هاني عضاضة…موقع درج
تشبّثَ الوفد الدبلوماسي الإسرائيلي برئاسة السفير يحيئيل ليتر برفض توقيع أي اتفاق نهائي لوقف إطلاق النار قبل تفكيك سلاح “حزب الله”، وهو مطلبٌ يستحيل تحقيقه بشكلٍ مباشر على أرض الواقع، فتفكيك أي منظومة ميليشياوية بهذه الضخامة يتطلّب وقتاً وتخطيطاً وتفاهمات وتسويات شاملة تمنع جرّ لبنان إلى حربٍ أهلية
هل يمكن الجزم بوصول المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المباشرة في واشنطن إلى طريقٍ مسدود تماماً؟
المفاوضات امتدت على أربع جولات حتى اليوم سواء على المستوى السياسي والدبلوماسي برعاية وزارة الخارجية الأميركية، أو على المستوى الأمني والتقني بين الوفدين العسكريين بعد الاجتماع الذي استضافه البنتاغون يوم الجمعة الماضي، وذلك بعدما حاولت الولايات المتحدة، على الرغم من كونها وسيطاً منحازاً، تحقيق اختراقٍ عبر فصل المسارين السياسي والعسكري عن بعضهما بعضاً، ومناقشة إعادة انتشار الجيش اللبناني في مناطق جنوب لبنان، في ظلّ تعذّر الوصول إلى حلٍّ سياسي شامل.
ليس خروج الرئيس الأميركي دونالد ترامب علينا بإعلان عبر منصة “تروث سوشال” حول التوصّل إلى وقفٍ لإطلاق النار بين إسرائيل و”حزب الله”، بعد مكالمات وصفها بـ “المثمرة جداً” و”الجيدة جداً” مع كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو و”ممثلين عن قادة حزب الله”، والذي لم يصمد لدقائق، سوى تأكيد على انسداد الأفق التفاوضي. فمن جهة، ليست لـ “حزب الله” مصلحة في وقف إطلاق النار في سياقٍ يقوده إلى تقديم تنازلات سياسية ويفرض عليه قيوداً أمنية وقانونية داخل لبنان. ومن الجهة الأخرى، تحقق حكومة نتانياهو الإنجازات، وتجد في وقف النار تفريطاً بها، فتحاول مضاعفتها عبر مواصلة الضغط العسكري وخلق واقعٍ أمني أكثر قسوة ومن شأنه أن يفرض على الدولة اللبنانية القيام بتنازلات سياسية كبيرة بدورها لاستعادة سيادتها كاملة في مرحلةٍ متقدّمة.
لقد تمسّك الوفدان اللبنانيان إلى واشنطن، سواء الوفد الدبلوماسي برئاسة السفير سيمون كرم أو العسكري برئاسة العميد الركن جورج رزق الله، بثلاثية الوقف الشامل لإطلاق النار، ووقف الاعتداءات الإسرائيلية اليومية، وانسحاب القوات الإسرائيلية من المناطق التي تحتلها في جنوب لبنان. وذلك على الرغم من التفاوت في توازن القوى والتصعيد الإسرائيلي اليومي، ومنع “حزب الله” من تشكيل موقفٍ لبناني موحَّد يضمن انتزاع وقفٍ شامل لإطلاق النار، يتبعه جهدٌ دبلوماسي يؤدي إلى انسحابٍ إسرائيلي. وكذلك على الرغم مما أشاعته أجواء الحملات التخوينية والتضليلية في بيروت، التي يقودها المبرّرون لرمي جنوب لبنان في فم الوحش الصهيوني الفاشي، تحت ذرائع أصدقُها مختلَقٌ لا يعكس الواقع الميداني ولا تعقيدات الصراع في الإقليم بشكل حقيقي.
