةِ والفكاهةِ السوداءِ في هذا المشهدِ؛ فهي ليست هروبًا من الواقعِ، بل وسيلةٌ لفهمِه بعمقٍ مختلفٍ. حين يضحكُ الكاتبُ في وجهِ الكارثةِ، فهو لا يُنكرُها، بل يكشفُ تناقضَها، ويمنحُ القارئَ زاويةَ رؤيةٍ أكثرَ صدقًا من البكاءِ نفسِه.
هكذا، يتجاوزُ الأدبُ اللبنانيُّ دورَ المرآةِ، ليُصبحَ أداةَ تفسيرٍ وإضاءةٍ؛ لا يُقدّمُ خلاصًا جاهزًا، لكنّه يفتحُ بابًا على فهمٍ أكثرَ إنسانيّةً لما نعيشُه.
يسرى البيطار (أكاديمية وشاعرة):
لا نزال في قلب الصدمة
تحديدًا للمصطلح، أريد أن أحدّدَ المقصود، في نصّي، بكلمة الأدباء. فأنا أعتبر أنهم المبدعون، ونخبة الأقلام في الصّفّ الأوّل.
هؤلاء الأدباء هم أصلًا قادةُ رأيٍ وفكر في مجتمعاتهم، وهكذا فإنّ مواقفهم في ذاتِها تؤثّر في قسمٍ من الرأي العامّ، على أساس الثقة بالقدوة. فعندما يعلن الأديب موقفًا، فإنه حتمًا مؤثّر. ولكنّ أزمة العصر الحاليّ هي فتحُ المنابر الافتراضيّة لمَن يسمَّون “مؤثّرين” من الأغبياء والأصوات المدفوعةِ الثمن، وأنّ هؤلاء يتبعهم غاوون من نوعٍ آخر، وهُم أكثر عددًا من متّبعي الأدباء.
لقد أسقَط العصر الجديد فكرة “المثال” الذي كان يتمتع بالعِلم والأخلاق والحكمة، لصالح ديمقراطية كلّ شيء، حتى ديمقراطيّةِ التفاهة والغباء وإسقاطِ المعايير.
حتى الجمال لم يعد له معيار، وهذا أخطر ما في الأمر.
لذلك، وبما أنّ الأديبَ يجب أن يتمتع بالمنطق والحكمة وسلامة التفكير، فلا بد من أن يفسّر الوقائع، لِيسهم في تشكيل الوعي المجتمعيّ، وهذه مهمّة غير سهلة، لكنها طالما كانت رسالة الأدباء والفلاسفة الكبار عبر التاريخ.
ولكن، كيف نحمي حرّيّة الكلمة في وطنٍ مكشوفِ الأرض والسماء؟
مَن يحمي الأدباء والمفكّرين من الاغتيال، منذ أوّل خطوة نحو تشكيل العقل؟
وفي دولةٍ لا تحترمُ مفكّريها، مَن يحمي الأدباءَ الكبار من الاستهداف في وظائفهم، أو في حقوقهم المشروعة؟
نحن، في لبنان اليوم، لم نبلغ مرحلة ما بعد الصدمة، بل لا نزال في قلب الصدمة. يتألّم الأدباء لمشاهد القتل والدمار، فيكتبون معبّرين عن الحزنِ والأسى. لكنّ الأهمّ هو تعبيرُهم عن الرفض، والغضب، وتحديد المسؤولين عن المجازر، وعن تدمير الوطن والإنسان!
لذلك، لا بد من مواقف جريئة وواضحة يتّخذها أدباءُ لبنان، فالمواقف التي تحتمل التأويل هي شيءٌ من النفاق! الوطن لم يعد يحتمل النفاق. أما أولئك الذين يبكون الضحايا، ويفرحون في قلوبهم بالاحتلال، فإنهم طارئون على الأدب، والعقل، والوطن.
| من اليمين: رنيم ضاهر، علي مطر ونسرين النقوزي |
رنيم ضاهر (شاعرة):
الأدب جزء من مشهد الحروب
لطالما كانت الحرب أزمة الوجود الكبرى؛ وقد اعتبر فرويد أنها جزء من طبيعة الإنسان التدميرية، وصراع بين غريزتي الموت والحياة، وصراع البشر مع أنفسهم، وعشنا نحن اللبنانيين ويلات الحروب على امتداد التاريخ، سواء كانت داخلية محضة أو خارجية، فدفع هذا البلد الصغير ضريبة جماله وموقعه ومصالح الآخرين.
هل الأدب جزء من هذا المشهد؟ نعم، ولكن كلٌّ حسب معاناته: منهم من يؤرّخ اللحظة بمقال أو قصيدة أو احتجاج أو إشكالية مفتوحة على المنبرية والصوت العالي، ومنهم من يخزّن ليكتب لاحقًا عن غصة الأم المتجمّدة في الحلق، وانهيار الأب الداخلي، والذكريات التي قُمعت تحت الأنقاض.
هذا عدا عن الغبار المتراكم بين قصيدة وأغنية وكونشرتو، وعن الألعاب التي بقيت دموعها عالقة على الوسائد.
