كيف بدلت قرارات القادة الخاطئة مسار الشعوب؟ هناك دائماً لحظة تاريخية مناسبة تسهم في ظهور “المنقذ” وهي غالباً شعور المواطنين بالغضب أو الاستغلال والذل فيديل سبيتي  اندبندنت عربية

img
أخبار 0 editor Hossein

جنود أميركيون يطلقون قذيفة مدفعية من قاعدة عسكرية في مقاطعة قندهار الأفغانية (رويترز)

الشعوب التي دفعت أثماناً باهظة لقرارات قادتها الخاطئة، هي الشعوب التي اختارت ليحكمها قائد اعتبرته “المنقذ”، الذي اعتقد بدوره أن خلاص شعبه لن يكون إلا بيديه وأفكاره وقراراته، بل وبعض هؤلاء “المنقذين” من القادة كان يعتقد أن خلاص العالم كله سيكون بسببه، فأشعل نيران الحروب، جاعلاً شعبه وقودها، وذلك بعد أن أرسى نظاماً عسكرياً ديكتاتورياً وأجهزة استخباراتية تراقب الشعب مراقبة حثيثة، وتعاقب كل من تسوله نفسه الاعتراض أو الشعور بأن القائد الأعلى يتصرف بطريقة خاطئة، فازدهرت السجون والمعتقلات في عهود هؤلاء القادة.

تركيبات نفسية وشعوب غاضبة

في الزمن الحديث القريب هناك أمثلة كثيرة، ليس هتلر أولها، ولا آخرها، فهناك ندّه جوزيف ستالين في الاتحاد السوفياتي، وماوتسي تونغ في الصين، وبينيتو موسيليني في إيطاليا، وفرانثيسكو فرانكو في إسبانيا، وعيدي أمين في أوغندا، وصدام حسين ومعمر القذافي وكيم إيل سونغ وورثته في كوريا الشمالية، والخميني وورثته في إيران، وفيديل كاسترو في كوبا، وهوغو تشافيز في فنزويلا، ورجب طيب أردوغان في تركيا، وغيرهم كُثر.

وفي الغالب، يتمكن هؤلاء القادة من تحقيق مآربهم تلك عبر طرق عدة، بحسب الدراسات التي تناولت نفسية “القائد المخلّص”، والدراسات الاجتماعية التي تناولت انحياز الشعب له في البداية. فالقائد ذو السلطة المطلقة، يكون مقتنعاً اقتناعاً شخصياً تاماً بقدراته على تحقيق مآربه، وبأنه مرسل للقيام بالمهمة الموكلة إليه، وبأن هناك قوى خارقة تسانده في ذلك. فهتلر مثلاً كان يروج بأن السماء من أرسلته لإنقاذ العالم، وليس ألمانيا فقط، على الرغم من أنه تسبب بحرب عالمية كبرى، ودمر ألمانيا وأغلب أوروبا. أما ستالين (الفولاذ) فكان “نور الحركة الثورية العالمية” على الرغم من أنه نفى ملايين الروس إلى سيبيريا، وتسبب بمجاعة كبرى في أوكرانيا التي رفض فلاحوها التعاونيات الزراعية الاشتراكية. أما ماوتسي تونغ فكان “أبا الشعب الصيني” على الرغم من المجاعات التي ضربت الصين قبل وفاته وانطلاق الإصلاحات الاقتصادية، أما جورج بوش الابن فكان يقول إن السيد المسيح كان يزوره في منامه ليأمره بما يفعل.

دائماً هناك الرفيق الأعلى، وباني الأمة، وملك الملوك، والأخ القائد والفاتح والناصر… إلخ.

