من اليمين: لوشر، بيّدرمان، إلميجر، كوريشي، ومفوكودوبو
عارف حمزة ..
أعلنت لجنة تحكيم جائزة الكتاب السويسري عن وصول خمس روايات إلى القائمة القصيرة لعام 2025، وهي رواية “لازار” للكاتب السويسري من أصول مجرية نيليو بيّدرمان، و”الهولنديّات” للكاتبة دوروثي إلميجر، و”لم نكن يومًا في البحر” للكاتبة ميرال كوريشي، و”القَدر المسحور” ليوناس لوشر، و”الجدّات” لميلارا مفوكودوبو.
يذكر أن 50 ناشرًا تقدموا بـ 94 عنوانًا في دورة هذا العام، والتي تحمل رقم 16، وقد حصل كل من الكتّاب الخمسة الذين وصلوا إلى القائمة القصيرة على 3 آلاف فرنك سويسري، بينما سيحصل الفائز بالجائزة على 30 ألف فرنك سويسري ضمن فعاليات مهرجان “كتاب بازل” الأدبي الدولي يوم 16 تشرين الثاني/ نوفمبر القادم.
لازار تفوز مسبقًا!
رغم أن رواية “لازار” صدرت في الأول من شهر أيلول/ سبتمبر، إلا أنه بدا أن وصولها لهذه القائمة محتّم، بل يُراهن العديد من النقاد على فوزها بالجائزة! فقد أعلن وكيل الكاتب الشاب نيليو بيّدرمان (22 عامًا) بأن الرواية، التي تم الإفصاح عن نموذج لها من 100 صفحة، ستُنشر بالتزامن في 20 دولة، منها ألمانيا والمجر وإيطاليا وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة وغيرها.
والرواية، التي تجري أحداثها في 336 صفحة، تعتبر ملحمة عائلية تمتد عبر أجيال، وتربط الأحداث التاريخية مثل الحرب العالمية الثانية، الاحتلال السوفياتي، وأحداث 1956 في المجر، مع عناصر من الفانتازيا والخيال والكثير من الجنس.
“على حافة الغابة المظلمة، كانت ثلوج القرن الماضي لا تزال تستلقي في الأنحاء، عندما رأى لاجوس فون لازار، الطفلُ الشفاف ذو العينين الزرقاوين الدامعتين، الرجلَ الذي سيعتبره والده حتى وفاته”- هكذا يفتتح نيليو، الذي يعتبر من أصغر المرشحين لهذا العام، روايته هذه، مازجًا بين التاريخ والواقع بأسلوب شاعري في كثير من الأحيان، وتبدو أكثر نضجًا من روايته الأولى “أنطون يُريد البقاء” (2023).
بعض النقاد مدحوا الرواية و”نضج الكتابة” لدى الكاتب الشاب، وكيف أن “اللغة مركّزة، والإيقاع متقن، والجرأة في السرد”. بينما استهجن بعضهم استخدام الكاتب الفانتازيا، أو الرمزية، لملء بعض الفراغات التاريخية، حيث يميلون إلى الوثيقة أكثر من الخيال.
الهولنديات في الغابة
داومت الكاتبة السويسرية دوروثي إلميجر على إصدار رواية كل 5 سنوات، وهي “دعوة إلى المتهوّرين” (2010) و”المسرنم” (2014) و”من مصنع السكر” (2020)، وتلقت عنها الكثير من الجوائز الأدبية مثل جائزة أسبكت وهيرمان هسه وإريش فريد وإنجبورج باخمان ونيكولاوس بورن…، وفي الوقت الذي وصلت روايتها “من مصنع السكر” إلى القائمة القصيرة لجائزة الكتاب السويسري، فازت روايتها “المسرنم” بهذه الجائزة في عام 2015.
في روايتها الجديدة “الهولنديات” تخترع دوروثي غابة في بنما لتحكي قصتي شابتين هولنديّتين اختفتا في تلك الغابة قبل أحد عشر عامًا. ولكن الرواية لا يكون بناؤها سهلًا هكذا؛ بل هي مسرحية داخل رواية، وعلى جوانب المسرحيّة تقوم الراوية بسرد حكايتها مع العرض الذي تلقته من مخرج مسرحي، لتشارك في كتابة عرض مسرحي، على شكل مدوّنة تفاعلية، تدور أحداثه في المناطق الاستوائية. وبذلك تتنقل دوروثي بين النثر والمسرح والمونولوج والكتابة على موقع التواصل الاجتماعي، شارحة دواخل البشر والوحوش، ومفسّرة معاني الخوف والعنف والضياع.