أما الوفدان الإسرائيليان، فقد تفاوتت مطالبهما على قاعدة توزيع الأدوار، إذ تتحوّل المفاوضات المباشرة بالنسبة الى الجانب الإسرائيلي إلى أداةٍ جديدة لإدارة المقتلة في لبنان. وهذا ما حذَّر منه “حزب الله” ورئيس مجلس النواب نبيه بري، وقد كانا محقّين في هذه النقطة بالتحديد، على الرغم من أن ممارسات “حزب الله” التصعيدية بالتزامن مع كل جولة تفاوضية جديدة، والتي لا ينتج منها أي تغيّرات في ميزان القوة العسكري، بل تزيد الاختلال عمقاً، تأتي في سياق العرقلة من دون طرح بدائل. وهذه معضلة إضافية تُضاف إلى معضلة قطار الترميد الصهيوني الذي يسير بسرعةٍ جنونية في كل قرية جنوبية تسقط بيد الاحتلال، ليسير فوق كل بيتٍ ومدرسةٍ ومتجرٍ وحقلٍ ومصنعٍ ومسجدٍ ومدفن.
تشبّثَ الوفد الدبلوماسي الإسرائيلي برئاسة السفير يحيئيل ليتر برفض توقيع أي اتفاق نهائي لوقف إطلاق النار قبل تفكيك سلاح “حزب الله”، وهو مطلبٌ يستحيل تحقيقه بشكلٍ مباشر على أرض الواقع، فتفكيك أي منظومة ميليشياوية بهذه الضخامة يتطلّب وقتاً وتخطيطاً وتفاهمات وتسويات شاملة تمنع جرّ لبنان إلى حربٍ أهلية من جهة، وتضمن وحدة الموقف الداخلي الداعم لمؤسسة الجيش من جهة أخرى. وتزداد استحالة المسألة في ظل احتلال إسرائيل أجزاءً واسعة من جنوب لبنان، واستمرارها بإصدار إنذارات الإخلاء لبلدات جديدة يومياً. فما يطلبه الوفد الإسرائيلي يتناقض فعلياً مع شروط الاستحالة التي تفرضها إسرائيل نفسها على أرض الواقع، والتي تزداد تعقيداً كل يوم.
أما الوفد العسكري برئاسة العميد عميحاي ليفين، فيُصرّ على ترجمة التفوق الميداني إلى صيغ تنسيق أمني مباشر مع الجيش اللبناني، متجاوزاً بذلك كل الأُطر القانونية والدبلوماسية، وقافزاً فوق كل التعقيدات السياسية والاجتماعية. فمطالبته بإنشاء آلية عمل مشتركة بإشراف أميركي لتفكيك منظومة “حزب الله”، وهي تختلف بشكلٍ كبير عن لجنة “الميكانيزم” بمشاركة “اليونيفيل”، تعني، بلغة السياسة، إخضاع قيادة الجيش اللبناني لتعليمات قيادة الجيش الإسرائيلي، وهو أمرٌ بالغ الخطورة على جميع الأصعدة، سواء على صعيد تراجع التفاف المجتمع اللبناني حول مؤسسة الجيش، أو على صعيد الانتقاص الإضافي من سيادة الدولة اللبنانية (غير المحقَّقة بعد) وركيزتها اليوم الجيش كالبديل الشرعي الوحيد لـ “حزب الله”.
فالضغط الإسرائيلي لتحويل الجيش اللبناني إلى ما يشبه ذراعٍ أمني للجيش الإسرائيلي سيزيد الطين بلّة فقط، وسيضع الجيش كمؤسسة في مواجهة جزءٍ كبير من المجتمع اللبناني. ولن تتوقّف تداعيات الأمر عند هذا الحد، لأنه سيضع أيضاً جزءاً كبيراً من عناصر الجيش نفسه وضباطه في مواجهة الجيش والدولة معاً (وفي حينها ستتحقّق نبوءة إحدى منصات التحريض الناطقة باسم “حزب الله”). باختصار، أي آلية عمل مشتركة على المستوى الأمني مع إسرائيل هي على الأرجح وصفةٌ لانفجارٍ أمني داخلي في لبنان فقط لا غير.