الروح القومية والتفرد

وأثبتت معظم الدراسات التي تناولت عقلية القائد “المخلّص” أن هناك دائماً لحظة تاريخية مناسبة تسهم في ظهوره، وهي غالباً شعور الشعب بالغضب أو الغبن أو الاستغلال أو الذل تحت “الاحتلال”. نفخ هتلر في الروح القومية الألمانية بعد الحرب الأولى بسبب المعاهدات المذلة التي وقّعتها ألمانيا. وأضاف نظرية العرق المتفوق، ثم اخترع عدواً داخلياً، وهم اليهود الألمان، وعدواً خارجياً هو العالم كله الذي واجه ألمانيا في الحرب الأولى. أما كيم إيل سونغ الكوري الشمالي، “الذي يمكنه أن يزيح الغيوم عن الشمس بيده”، بحسب قناعات شعبه، وماوتسي تونغ الصيني حين أعاد النفخ في العداء للمحتل الياباني، الذي كان قد انسحب من البلاد بعد هزيمته في الحرب الأولى، ولكن استخدام “نوستالجيا” الذل لطالما كان ذا منفعة في توحيد الشعوب، وفي ما بعد اختار الزعيمان الولايات المتحدة ممثلة “الإمبريالية العالمية” كشماعة تحتمل الكثير لتعليقه عليها. مشروع الثورة الإيرانية الخمينية في الشرق الأوسط، الذي هدم دولاً عن بكرة أبيها وأفقر شعوباً وزرع الانقسام بين مواطني هذه الدول، كانت – وما زالت – رافعته “اللفظية” العداء “للشيطان الأكبر”، بينما الشعب الإيراني يعيش أسوأ ظروف مرت عليه في تاريخه. رئيس العراق الأسبق صدام حسين لعب على العداء مع إيران، طائفياً وعرقياً، قبل أن ينقل صدام حسين شعبه إلى ما يشبه المجاعة بسبب الحصار الدولي، ومن ثم إلى الحروب المتتالية بعد اجتياحه لدولة الكويت جارته.

رئيس النظام السوري حافظ الأسد امتلك الرؤية ذاتها، فبعد انقلابه العسكري قام بتصفية كل رفاقه الذين ساندوه، ثم أرسى مباشرة نظاماً استخباراتياً حديدياً بعد إعلان حال الطوارئ التي منحته سلطات مطلقة. وتحت شعار “أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة”، قسم الأمة العربية في فصل البعث السوري عن البعث العراقي أولاً، ثم تحت شعار “محاربة العدو الإسرائيلي” أقام هدنة في الجولان، ما زالت سارية المفعول مع وريثه بشار. وتحت شعار القضية الفلسطينية عمل بكل جهده على تفتيت “منظمة التحرير الفلسطينة” ممثلة الشعب الفلسطيني الأقوى. وبشعار العلمنة والدولة المدنية حكمت طائفة أقلية سائر الطوائف السورية بقوة الحديد والنار، وبات التعذيب في السجون السورية مضرب مثل في “غرائبية” عمليات التعذيب التي تطال معارضي نظامه من السوريين وغير السوريين. وحين ورث ابنه بشار الزعامة تفاءل السوريون بعهد جديد من الانفتاح والديمقراطية والتطور الاقتصادي، ولكن حين رأى خريج جامعات بريطانيا أن هذا الانفتاح قد يضر بسلطاته، قمع الشعب السوري قمعاً دموياً، وبأسلحة محرمة دولياً كالغازات السامة، ثم هجر ما يقارب من نصف الشعب السوري حول العالم. وهذا كله تحت راية “سوريا الأسد” التي لم يبق منها اليوم إلا فتات دولة.

القائد المطلق يحتاج إلى عدو كبير وقوي يوحد في محاربته الشعب حوله، وإذا لم يكن هذا العدو موجوداً فلا بد من إيجاده ولو بالقوة، وغالباً ما تنجح هذه الخطة في توحيد الشعب حول القائد، ولكن المعركة نفسها لا تقع، فالعدو هو “الآخر” الذي يتربص بنا شراً، ويجب أن يبقى كذلك. فببقاء العدو حاضراً وجاهزاً في المخيلة الشعبية يبقى القائد عالياً ومبجلاً بصفته حامي الأمة.

