ملخص
هزيمة أوربان لا تعني نهاية اليمين المتطرف في أوروبا، بل تكشف تحوله من مشروع معادٍ لبروكسل إلى تيار قومي يبحث عن سيادة أوروبية بعيدة من ترمب وروسيا والصين. سقوطه يفتح الباب أمام توافق أوروبي جديد يجمع بين النخب الليبرالية وبعض الشعبويين حول الدولة القومية، إعادة التسلح، والاستقلال الاستراتيجي، في لحظة يتراجع فيها النفوذ الأميركي وتعيد موسكو حساباتها.
في مرحلة ما خلال أواخر القرن الـ19، حين كانت الإمبراطورية النمسوية-المجرية لا تزال تمتد من البحر الأدرياتيكي إلى ما يُعرف اليوم بأوكرانيا، دخل رجل مجري إلى مكتبة في فيينا وسأل البائع: “هل يمكنك أن تبيعني كرة أرضية للمجر؟”. ولأن هذه القصة تجسد على نحو مثالي غرور شعب يرى في أمته مركز الكون، باتت من تلك الحكايات المتداولة التي يصعب التحقق من صحتها. وبالطبع، في غضون جيل واحد، جُردت المجر من ثلثي أراضيها بموجب معاهدة تريانون، مما جعل كبرياء مشتري الكرة الأرضية يبدو، عند النظر إليه لاحقاً، أقل هزلية وأقرب إلى المأساة
لكن القصة تكتسب اليوم معنى آخر. ففي أعقاب الانتخابات البرلمانية التي جرت في المجر في الـ12 من أبريل (نيسان) الماضي، بات غير المجريين هم من يطلبون رؤية “كرة المجر الأرضية”. فالمراقبون السياسيون المعتدلون والليبراليون، لا في فيينا وحدها، بل أيضاً في بروكسل وباريس وبرلين ونيويورك، يرون في الهزيمة الساحقة التي مُني بها الرجل القوي فيكتور أوربان إشارة إلى انحسار المد اللاليبرالي العالمي. والأمل لديهم أن العالم سيسير حيث تسير المجر: فلن تفوز مرشحة يمينية متطرفة مثل مارين لوبن في فرنسا، ولن ينتصر حزب “البديل من أجل ألمانيا” اليميني المتطرف في ألمانيا.
لكن هذا التصور، شأنه شأن منظور مشتري الكرة الأرضية الأصلي، بعيد كل البعد من الواقع. فقد فاز بيتر ماغيار، رئيس وزراء المجر الجديد، بفضل موجة من الطاقة المناهضة للمؤسسة الحاكمة، وهي موجة يمكن أن تفيد بسهولة منافسين شعبويين في بلدان أخرى. ففي الانتخابات البلغارية الأخيرة، على سبيل المثال، خاض حزب الرئيس السابق رومين راديف الذي تصفه وسائل الإعلام الغربية بأنه موالٍ لروسيا ومتشكك في الاتحاد الأوروبي، الانتخابات وفاز على أساس حملة مناهضة للفساد شبيهة بحملة ماغيار في المجر، مما يثبت أن الخطاب القوي المناهض للفساد يمكن أن يوصل إلى السلطة لا خصوم أوربان وحدهم، بل أيضاً ذلك النوع من القادة السياسيين الذين ينظر إليهم عادة على أنهم حلفاء له.
لكن الأرجح، إذا وصل القوميون الشعبويون في أوروبا إلى السلطة، أنهم سيواصلون البحث عن طرق لإعادة تشكيل الأنظمة الديمقراطية الليبرالية، وستظل أساليب أوربان ووصفاته السياسية تُعد بالغة القيمة. فهزيمته لا تعني نهاية سياسة اليمين المتطرف في أوروبا، بل نهاية الوهم بأن “الترمبية” حركة عالمية. ومن خلال قبوله الهزيمة وعدم الطعن في النتيجة، خلافاً لما فعله ترمب عام 2020 وما توعّد بتكراره، أعاد أوربان تأكيد أن اليمين الأوروبي الجديد لا يزال ملتزماً قواعد اللعبة الديمقراطية. وبصفته محافظاً هو الآخر، لا يمثل ماغيار رفضاً للقومية على طريقة أوربان، بل تطوراً لها.