سيُكتب الكثير عن الطبيعة التي صارت رمادًا، وعن السياسة التي فتحت نفقًا في اللاوعي الجمعي، ونافذة مشرعة على العواصف الكونية الكبرى.
وسيخضع الأطفال لجلسات نفسية طويلة كي لا يتذكروا بيوتهم الميتة وطنين جرس المدرسة وهو يئن من الصدمة، والبحر الذي صار بحرًا آخر ليصبح الصراع بين الماء والتراب والهواء والنار، صراع الآلهة على جنة صغيرة كحبة عدس.
سيُسقط روائي بعد الحرب قصة رومانسية على المشهد لينسى الجيل اللاحق سوداوية تلك اللحظات، وسيتوزّع الموتى بين مقابر العائلة ومقابر الذاكرة، وسينجو الكثير من الكتّاب ليكتبوا عن الصدمة بطريقة مشفّرة وأحيانًا واضحة، لكنها تشبه لحظة وعي جديدة، حين يتحوّل الحدث إلى إدراك، والظل إلى تمثال، والحرب إلى لعبة تجرّ خلفها العناكب والحديد الصدئ وعواصف رملية تشلّ الحواس.
نسرين النقوزي (كاتبة):
الحروب التي لا تنتهي بلبنان محرك يعيد تشكيل نفسيتي وأفكاري
الحروب المتكررة والأزمات التي لا تنتهي في لبنان هي المحرك الذي يعيد تشكيل نفسيتي وأفكاري وطاقتي باستمرار. لقد عشتُ هذه التجربة بكل تمزقاتها؛ قضيتُ فترات بين الجنوب وبيروت، وفترات أخرى كنتُ فيها خارج لبنان. والواقع أن الوجود في الخارج وقت الأزمة يوازي بصعوبته أن تكون في الداخل. الحروب التي تعنينا تدور بين الأنا والأنا، بين العقل والقلب. كل تجربة مررتُ بها تركت في داخلي ردة فعل يجمعها الغضب، الحزن، الانكسار، والإحباط، وصولًا إلى لحظة الاستسلام التي يتبعها دائمًا رفض قاطع لهذا الاستسلام.
أحاول حاليًا تفريغ هذه المشاعر المتناقضة في مقالات أنشرها، مشكّلة نواة ستتفتت وتنفجر في كتاباتي القادمة. طموحي الآن هو امتصاص هذه الصدمات المتلاحقة وترميم وعيي الخاص أولًا، قبل التفكير في التأثير بالوعي العام.
أما عن جدلية “توثيق المأساة” أو “تفسيرها” وإعادة تشكيل الوعي والهوية الجماعية، فأرى أن كل هذه الأدوار تكمّل بعضها البعض. الأهم هو وصول الكاتب إلى مرحلة من الوعي والنضج تجاه ما يحدث قبل أن يبدأ بالتعبير عنه. فالكاتب حين يكتب، نعم يوثق الأحداث، لكنه أيضًا يقدم تجربة إنسانية يتقاطع فيها مع الآخرين. المتلقي اليوم، وفي ظل واقع “ما بعد الصدمة”، بحاجة ماسة لأن يقرأ ويرى ما شعر به غيره؛ يحتاج لأن يجد مَن يمنح مشاعره المبعثرة صوتًا وصورة ليحمي هويته من التلاشي. هنا تكمن قوة الأدب، في قدرته على تحويل الوجع الفردي إلى وعي مشترك، وفي جعل الصدمة جسرًا للتواصل والتماسك، بعيدًا عن القوالب الجاهزة أو الوعظ المباشر. نحن نكتب لنفسر هذا الخراب إنسانيًا ولنشعر أننا لسنا وحدنا فيه.
علي مطر (شاعر ومخرج):
واجهت ناسًا يرددون لا وقت للشعر!
كشاهد على حروب كثيرة، أول ما يبادرني الإحجام عن القول، طالما أن الحرب أساسًا هي غياب السياسة وتحطيم العقل وإطلاق الغرائز، حيث تتولد سدود أمام الرأي المعارض حتى ولو بُني على أدلة وحجج علمية صلبة وواضحة. أقول هذا كشاهد على حروب عديدة إذ في كل مرة تتكرر المواقف والانحيازات العمياء، لهذا أميل إلى الإحجام. لكني أعاود الكتابة لعل في الكلام شيء من معنى قد يحرك الوعي ضد الحرب.
في هذه الحرب الأخيرة، كتبت ضد الحرب أيضًا واستدعيت مقولة بول فاليري الشهيرة: “الحرب يا لها من حماقة”… وخوّنني البعض لهذا. كتبت القصائد أيضًا بوصفي شاعرًا، ونشرتها على صفحتي على الفيسبوك. قصائد عن “المدينة المدمرة”، عن “الجسر المدمر”، عن “النجاة”، عن “البيت المفقود”، وبالرغم من أنني ذهبت معظم الوقت إلى الشعر، واجهت ناسًا يرددون: لا وقت للشعر، الوقت “للأكفان”.