 

الديمقراطية تنتج أخطاء أيضاً

والقائد “المخلّص” لا يصل بالضرورة إلى سدة الحكم بالانقلاب أو الثورة، بل وقد يصل بانتخابات ديمقراطية تمنحه أغلبية تمكنه من الانقلاب على الديمقراطية لإقامة نظام ديكتاتوري، كما جرى في مناسبات كثيرة. ففي روسيا والصين وتركيا، عدل الرؤساء الحاليون الدساتير بما يضمن بقاءهم في سدة القيادة مدى الحياة، وذلك بالطرق القانونية الدستورية أي بواسطة البرلمان أو مجلس الشعب. وفي بلاد أخرى كسوريا وليبيا والعراق سابقاً، “يبقى الأخ القائد في السلطة عبر تجديد البيعة” دورياً وبأكثرية شعبية مطلقة هي غالباً (99.99 في المئة)، بل وحتى المسجونون والمعتقلون يصوتون له، فهم في المعتقلات لأنهم لا يعرفون مصلحة الأمة والشعب قدر ما يعرف هو.

لكن الأخطاء السياسية التي يرتكبها القادة أو القرارات غير المدروسة التي يتخذونها، لا تجعلهم بالضرورة ديكتاتوريين، ولا تعني أنهم مستبدون. ففي بدايات هذا القرن، قام الرئيس الأميركي جورج بوش الابن بحربين كبيرتين على العراق وأفغانستان بحجج واهية، أولاها الرد على “أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001” بعد تفجير برجي التجارة في نيويورك، وهما مثال العظمة الأميركية، وثانيها وجود أسلحة جرثومية وبيولوجية وغازات سامة في العراق لم يجدها المفتشون في ما بعد. وكان الرئيس بوش قد اعترف في ديسمبر (كانون الأول) 2005 بأن معظم المعلومات الاستخباراتية قبل الحرب كانت خاطئة. وقال إنه يتحمل مسؤولية هذه الأخطاء، ولكن بعد مقتل أكثر من 700 ألف عراقي في السنوات الثلاث اللاحقة على الهجوم، ومعهم آلاف القتلى من الجنود الأميركيين والبريطانيين. وكانت لهذين القرارين تبعات أثرت على العالم كله، وليس على الولايات المتحدة وأفغانستان والعراق فقط، وما زالت ترددات تأثيراتهما سارية حتى اليوم.

الشعوب تسمع ما تريده أحياناً

في بدايات القرن الحالي، ارتفعت حول العالم الموجة السياسية “الشعبوية” التي تقوم على توجيه خطاب إلى الشعب يريد أن يسمعه، كما فعل الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب عبر شعار “أميركا أولاً“، وكما فعل بوليسارنو في البرازيل وكذلك عدد من رؤساء الوزراء اليمينيين الذين انتخبوا في دول أوروبية عريقة في ديمقراطيتها، كالنمسا والدنمارك. وهذه الشعبوية أدت أيضاً إلى صعود أحزاب اليمين في ألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان على صهوة رفض استقبال المهاجرين المتوجهين إلى أوروبا، هرباً من الحروب والفقر والبطالة والتشدد والتمييز في بلدانهم، لكن ما يفرق الشعبوية في الدول الديمقراطية أنها قد تنتهي في دورة انتخابية تالية، بينما شعبوية الدول المتخلفة والفقيرة تدوم طويلاً، وقد لا تنتهي بموت القائد الشعبوي، فالقائد هذا غالباً ما يترك خلفه ورثته المدربين تدريباً جيداً على إكمال ما بدأه. وفي هذا كله تدفع الشعوب الأثمان الباهظة، وحين تعي الأحوال المريرة التي هي فيها، يكون الأوان قد فات على تغيير طبيعي وسلمي.