إن فوزه يعلن بداية حقبة جديدة في السياسة الأوروبية. فمن خلال الابتعاد من ترمب، قد يدفع اليمين المتطرف في أوروبا القارة فعلياً نحو توافق جديد، تكون فيه النخب المؤيدة لأوروبا مستعدة لقبول مركزية الدول القومية في مستقبل التكامل الأوروبي، بينما تقر أحزاب اليمين المتطرف بأن موسكو وبكين وواشنطن، لا بروكسل، هي التهديد الحقيقي لسيادتها الوطنية. وبعبارة أخرى، قد تصبح أوروبا أخيراً أكثر أوروبية.
كيف خسر أوربان المجر؟
من نواحٍ كثيرة، احتل أوربان، أطول رؤساء الوزراء بقاءً في السلطة في أوروبا، داخل اليمين السياسي موقعاً شبيهاً بالموقع الذي شغله فيدل كاسترو قبل عقود داخل اليسار: زعيم دولة صغيرة محدودة الأهمية نسبياً، لكنه نجح مع ذلك في أسر خيال العالم. فقد حوّل المجر إلى مركز فكري ومؤسسي ومالي لليمين الأوروبي الجديد. ففي بودابست، كان مثقفو اليمين المتطرف يُعاملون كملوك، وكانت الأحزاب اليمينية المتطرفة تجد في البنوك المجرية من يمدّها بالقروض، وكان سياسيون يمينيون سابقون مثل الوزير البولندي السابق زبيغنيو زيوبرو، أو رئيس الوزراء المقدوني الشمالي السابق نيكولا غرويفسكي الهارب من العدالة، يجدون فيها ملاذاً سياسياً.
كانت ثورة أوربان الانتخابية الأصلية عام 2010، في معظمها تمرداً على فساد الحكومة الاشتراكية السابقة. لكن معارضته الشرسة لخطة أنغيلا ميركل فتح حدود الاتحاد الأوروبي أمام اللاجئين الوافدين من الحرب السورية هي التي جعلت منه لاعباً في السياسة الأوروبية. فقد قُرئ تمرده على برلين وبروكسل باعتباره محاولة لقلب دور الدول الأوروبية متوسطة الحجم في السياسة العالمية. ووضع نفسه في موقع الوسيط الذي لا غنى عنه: صار الحليف الأيديولوجي لترمب، وأقرب صديق جيوسياسي لفلاديمير بوتين، والشريك الاقتصادي الأكثر موثوقية للصين داخل الاتحاد الأوروبي. وفي عصر ترمب، حين باتت السياسة والدبلوماسية تدوران بصورة متزايدة حول العلاقات الشخصية بين القادة لا حول المصالح المشتركة بين الدول، بدا أن هذا التموضع يمنح المجر نفوذاً استثنائياً. وواصلت بودابست شراء الغاز الروسي الرخيص، وكانت الاستثمارات الصينية في المجر أعلى منها في ألمانيا وفرنسا، بل إن بودابست طُرحت موقعاً محتملاً لاجتماع بين ترمب وبوتين كان يفترض أن ينهي الحرب في أوكرانيا.
في الواقع، يصعب فهم أهمية أوربان في السياسة الأوروبية من دون التوقف عند مصادر الدعم غير المسبوق الذي حظي به من بكين وموسكو وواشنطن. ففي نظر ترمب، كان أوربان وجه الثورة “الترمبية” في أوروبا، بل مستشار البيت الأبيض الأول في شؤون القارة. وكما أقنع بنيامين نتنياهو ترمب بأن النظام الإيراني هش، أقنع أوربان قادة حركة “لنجعل أميركا عظيمة مجدداً” بأن أوروبا الشرقية قريبة في مزاجها السياسي من الولايات الأميركية المحافظة المؤيدة للجمهوريين، وأن أوروبا ستلحق بالتحول “الترمبي” في الولايات المتحدة خلال دورة انتخابية واحدة فقط. أما في نظر موسكو، فكان أوربان مخبرها الأول داخل الاتحاد الأوروبي، وأبرز مروّج لروايتها عن حرب أوكرانيا. فهاجم فولوديمير زيلينسكي بلا هوادة، وملأ المجر بملصقات معادية له، ووقف علناً إلى جانب روسيا في حربها داخل أوروبا. وفي المقابل، أرسل بوتين خبراء الكرملين في هندسة الحملات والتأثير السياسي لمساعدة أوربان في حملته الانتخابية.