توظف دوروثي، خلال 160 صفحة، تقنيات مختلفة لكتابة “المدوّنة” الأساسية، في كيفية تأليف الحقيقة من الخيال، ومن خلال التوقعات وفضول وتفاعل الجمهور الغامض. وتستفيد من الفلسفة في تفكيك الشخصيّتين الضائعتين في غابة رطبة وكثيفة، وفي ملاحقة الدواخل ومعنى الشك ومفهوم الأصالة والصراع مع الهوية، بل حتى الصراع مع الكتابة.
بعض النقاد وجدوا في “قطع السرد فجأة، وترك فراغات هنا وهناك”، لتحفّز القارئ على التفكير فيما تم محوه، بأنه “مغامرة قد تكون سلبية أيضًا، وقد لا تكون في صالح الرواية”، في الوقت الذي وجده نقاد آخرون بأنه “تجريب يُحسب لصالح العمل”.
الرحيل والتبدّد
ميرال كوريشي (1983) ولدت في كوسوفو وانتقلت في تسعينيات القرن الماضي إلى برن في سويسرا، واستقرت فيها. صدرت روايتها الأولى “أفيال في الحديقة” في عام 2015، والتي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة الكتاب السويسري، ثم اتبعتها برواية “الفصول الخمسة” في عام 2020. ولم تتلق عن أعمالها سوى جائزة كانتون برن (2016).
في عملها الجديد “لم نكن يومًا في البحر”، تكتب ميرال نصًّا غارقًا في العاطفة والتفاصيل؛ فالراوية تعتني بـ “ليلى” جدّة صديقتها صوفي، من خلال عملها في دار المسنين، بينما تساعد صوفي في تربية ابنها “إريك”، فتدخلنا الكاتبة في شبكة عائلية متداخلة، ومن أجيال مختلفة، ليقرأ القارئ قصص العديد من الشخصيات، التي تبدو منفصلة في الظاهر، ليكتشف عمق تشابكها فيما بعد، وكأن المصائر تقود بعضها بعضًا.
رغم أن الرواية تدور في 216 صفحة، إلا إنها مكثّفة وشاعريّة ودقيقة، لدرجة أن كل جملة لها حمولتها وإيحاءاتها العميقة، وهي تدور حول مواضيع تهمّ جميع القرّاء، حول الشيخوخة والوداع والرعاية والوحدة والذاكرة والامتنان والعوز والموت.
ورغم أن بعض النقاد تمنّوا أحداثًا أكثر أو حبكة أوضح، إلا أن الغالبية رأت أن جمال الرواية “في بساطتها، وأنها أقرب إلى التأمل الشعري منها إلى الحكاية الكلاسيكية”. بينما ذهب بعضهم إلى أن “كوريشي تملك قدرة نادرة على التعبير بالقليل عن الكثير”. بينما اعتبرتها صحيفة “برلينر تسايتونغ” كتابًا “يُجبرك على البقاء معه، بسبب هدوئه وعمقه”.
أسئلة الأعماق
بدأ يوناس لوشر (1976) أعماله الروائية، فهو نشر قصصًا ومقالات وروايات، مع نوفيلا بعنوان “ربيع البرابرة” (2013) والتي نال عنها جائزة فرانتس هاسّل وجائزة كانتون برن وجائزة بايرن للفن (كلها في 2013)، وجائزة هانس فالادا (2016). بينما وصلت روايته الثانية “طاقة” إلى القائمة الطويلة لجائزة الكتاب الألماني ، قبل أن ينال عنها جائزة الأدب السويسري في عام 2017.
وروايته الثالثة “القدر المسحور”، التي صدرت في 28/1/2025، وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة الكتاب الألماني لهذا العام، ونالت ثلاث جوائز أدبية أخرى خلال أشهر قليلة.