والأنكى أن مطالب الوفدين الدبلوماسي والعسكري الإسرائيليين تتمحور حول “حرية الحركة”، فيما تحتلُّ إسرائيل أرض جنوب لبنان وتخترق سيادته مئات المرات يومياً، وجيشها يتوغّل ليحتلّ بلدات جديدة ويدمرها، وطائراتها تقصف الأحياء السكنية من دون أي مبرّر، وكأن “حزب الله” موجودٌ في كل مبنى، وكل طابق، وكل شقّة، وكل متجر. وفي حين تجهد وزارة الخارجية الإسرائيلية لإقناع العالم، في بيانات شبه يومية، بأن عليه أن يتخيَّل أنه إذا فتح المرء صنبور ماءٍ في جنوب لبنان فسيخرج منه مقاتلٌ لـ “حزب الله”، تبريراً لتدمير العمران اللبناني، وقتل الآلاف من المدنيّين، وتهجير شعبٍ كامل. ومطلب “حرية الحركة” هذا يُثقِل ميزان الاستحالة، وهو أحد مبرّرات “حزب الله” الرئيسية لإشعال جبهة جنوب لبنان في سياق إسناد طهران. والإسناد هنا كان من المفترض أن يكون في الاتجاهين، لكن الحزب سقط مجدداً ضحية وهم “وحدة الساحات”، وتبيَّن أن المؤمن يُلدَغ من جحرٍ مرّتين.
أما الولايات المتحدة، فتريد من الحكومة اللبنانية أن “تسلّم رقبتها” لإسرائيل مقابل التعاون لوقف المقتلة، مكتفيةً بوضع حدودٍ تمنع الإجرام الإسرائيلي من سحق كل شيء في آنٍ واحد، لكنها لا تمنعه من التوسّع تدريجياً لسحق كل شيء ببطءٍ قاتل هو أشدُّ وطأة على الجنوبيين اليوم وسيكون بالقدر نفسه من الوطأة على جميع اللبنانيين غداً. تتمدَّد مساحة الاعتداءات كل يوم، فيما لا يصدر عن السلطات اللبنانية أي تلويحٍ بالتراجع عن مسار التفاوض الحالي، على رغم انسداد آفاقه، والذي أصبح بالفعل يغطّي الانتهاكات الإسرائيلية بعد فشله.
على الرغم من اشتعال ترامب غضباً أثناء اتصاله الهاتفي بنتانياهو، وصراخه بوجهه “أنتَ مجنون! أنا أنقذكَ والجميع يكرهكَ الآن!”، وفقاً لموقع “أكسيوس” نقلاً عن مسؤولَين أميركيَّين ومصدرٍ ثالثٍ كان على اطلاعٍ على المكالمة، فإن الحدود التي يفرضها ترامب في منع نتانياهو من قصف الضاحية الجنوبية لبيروت، حفاظاً على مسار مفاوضاته مع طهران، هي بالتحديد تلك التي تبيح الإبادة العمرانية والاحتلال العسكري لجنوب لبنان.
في المقابل، هدَّدت إيران بوقف مفاوضاتها مع الولايات المتحدة في حال طاولت الاعتداءات الإسرائيلية الضاحية الجنوبية، في تماهٍ مع الموقف الأميركي في ما يخص بيروت وضاحيتها من جهة، والصمت المشترك في ما يخص جنوب لبنان من جهة أخرى. والموقفان الأميركي والإيراني يضعان السلطات اللبنانية التي لا تلوِّح، على الرغم من عجزها، بإمكانية التوقّف عن التفاوض رفضاً للمقتلة، في موقع أشدّ بؤساً مما كانت عليه.
ولا رفض للمقتلة في الواقع العملي سوى بالتلويح بوقف التفاوض، تمهيداً لوقفه فعلياً في حال استمرار الاعتداءات والتوغلات البرية، انطلاقاً من جنوب لبنان أولاً. هكذا فقط يُحتمَل أن تتحوّل المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل من أداةٍ إسرائيلية الى إدارة المقتلة التي ستمتدُّ إلى جميع أنحاء لبنان مستقبلاً، إلى أداةٍ لبنانية لرفضها قبل أن تتوسَّع، حتى لو كان في هذا الرفض رهانٌ يمكن أن يتسبّب في انتشار المقتلة على أوسع نطاق، فالصمت المطبق لم يعد يمنع هذا الانتشار بل يؤسّس لما هو أسوأ منه.