لكن المفارقة الكبرى ربما كانت أن أوربان، بهذه المناورات كلها، صار هو نفسه ما حاول في البداية تدميره: سياسياً عولمياً. ففي حملته الانتخابية الأخيرة، كانت السياسة الخارجية، لا القضايا الداخلية المجرية، محور التركيز، واستضاف قادة أجانب مثل نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، وحصل على تأييد الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، في محاولة لإظهار الأهمية العالمية للمجر. لكنه اكتشف أن العولمية، في مجر أوربان نفسها، رهان خاسر. أما حملة ماغيار، فوضعت قضايا مستوى المعيشة في صدارة خطابها، وتجنبت عمداً السياسة العالمية.
وعندما كان أوربان يشرح انتصاراته الانتخابية السابقة، كان يمزح قائلاً إن اسمه الأول هو حرفياً “فيكتور”، أي المنتصر. أما هذه المرة، فهُزم على يد شخص يحمل اسم عائلة “ماغيار”، وهي كلمة تعني حرفياً “مجري”.
كيف خسر ترمب اليمين الأوروبي؟
بغض النظر عن أوربان، استغرق القادة الأوروبيون وقتاً كي يدركوا أن رئاسة ترمب الثانية ليست، في ما يتعلق بأوروبا، مجرد رئاسة قائمة على الصفقات أو عصية على التنبؤ. كانت بروكسل استعدت لحرب تجارية، لكنها وجدت نفسها في مواجهة حرب أيديولوجية. أما الأمل في أن الرئيس الأميركي سيدرك في النهاية فائدة الحلفاء، فتبيّن أنه في غير محله.
وبالنسبة إلى ترمب، لم يكُن النظام الليبرالي نظاماً أميركياً. فأوروبا التي ساعدت الولايات المتحدة في بنائها بعد الحرب العالمية الثانية أصبحت، في نظره، معادية لأميركا. وعلى رغم أن الولايات المتحدة أسست الاتحاد الأوروبي ورعته، فإنه تطور في نظره إلى قوة تحدّ من حرية واشنطن ونفوذها. وفي سردية ترمب، كان تراجع التصنيع في الولايات المتحدة وتفكك نسيجها الاجتماعي ثمناً دُفع مقابل ليبرالية تجاوزت فائدتها.
في هذا التصور، يكمن زيف النظام الليبرالي في ادعائه المساواة بين الدول: أن تُعامل بلغاريا، من حيث المبدأ، كما تُعامل الولايات المتحدة، وأن تُطالب واشنطن بالخضوع للقواعد نفسها التي تُلزم بها أية دولة أخرى. أما رؤية ترمب لنظام ما بعد الليبرالية، فهي ما وصفه المنظّر السياسي ستيفن هولمز بأنه “تراتبية بلا نظام”: عالم يقف فيه ترمب في موقع الملك، ويتحرك الآخرون في مراتب أدنى، يملك بعضهم قوة أكبر من بعض، لكنهم جميعاً يدورون في فلكه. وقد تُمنح قوى كبرى أخرى مثل الصين وروسيا، مجالات امتياز خاصة بها، لكن ما دامت تقرّ بالتفوق الأميركي. وهذه ليست سياسة مناطق نفوذ تقليدية، فترمب لا يسعى إلى التعاون، بل إلى خضوع يعترف بتفوقه.
يمثل ترمب، في نواحٍ كثيرة، مفارقة بحد ذاته: فهو قومي يجد صعوبة في فهم القومية، ولا سيما قومية الآخرين. ولاقت أجندته القومية المناهضة للهجرة والسياسات الخضراء وثقافة “اليقظة” صدى لدى ناخبي اليمين المتطرف في أوروبا. ومع أوربان، خلق شعوراً بأن العالم يشهد تحولاً ثورياً، وأن اللاليبراليين سيرثون الأرض. لكن حتى حين قدّم دعماً خطابياً إلى حلفائه الأيديولوجيين في أوروبا، فشل في إظهار الاحترام الذي كانوا يتوقعونه منه. فقد شعر قادة اليمين المتطرف الأوروبيون بالقلق من رسوم ترمب الجمركية العام الماضي، ثم عارضوا طموحه في ضم غرينلاند.
