ملخص
تغيرت الأحوال وتبدلت الأوضاع وأصبحنا أمام تصريحات مباشرة فمن أراد أن يعرف الموقف الأميركي مثلاً فعليه أن يتابع أحاديث الرئيس ترمب وما أكثرها وما أغربها أيضاً، وسيجد فيها السياسي المتخصص أو الدبلوماسي المخضرم ما يجعله قادراً على فهم سياسات وإدارة الأمور.
لقد أصبحت العلاقات الدولية المعاصرة في حاجة إلى نمط جديد من التحليل النفسي والتفسير الموضوعي للقرارات والمواقف، فقد أضحت لغة الدول سياسياً مزدوجة يختلف فيها الجوهر عن المظهر وتخاطب القيادات من خلالها شعوبها خطاباً استهلاكياً داخلياً، فالرئيس الأميركي دونالد ترمب مثلاً مشغول بصورته أمام شعبه ويرى أن من حقه أن يكون الآمر الناهي حتى على الدول الأخرى والشعوب التي تعارضه، والنظام الإيراني يسعى على الجانب الآخر إلى تأكيد سيطرته على الفلسفة الإسلامية للدولة من منطلق فارسي تاريخي بحت، فهو يريد أن يشعر الإيرانيون أنه متشدد أمام واشنطن وقادر على تغيير المواقف وتوجيه السياسات، فنحن الآن بحق أمام نماذج متغيرة من الحكام وأصناف جديدة من القادة على المستوى العالمي خصوصاً.
وهذا يدعونا إلى طرح عدد من التساؤلات التي نراها مبررة لفهم طبيعة الأمور ومضمون السياسات ويمكن أن نشير إلى ذلك من خلال المحاور الآتية:
أولاً: أميل شخصياً إلى الاعتماد على المدرسة السلوكية التي تقوم على التحليل النفسي والاجتماعي لتاريخ القادة وتكوين شخصياتهم، وأرى أن الإنسان هو ابن ظروفه ونتاج البيئة الحاضنة له والمناخ السائد فكرياً وأخلاقياً في عصره، وأرى أن قرارات رئيس الولايات المتحدة تقوم على التفرد الظاهري والمبالغة التحكمية والإحساس الزائد بالذات، ولقد أدركت مبكراً أن شخصية الحاكم الفرد ذات تأثير كبير ورؤية مؤثرة بالأحداث والمواقف، ولذلك فإنني لا أعادي كثيراً النظرية القائلة بأهمية حكم الفرد ولا أزعم أيضاً أن دور الفرد محدود فالمسألة في النهاية تخضع لظروف كل بلد وأحوال أهلها.
ثانياً: دعنا نعترف بأن الدول ليست متساوية إلا نظرياً فقط، إذ إن هناك عوامل أخرى تتحكم في مكانتها بمفهوم الديمقراطية بمعناها الواسع، فأنا أزعم أن ذلك كله هي مبررات للدخول في عصر الحريات وادعاء العدالة والتمسك بوهم يسمى الشرعية الدولية بينما الحق غائب والقوة هي المسيطرة، وما أكثر ما رأينا من دول ذات تاريخ عريق وماض مجيد تستسلم للواقع وتقبل ما لا يمكن قبوله بينما هناك دول أخرى تتمسك بالأيديولوجيا وتتعلق بتاريخ غيرها وقد تحقق بعض الانتصارات المرحلية ولكنها لا تتمكن من تثبيت ما هو مطلوب لها وتحقيق الأهداف النهائية التي تسعى إليها.
ثالثاً: يخلط كثير من الباحثين والمتخصصين في العلاقات الدولية والمدارس الدبلوماسية المعاصرة بين بعض المفاهيم فلا يجدون فارقاً كبيراً بين الخلاف والاختلاف، فالخلاف قضية تتصل بالرأي بينما الاختلاف مفهوم يتصل بالإرادة، ولذلك نلاحظ أن الفارق بين الأزمة والمشكلة في العلاقات الدولية المعاصرة هو أن الأزمة تقوم على الخلاف في الرأي وقد يكون عابراً بينما الاختلاف يقوم على تباين أصيل يمتد إلى الهوية الوطنية والشخصية الذاتية لكل دولة، كذلك فإن الأزمة تتعامل على المدى القصير بينما المشكلة تتعامل على المدى الطويل وظروفه.
رابعاً: إذا تأملنا في حياد وموضوعية قادة العالم المعاصر فسندهش لحال التراجع التي طرأت على المسرح السياسي حالياً، فالزعامات محدودة وليس لها تاريخ طويل، كذلك فإنها لا تتمتع بشعبية كاسحة بخاصة أن عصر الكاريزما قد ولى، لذا لم تعد هناك أسماء لامعة مثل ديغول أو تشرشل فضلاً عن مستوى غاندي ومانديلا، فقد خفتت الأضواء واختفت القيادات المؤثرة وأصبحنا نعيش في عالم محدود الصلاحية غائب الرؤية غير قادر على الدفع بقيادات جديدة وشخصيات واعدة. إننا نواجه عصراً مختلفاً عن سابقيه فلم يعد الإعلام هو وسيلة التواصل ولا المنظمات الدولية هي الطريق إلى التخاطب بين الأمم والشعوب، فلقد تغيرت الأحوال وتبدلت الأوضاع وأصبحنا أمام تصريحات مباشرة فمن أراد أن يعرف الموقف الأميركي مثلاً فعليه أن يتابع أحاديث الرئيس ترمب وما أكثرها وما أغربها أيضاً، وسيجد فيها السياسي المتخصص أو الدبلوماسي المخضرم ما يجعله قادراً على فهم سياسات وإدارة الأمور.