خلال 352 صفحة يقدم لوشر بطل قصته وعمله وأفكاره وهواجسه ومخاوفه. فالشخصية الرئيسية هي أستاذ فلسفة يعمل على مشروع بحثي عن الحتمية أو القدريّة، وبدل أن يتابع عمله في فلسفة أقدار الآخرين، وتفسير أسباب حدوثها بين الجبرية والاختيار، يجد نفسه في مواجهة مصيره الشخصي؛ في الحب والمرض والزمن الذي يحدّ من قدرات الإنسان، لذلك بُنيت الرواية مثل مزيج بين الفلسفة والسرد القصصي، مكتوبة بلغة ساخرة وناقدة أحيانًا، لكنها أيضًا إنسانية وعميقة. ومن خلال كل ذلك يطرح لوشر أسئلة حول الحتمية وحرية الاختيار، مثل: هل نحن نتاج صدفة؟ أم جينات؟ أم ظروف اجتماعية؟ أم أن هناك إرادة حقيقية تؤلّف حياتنا الشخصية؟
وفي الوقت الذي رأى بعض النقاد أن ثقل الفلسفة يبطئ الإيقاع أحيانًا، فإن الأغلبية وجدوا أن الفلسفة هي جزء من جمال العمل؛ فهو ليس “رواية أحداث سريعة، بل دعوة للتأمل”، بل أثنى النقاد على قدرة لوشر على أن “يمزج بين التفكير الفلسفي والسرد الروائي بحيث يظل النص ممتعًا للقارئ العادي”.
“الروايات الخمس، رغم تنوع موضوعاتها واختلاف شكل بنائها وسردها ولغتها، إلا أنها تشترك في كونها تبحث عن معنى الوجود الإنساني من خلال مواجهة الزمن والذاكرة والتاريخ والسلطة الأبوية”
الجدّات
تذهب ميلارا مفوكودوبو (1972) في روايتها الثانية “الجدّات” إلى سرد قصتين لحفيدتين ترويان حياة جدّتين من ثقافتيْن مختلفتيْن جدًا؛ فالجدة الأولى من سويسرا ذات خلفية ريفية، والثانية من الكاميرون ومن عائلة ميسورة. ورغم الفوارق المادية والحضارية والمكانية، تتشابه الجدتان في الصراعات؛ إذ تواجه الأولى التزامات اجتماعية تقليدية، مثل الزواج المُرتّبط بالأعراف والضغوط العائلية الذكورية، وتواجه الثانية ضغوطًا منزلية أيضًا وظروفًا ثقافية أخرى تقليدية كذلك.
ميلارا مفوكودوبو، التي صدر لها سابقًا “عن خمس أخوات خرجن لقتل والدهن” (2023)، تحكي عن ثلاثة أجيال، الجدات والأمهات والحفيدات، ولا تتقيد بأسلوب تقليدي، مثل سرد الحكايات تلو بعضها؛ بل مثل فسيفساء أصوات وحكايات متداخلة، وهذا ما رآه بعض النقاد ميزة تُحسب لهذه الرواية في “جرأتها على كسر الشكل التقليدي للرواية”.
وما يُحسب لهذا العمل كذلك أنه يُحاول تبيان التداخل والتقارب في التقاليد وصراعات الهويات والحريات بين مكانين مختلفين جدًا، مثل أفريقيا وأوروبا.
وفي الوقت الذي أشار بعض النقاد إلى أن “كثرة الأصوات والتشظي قد تُربك القارئ الباحث عن حبكة واضحة”، رغم أنها بالأساس جزء من قوة العمل، أُشيد بالنصّ كصوت “جديد ومبتكر في الأدب السويسري، يجمع بين الذاكرة الجماعية والتجربة الفردية”.
الروايات الخمس، رغم تنوع موضوعاتها واختلاف شكل بنائها وسردها ولغتها، إلا أنها تشترك في كونها تبحث عن معنى الوجود الإنساني من خلال مواجهة الزمن والذاكرة والتاريخ والسلطة الأبوية، وتستعمل اللغة بأسلوب مبتكر وغير تقليدي، وتُبشّر بأصوات شابة ستُثري المشهد الأدبي في سويسرا.
شارك هذا المقال