لكن حرب ترمب في إيران وهجومه على البابا شكّلا نقطة التحول الحاسمة. فطالب الأوروبيين بالانضمام إلى المجهود الحربي على رغم أنه لم يستشِرهم مسبقاً، ورفضت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني التي كانت حتى تلك اللحظة تقدم نفسها باعتبارها واحدة من أبرز مؤيدي ترمب في أوروبا، الانضمام إلى الحرب، وانتقدت تصريحاته في شأن البابا، مشيرة إلى أن الكلفة الانتخابية للاصطفاف مع ترمب أصبحت باهظة للغاية. أما أوربان، فالتزم الصمت. وعلى رغم أن القطيعة بين “الترمبية” واليمين المتطرف الأوروبي لم تبدأ في بودابست، فإنها بلغت ذروتها هناك، عندما أقنعت هزيمة أوربان كثيراً من قادة اليمين المتطرف الأوروبي بأن الارتباط بترمب أصبح ساماً سياسياً، إذ يهدد بوصمهم باعتبارهم العولميين الجدد.
كيف خسر الكرملين استراتيجيته الأوروبية؟
لا تمثل هزيمة أوربان نقطة تحول أيديولوجية لليمين المتطرف الأوروبي وحسب، بل هي أيضاً زلزال جيوسياسي. وستغير، على نحو مباشر، حسابات الكرملين تجاه القارة. فخلال الحملة الانتخابية المجرية، أفادت وكالة “بلومبيرغ نيوز” بأنها حصلت على نص مكالمة بين أوربان وبوتين جرت في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2025، ويُزعم أن أوربان وصف خلالها المجر بأنها “الفأر” المستعد لمساعدة “الأسد” الروسي. وكانت المجر مفيدة للغاية لروسيا في تعطيل جهود الاتحاد الأوروبي لإرسال 90 مليار يورو (105 مليارات دولار)، إلى أوكرانيا. ومع تراجع الدعم الأميركي لأوكرانيا، كانت موسكو تعتقد بأنها تستطيع الانتصار ما دامت أوروبا مشلولة.
لكن الآن، بعدما رحل “الفأر”، بات على “الأسد” أن يعيد التفكير في استراتيجيته الأوروبية. فتغيير الحكومة في بودابست يعني أن كييف ستتلقى أخيراً الدعم المالي الذي قد يسمح لأوكرانيا بمواصلة القتال لعامين إضافيين في الأقل. علاوة على ذلك، تعني خسارة أوربان بالنسبة إلى روسيا خسارة الزخم في استراتيجيتها الرامية إلى تقسيم أوروبا وإضعافها. ولا يوجد أي زعيم أوروبي حالي يمكنه بسهولة تكرار الدور الذي قام به أوربان. ومن يتساءلون عمّن قد يصبح أوربان الجديد يستخفون بمدى صعوبة شغل ذلك الموقع. ففي هذه المرحلة، حتى أوربان نفسه لا يستطيع تكرار هذا الدور. لذلك، ليس مستغرباً أن يخلص معلقون موالون للحكومة في موسكو إلى أن روسيا لا ينبغي أن تراهن على أوهام التقارب مع أوروبا.
ومع رحيل أوربان وتسارع إعادة تسلح أوروبا، يتعين على القادة الروس أن يقرروا ما إذا كانت الحرب السياسية وحدها كافية لحماية مصالحهم في القارة. فهزيمته تزيد احتمال أن تفكر موسكو في استراتيجية أكثر عدوانية مثل الهجمات السيبرانية والضغط على بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. ومن الممكن أن يرغب الاستراتيجيون الروس أيضاً في استغلال حقيقة أن العلاقات عبر الأطلسي تتآكل بوتيرة أسرع من وتيرة إعادة تسلح أوروبا، أي إن نافذتهم للتحرك مفتوحة الآن. وحتى من دون عمل عسكري، هناك خطر متزايد أن يسعى ترمب، من وراء ظهر الأوروبيين، إلى صفقة كبرى مع موسكو، يبادل فيها مصالح أوروبا بصفقات تجارية مع روسيا.
