علي حسين.. جريدة المدى
تنشغل الفضائيات العراقية هذه الأيام بالبحث عن الأموال التي نُهبت خلال فترة الحكومة السابقة، وتصر بعض البرامج على إيهام المواطن العراقي أن الأحوال والأموال كانت عال العال قبل أن يشكل السيد محمد شياع السوداني حكومته، وعندما تقول: يا جماعة وماذا عن الأموال التي نُهبت خلال الثلاثة والعشرين عاماً الماضية، يسود الصمت.
أرجو أن تراجع معي عزيزي القارئ خطابات معظم رؤساء الحكومات التي تعاقبت على هذه البلاد منذ عشرين عاماً، وستجد النغمة نفسها، محاربة الفساد والحفاظ على المال العام، وتقديم الخدمات، وتتذكرون معي كيف صرخ السيد محمد شياع السوداني في وجه أحد الأطباء قائلاً: الله لا يوفقني.
ولهذا أرجوكم أن تعذروا عدم اهتمامي بأخبار النواب والمسؤولين الذين يبشروننا بأن الحكومة الجديدة ستسترد مئات المليارات نهبتها حيتان السياسة، أو مناقشتي لنظرية النائبة زهراء الساعدي من أن رئيس الوزراء مجرد موظف عند الإطار، لأهرب منهم بالحديث عن إنجاز جديد ينتظره العراقيون جميعاً بلهفة وشوق، وأعني به إعادة منصب نائب رئيس الجمهورية إلى الحياة، ففي لفتة لن ينساها التاريخ سنجد عدداً من رؤساء الكتل يجلسون على كرسي نائب رئيس الجمهورية، وعدد مثلهم يجلسون على كرسي نائب رئيس الوزراء، فالحكومة يجب أن توزع على الجميع باستثناء القوى المدنية والكفاءات التي لا يحتاجها العراق في الوقت الحاضر.
أيها السادة، اليوم المواطن العراقي رهينة الفشل والانتهازية والخراب، في السياسة وفي الاقتصاد، والأمن، وهل هناك خراب أكثر من أن يشرح لنا النائب مثنى السامرائي استراتيجية النزاهة وهو الذي استحوذ لسنوات على مشاريع وزارة التربية والصناعة، لأنه محبوب من قبل الرؤوس الكبيرة؟ .
ليست سرقة عدنان الجميلي ستكون الأخيرة وسط خطابات زائفة ومقيتة عن الفساد وإرادة الناس وإعادة إنتاج نظام لا يعرف إلا لغة السمع والطاعة.. خطابات ينسى أصحابها أن السياسة ليست خطابات تضحك بها على أبناء شعبك.. وأن المسؤولية الحقيقية لا يمكن تجريدها من جوهرها الحقيقي الذي يعني أن المسؤول لا يحق له أن يتحول إلى تاجر بأموال البلاد والعباد، وأن محاربة الفساد لا تكون بالصراخ: “الله لا يوفقني”.
أصحاب الوصايا يحذروننا هذه الأيام من أن العراق سيمر بظرف عصيب، لو أن الشعب لم يأخذ “الحيطة والحذر” من الأعداء الذين يتربصون به.. يتحدثون كل يوم عن الكارثة التي تنتظرنا لو أننا تجرأنا على مجرد التفكير في المطالبة بالإصلاح السياسي والاقتصادي، ففي خطابات غريبة تعيش على بث الرعب والفزع في نفوس العراقيين.
نعيش مع وجوه متعددة للفساد، بل يمكنك عزيزي القارئ أن تقول إنك تشاهد كل يوم مسرحية “الفساد للفساد”، فساد من كل لون، بدأ بإغراق المجتمع بخطب وشعارات فاسدة، واستمر الفساد ينمو وينتشر، حتى وصل إلى أن يضطر المواطن أن يصرخ: “الله لا يوفقني على هاي القسمة”.