خامساً: لم يعد التميز حكراً على البعض كما لم يعد التفوق جواز سفر وحيداً للوصول إلى عالم القمة، فكل الأمور محكومة حالياً بشعارات حديثة تمثل روح العصر من جهة التقدم التكنولوجي الكاسح وعالم الذكاء الاصطناعي، فلم تعد الحياة كما كانت منذ عقود قليلة، بل أضحى عصر الروبوتات علامة فارقة لعصر آخر يولد من جديد يقوم على الحداثة الكاملة والتقدم العلمي الذي قطع أشواطاً تأثرت بها الحياة السياسية والعلاقات الدولية ومعظم شؤون المجتمعات المعاصرة.
سادساً: إن الانفتاح في المجتمعات المعاصرة قد جعل مهمة التواصل بين الأمم والشعوب أكثر سهولة مما مضى، لذلك لم تعد وسائل التواصل محكومة بدرجة ما عند القمة بل أصبحنا نرى ظاهرة الرأي العام أكثر بروزاً ووضوحاً من الظاهرة الديمقراطية ذاتها، فلم يعد التلازم حتمياً بينهما بل أضحت المسألة محكومة بدرجة التعليم ونوعياته والقدرة على فهم المشكلات وتصور الأمور، كذلك فإن العامل الثقافي أصبح مؤثراً للغاية في إظهار طبيعة الفروق بين الزعامات المختلفة في العالم المعاصر وذلك نتيجة نوعيات التعليم ومهارات الإدارة والقدرة على قيادة الأمور.
سابعاً: لقد قالوا إن الدبلوماسية هي حرب بالعبارات وتبادل بالوثائق والمستندات، كما قالوا أيضاً إن الحرب مواجهة دبلوماسية بالسلاح حين تنتهي قدرة الحجج النظرية والآراء السياسية في حل النزاعات ذات الطابع المسلح، ولذلك فإن ما نشهده حالياً على الساحة الإقليمية في منطقة الخليج بل في غرب آسيا عموماً هو تعبير دقيق عن المواقف التبادلية بين الأسلحة في جانب والتشريحات والمذكرات في جانب آخر، في وقت يمسك فيه الرئيس الأميركي بناصية الخطاب على الجانب الآخر من خلال وعود يومية وتهديدات متكررة. ولذلك يكون التساؤل المشروع هو هل السياسات التي نشهدها حالياً والمواقف التي تبدو أمام الجميع كافية في حد ذاتها للوصول إلى صورة حقيقية للمستقبل القريب والبعيد أم أن الضبابية والأجواء المغلفة بالغموض والمحادثات السرية والمواقف الصامتة هي التي تحدد في مجموعها الطريق الذي تمضي فيه كل دولة، من خلال هذا الصراع المعقد الذي تختلط فيه الخلفيات القومية والتوجهات الدينية والنزعات العنصرية وهي التي تشكل في النهاية سبيكة القرار السياسي المحتمل والموقف المطلوب؟
ثامناً: لقد قلنا مراراً إن التحالفات الناقصة هي صيغة عصرية للعلاقات الدولية التي لا تشترط التطابق الكامل في وجهات النظر بين الحلفاء تجاه قضايا معينة أو مواقف بذاتها، بل يمكن أن يكون هناك تكتل جماعي أو تحالف ثنائي من دون أن تكون المواقف السياسية والمنصات القومية متطابقة، بل يمكن أن تتفق الدولتان (أ) و(ب) في 60 في المئة أو 70 في المئة من الآراء والمواقف، تاركين الجزء الباقي كمساحة للاختلاف في ميدان للمصالح الذاتية لكل طرف من دون أن يلزم بها غيره. ولعل علاقة القوى الكبرى حالياً – وأعني بها الولايات المتحدة والصين وروسيا وربما الهند وباكستان أيضاً – تمثل في مجموعها تحالفات ناقصة بسرعات متفاوتة على مسرح الأحداث في عالمنا المعاصر وتقبل الأطراف في مجموعها بهذه الاختلافات ولا ترفضها وتتعايش مع الصياغة النهائية بسبيكة من المواقف تمضي بها وسط الأعاصير والعواصف في عالم متغير يبدو غير مسبوق في تاريخ المنظومة الدولية من قبل.
تاسعاً: إن التيارات الفكرية المعاصرة والجدلية التي أفرزت التيارات المادية في القرنين الأخيرين هي كفيلة في حد ذاتها بأن تضع حداً لشطحات الساسة وآراء المفكرين، فهي تضبط في النهاية الإيقاع الصحيح لعالم اليوم.
هذه نظرة سريعة انتقلنا فيها من الشكل إلى المضمون في محاولة لاستكشاف الطريق وارتياد الرؤى نحو مستقبل أفضل للبشرية جمعاء.