كيف بدأت أوروبا تفقد تطرفها؟
داخلياً، يكشف التحول السياسي في بودابست عن اتجاهين واضحين يدفعان نحو تقارب جديد في قلب السياسة الأوروبية. أولهما أن انعطافة أوروبا نحو السيادة لم تعُد عابرة. فالمفاجأة الكبرى في المجر لم تكُن سقوط أوربان أمام ليبرالي كلاسيكي أو تقدمي يدعو إلى مزيد من الاندماج الأوروبي، بل سقوطه أمام محافظ آخر يشاركه التصور الأصلي لمجر قوية ومستقلة، لكنه يرفض فساد رئيس الوزراء الذي طال بقاؤه في السلطة. وتحت ضغط تنمر ترمب، باتت النخب الليبرالية هي الأخرى تؤيد تقرير المصير الوطني وتطالب باستقلال استراتيجي في الدفاع والتكنولوجيا. وحتى القادة الوسطيون في ألمانيا وفرنسا صاروا يتصورون أكثر فأكثر أوروبا ذات سيادة، لا يلزم أن تكون فيدرالية، ولا تُدار سياستاها الخارجية والدفاعية من بروكسل.
ثانياً، وعلى نحو قد يبدو مفاجئاً في ضوء النقطة الأولى، صار اليمين الأوروبي الجديد أقل تشككاً في الاتحاد الأوروبي. فهو يرى بصورة متزايدة أن واشنطن وموسكو، لا بروكسل، هما التهديدان الأساسيان للسيادة الوطنية. وأصبحت الدعوات إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي أو التخلي عن اليورو تُعد الآن وصفات خاسرة سياسياً. وإذا كان قادة مثل لوبن وحزب “البديل من أجل ألمانيا” وحلفاؤهم يأملون في الوصول إلى السلطة، فمن المرجح أن يركزوا أكثر على أجنداتهم الوطنية، مع الابتعاد من كل من الولايات المتحدة وروسيا. وباتت ميلوني، بدعمها القوي لأوكرانيا وتعاونها مع بروكسل، نموذجاً لهذا اليمين الجديد المتصالح مع أوروبا.
في هذا السياق، تفتح هزيمة أوربان المجال أمام توافق جديد حول السيادة الأوروبية، من المحتمل أن يشمل أجزاء من معسكر الشعبوية القومية. وعلى رغم أن الاستقطاب السياسي بين المؤسسة الأوروبية ومنافسيها لا يزال حاداً، فإن ثمة مساحات تعاون ناشئة بين الطرفين. فتبنى قادة وسطيون مثل المستشار الألماني فريدريش ميرتس، بعض سياسات اليمين المناهضة للهجرة. كما أن أزمة الطاقة الحالية التي أشعلتها حرب ترمب في إيران تدفع أحزاب اليمين إلى تخفيف انتقاداتها لأجندة الاتحاد الأوروبي الخضراء. أما في ما يتعلق بالدفاع، فإن ناخبي أحزاب الوسط وناخبي اليمين المتطرف يؤيدون، على حد سواء، إعادة تسلح أوروبا.
في الواقع، وفي لحظة باتت فيها إعادة تشكيل الاتحاد الأوروبي جذرياً مطروحة على الطاولة، قد يتبين أن الانتخابات البرلمانية المجرية كانت واحدة من أكثر المحطات الانتخابية تأثيراً في السياسة الأوروبية خلال العقد الماضي، ولكن ليس بالطريقة التي تصورها كثير من المراقبين في البداية. هيا إذاً، ابحثوا عن كرة المجر الأرضية.
ترجمة عن “فورين أ19 مايو (أيار) 2026
إيفان كراستيف هو رئيس مركز الاستراتيجيات الليبرالية في صوفيا، وزميل ألبرت هيرشمان الدائم في معهد العلوم الإنسانية في فيينا.
