بيروت- يشهد جنوب لبنان تصعيدا عسكريا متواصلا في ظل سياق إقليمي شديد التعقيد، تتداخل فيه التطورات الميدانية مع تحركات سياسية وضغوط دولية متزايدة، في مشهد تعتبره قراءات سياسية جزءا من مسار أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، وإعادة رسم خرائط النفوذ بين القوى الإقليمية والدولية، بما يعكس مرحلة انتقالية حساسة تمر بها المنطقة منذ اندلاع الحرب وتداعياتها المتلاحقة.
ويرى مراقبون أن ما يجري في جنوب لبنان لا يمكن فصله عن السياق العام للأحداث في الإقليم، إذ أن التصعيد الحالي ليس حدثا منفردا، بل حلقة ضمن سلسلة ممتدة منذ بداية الحرب في المنطقة، حيث تتقاطع الملفات اللبنانية والفلسطينية والسورية ضمن مشهد إقليمي واحد يعاد تشكيله تدريجيا وفق توازنات جديدة.
وتشهد المنطقة تحولات إستراتيجية عميقة، تعكس إعادة ترتيب أولويات القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل، في ما يتعلق بإدارة الصراعات الإقليمية وإعادة ضبط قواعد الاشتباك، بما ينسجم مع رؤى أمنية وسياسية جديدة تتبلور تدريجيا في مراكز القرار الدولية.
ولا يمكن النظر إلى التصعيد في جنوب لبنان بمعزل عن التطورات في فلسطين وسوريا، حيث تتداخل الجبهات وتتشابك الحسابات، في ظل حالة من السيولة الأمنية التي تسمح بتوسيع نطاق التحركات العسكرية، وتعيد تعريف طبيعة الصراع في المنطقة، من صراعات تقليدية إلى نمط أكثر تعقيدا يرتبط بإعادة توزيع النفوذ.
◄ المسعى الأميركي لا يقتصر على إدارة الأزمة، بل يشمل بلورة تصورات أوسع لإعادة تشكيل البنية الأمنية في الشرق الأوسط
وفي موازاة ذلك تفرض الولايات المتحدة عقوبات على شخصيات لبنانية محددة، في إطار سياسة ضغط متصاعدة تستخدم أدوات اقتصادية وسياسية في آن واحد، بهدف التأثير في التوازنات الداخلية اللبنانية، وإعادة تشكيل بيئة القرار السياسي بما يتماشى مع التصورات الأميركية للمرحلة المقبلة في المنطقة.
وتعتبر هذه المقاربة جزءا من أدوات أوسع لإدارة النفوذ في الشرق الأوسط، حيث لم تعد المواجهات تقتصر على البعد العسكري المباشر، بل باتت تشمل أيضا أدوات الاقتصاد والعقوبات والضغط الدبلوماسي، ضمن إستراتيجية متعددة المستويات تهدف إلى إعادة صياغة المشهد الإقليمي بشكل شامل.
وفي هذا السياق تؤكد الباحثة حياة الحريري أن لبنان بات في قلب هذه التحولات، باعتباره ساحة تقاطع بين مشاريع إقليمية ودولية متنافسة، ما يجعله عرضة لضغوط مركبة تتراوح بين التصعيد العسكري والعقوبات الاقتصادية والتحركات السياسية، في ظل غياب استقرار نهائي في المنطقة.
وترى أن ما يُطرح اليوم في الدوائر السياسية الدولية، خصوصا في واشنطن، لا يقتصر على إدارة الأزمة الحالية، بل يتجه نحو بلورة تصورات أوسع لإعادة تشكيل البنية الأمنية في الشرق الأوسط، بما يشمل إعادة تعريف دور الفاعلين غير الدوليين، ومحاولة إدماجهم أو تحييدهم ضمن ترتيبات أمنية جديدة.
وتضيف أن هذا التوجه يفتح الباب أمام نقاش واسع حول مستقبل القوى المسلحة في الإقليم، وكيفية التعامل معها ضمن إطار تسويات سياسية وأمنية شاملة، وهو ما يضع لبنان في موقع حساس للغاية، نظرا لطبيعة تركيبته السياسية والأمنية وتعقيد توازناته الداخلية.
وفي موازاة ذلك تستفيد إسرائيل -بحسب الحريري- من اللحظة الإقليمية الحالية لتعزيز حضورها الميداني في جنوب لبنان، مستندة إلى ما تعتبره اختلالات قائمة في ميزان القوى، وإلى ما تصفه بإخفاقات سابقة في التعامل مع ملف سلاح حزب الله، ما ينعكس استمرارا لحالة التصعيد على الحدود.
وتشير القراءة السياسية إلى أن تل أبيب تتحرك في إطار رؤية أمنية تعتبر أن المرحلة الحالية تشكل فرصة لإعادة تثبيت معادلات ردع جديدة، بما يضمن لها مساحة أوسع من النفوذ والتحرك، في ظل انشغال أطراف إقليمية ودولية أخرى بملفات متعددة تتجاوز الساحة اللبنانية.
في المقابل يثير هذا التصعيد مخاوف متزايدة من انزلاق المنطقة نحو المزيد من عدم الاستقرار، خاصة مع استمرار ارتباط الملفات الأمنية بين لبنان وفلسطين وسوريا ضمن شبكة واحدة من التفاعلات المتشابكة، ما يجعل أي تطور في إحدى هذه الساحات قابلا للانعكاس المباشر على باقي الساحات.
كما أن استمرار الضغوط الاقتصادية والعقوبات السياسية يزيد من تعقيد المشهد الداخلي اللبناني، حيث تتداخل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية مع التوترات الأمنية، ما يضع البلاد أمام تحديات مركبة تتجاوز البعد العسكري المباشر إلى أزمات بنيوية أعمق.
وبينما تستمر التحركات العسكرية على الأرض، تبقى الأنظار موجهة إلى المسارات الدبلوماسية والسياسية، لاسيما في واشنطن، حيث تُناقش تصورات أولية لإعادة تنظيم المشهد الأمني في الشرق الأوسط، في محاولة لبلورة إطار جديد يحد من التصعيد ويعيد ضبط التوازنات بين القوى الإقليمية.
لكن هذه الجهود، بحسب تقديرات سياسية، تواجه تحديات كبيرة، في ظل تباين مصالح الأطراف المعنية، ووجود قوى داخلية وإقليمية تعارض أي تسوية لا تراعي بالكامل حساباتها الإستراتيجية، ما يجعل فرص الوصول إلى استقرار شامل أمرا معقدا على المدى القريب.
ويبدو أن التصعيد في جنوب لبنان لم يعد مجرد مواجهة محلية أو ملفا أمنيا محدود النطاق، بل تحول إلى جزء من معادلة إقليمية أوسع تعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، في مرحلة تتسم بتداخل غير مسبوق بين السياسة والأمن والميدان، وبصعود مشاريع إعادة الهيكلة الإقليمية التي قد تحدد شكل المنطقة لسنوات قادمة.