وكما كتب الباحث طارق النجار في مقالته “أخطاء استراتيجية لبعض الزعماء السياسيين”، فإن الأخطاء العسكرية أو السياسية يقع فيها بعض القادة في العالم لأنهم لا ينصاعون لرأي أو مشورة سياسية من ذوي الاختصاص والدراية، فتقودهم قراراتهم الخاطئة إلى السقوط في مستنقعات يتلطخون في وحولها ويجرون معهم دولهم وشعوبهم إلى الدمار.

ولو أخذنا مثالاً ساطعاً عن قرار خاطئ اتخذه قائد وأدى إلى دمار بلاده وفناء شعبه، فإن حرب ديكتاتوري باراغواي فرانسيسكو سولانو لوبيز ضد باراغواي والبرازيل والأرجنتين عام 1864 مناسبة جداً. فقد تسبب قراره في مقتل 60 في المئة من شعبه وأصيب وقتل 90 في المئة من الذكور في باراغواي خلال هذه الحرب، وتسبب في تدمير بلاده تماماً ومقتل أغلبية السكان، وقد استمر في حربه تلك على الرغم من فقدانه كل أمل بالفوز فيها.

هناك أمثلة على أخطاء سخيفة، لكن ذات أضرار كبيرة، مثل قرار وريث عرش إنجلترا عام 1120، عبور المانش ليلاً في حفل تنصيبه، بينما كان الحاضرون في حالة من السكر الشديد. وأثناء الإبحار اصطدمت السفينة بصخرة كبيرة غرقت على أثرها بالطاقم والوريث الجديد الوحيد، الذي خلف موته 20 عاماً من الحرب الأهلية، لعدم وجود قائد بديل يرثه.

قائد قد يصحح أخطاء قيادات

ويعود الكاتب والباحث السعودي فهد سليمان الشقيران في إحدى مقالاته إلى مذكرات هنري كيسنجر، ليروي كيف يمكن لقائد واحد أن يصحح أخطاء رؤساء سبقوه، فيكتب كيسنجر: “إذا كان هاري ترومان مهندس الأوضاع الجوهرية التي جعلتنا نكسب الحرب الباردة، وقدم رونالد ريغان الدافع لإنهاء هذه اللعبة، فإن ريتشارد نيكسون كان الرجل المحوري في المرحلة ما بين الفترتين. ففي ظل فترة رئاسته، وضعت الخطوط العريضة للسياسة الأميركية في العقدين الأخيرين من الحرب الباردة، إلى جانب التخلص من مأساة فيتنام. ففي نهاية فترة رئاسة نيكسون، سحبت الولايات المتحدة قواتها من فيتنام بشروط مشرفة. وأزيل تهديد الكتلة السوفياتية الذي ظل يخيم على برلين لمدة 25 عاماً باتفاقية مع السوفيات، تضمن الوصول إلى تلك المدينة المحاصرة. وبدأت عملية تخفيض الأسلحة الاستراتيجية مع الاتحاد السوفياتي. وأشركت الصين في دبلوماسية الدول الكبرى، ولا سيما من الجانب الأميركي. تلك الخطوة حولت الموقف الجيوسياسي لموسكو بين يوم وليلة، لأنها عززت تحالفاً قوياً لجميع قوى العالم العظمى ضده. وأمكن التغلب على حرب الشرق الأوسط وتآكل الدور السوفياتي السياسي والاستراتيجي في تلك المنطقة تدريجياً. وأصبحت عملية السلام بين إسرائيل وجيرانها العرب تحت الرعاية الأميركية قيد التنفيذ. ولعل الإسهام الأكبر لفترة ولاية نيكسون أن معظم العلاقات والاستراتيجيات انطلقت أثناء ولايته، وظلت بمثابة سياسة ثابتة لجميع من خلفه من رؤساء”.

الكاتب editor Hossein

editor Hossein

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة