لم يكن المُقدَّم عبد الغني القصاص أحد كبار قادة محاولة الانقلاب الإسلامية على حافظ الأسد في الثمانينيات، إلا أن البودكاست الذي نُشِر معه قبل أسبوعين ربما حمل أفضل معلومات عنها حتى الآن.

ومن ذلك أنه، وعدداً من الضباط الذين أُلقِي القبض عليهم معه عند إجهاض تلك العملية، لم يجدوا طريقهم إلى الجيش بالصدفة، بل بتوجيه شفوي نُقل إلى شباب جماعة الإخوان المسلمين، الدمشقيين على وجه الخصوص، عن لسان قائدهم عصام العطار، بعد هزيمة حزيران (يونيو) 1967. وبناء على ذلك قدّم القصاص وبعض زملائه أوراقهم للتطوع، أكثرهم في الكلية الجوية، رغم معارضة البيئة المحيطة التي وجدت خيارهم غريباً، لا سيما وأن بعضهم ترك الكلية الجامعية المدنية، التي كان قد انتسب إليها، ليلتحق بالقوات المسلحة.

لا يعرف معظم السوريين عصام العطار إلا عجوزاً طاعناً، دمثاً يتميز بالحكمة، بعدما تسابقت الفضائيات على استضافته إثر قيام الثورة وحتى وفاته في العام 2024 عن سبع وتسعين سنة. وعندها أُلقي الضوء على محطات من حياته السياسية التي تَوافَق صعودها مع ما يُعدّ العِقد الذهبي للديمقراطية السورية في الخمسينيات، ثم بلغت ذروتها خلال عهد الانفصال في أوائل الستينيات، عندما أصبح العطار رئيس كتلة برلمانية وازنة وأحد رجال الصف السياسي الأول في البلاد، بشكل يفوق موقع المراقب العام للإخوان، الذي شغله إثر مرض زعيمهم المؤسس مصطفى السباعي. وقد اشتهر العطار بتمسِّكه بالعمل السياسي المدني ورفضه الانقلابات. وفي هذا السياق يُنسب إليه القول بأن الجماعة لن تلجأ إلى هذه الأساليب العسكرية حتى لو انتظرت مئات السنين لتحقيق أهدافها.

لكن هذا لم يكن رأي حكّام دمشق الجدد البعثيين في العطار. إذ استغلوا فرصة غيابه في الحج، بالتزامن مع اعتصام جامع السلطان الذي قاده الشيخ مروان حديد في حماة، في نيسان (أبريل) 1964، ليمنعوا السياسي من الدخول إلى البلاد بذريعة ما فعله الجهادي الذي ينتمي إلى جماعته، رغم أن الأخير نفى أن يكون قد تلقى أي أوامر بشأن تحركه. وأمام المحكمة العسكرية عبّر عن تقديره للمراقب العام في الوقت نفسه الذي تتباين فيه طريقتاهما. وهو ما بادله إياه العطار الذي مدح المناقب الشخصية لحديد في أكثر من مناسبة، رغم انتقاده لأسلوبه.

لكن سنوات المنفى المُمتد، في ما يبدو، أخذت تفعل فعلها في العطار. ففي العام 1968، عندما انتسب القصاص ورفاقه إلى القوات المسلحة، كانت تنظيمات الإخوان في البلاد العربية أمام اقتراح ولّدته نشأة المنظمات الفدائية الفلسطينية، وهو أن يتدرب بعض عناصرها في الأردن تحت غطاء حركة «فتح». وهنا اختلف المراقب العام السوري، المُقيم في عمّان، مع نائبه وغيره في الداخل. ففي حين تعهد العطار، في اجتماع المكتب التنفيذي للإخوان المسلمين في البلاد العربية، باستقدام متطوعين سوريين للتدريب والمشاركة في العمليات؛ خالفه مسؤولوه المحليون بسبب الظروف الأمنية المشددة تحت حكم يسار البعث. وقد كان هذا الخلاف سبباً رئيسياً في الانقسام الذي ستشهده الجماعة، في العام 1970، بين «جماعة العطار»، وعلى رأسهم مركز (فرع) دمشق، وبين المعترضين عليه، وعلى رأسهم مركز حلب.

أمّا في مركز حماة فكان مروان حديد، المتمسك بالبقاء في الجماعة وتثويرها من الداخل، يجمع حوله من شبابها من اقتنعوا بتوجهه الجهادي. فانبرى للوفاء بكلمة الأستاذ، وأرسل من مجموعته من كان يبحث في الأصل عن فرصة لتدريبهم تحت غطاء آمن. وهكذا توافد إلى المعسكرات أبرز من سيقوم عليهم تنظيم «الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين»، وهو الاسم الرسمي الذي عُرفت به «جماعة مروان» بعد وفاته في السجن.

كما هو معروف، بدأت «الطليعة» بالاغتيالات منذ أواسط السبعينيات وصعّدت في أواخرها. ولم تدخل الثمانينيات إلا والشارع يلتهب في حماة وحلب، وبدرجة أقل في دمشق وحمص واللاذقية وإدلب. وأثناء ذلك كان المنشقون عن العطار قد حصلوا على مباركة مكتب الإرشاد في الجماعة بمصر وحملوا وصف «التنظيم الدولي»، فيما خرج منها المراقب الدمشقي الذي استقر في ألمانيا الغربية نهائياً.

وبالمقارنة بين المجموعتين نظر قادة «التنظيم الدولي» إلى «الأحداث» بوصفها ورطة جرّتهم إليها «الطليعة» بحماسها الطائش، ثم كفرصة حين بدا لهم أن النظام آيل للسقوط. وفي الحالتين تعاملوا مع «الطليعة» على أنها الولد العاق الذي يجب أن ينضبط بقواعد الأب العارف كي يحصل على الدعم. أمّا «جماعة العطار» فقد وضعت إمكاناتها بتصرف الابن الشاب من دون وصاية. وعلى خلاف المتوقع لم يستمع العطار لتقييم أقرب أتباعه من الأطباء والمدرّسين في دمشق، بل لزوار قدِموا إليه سراً من مدن أخرى، واستطاعوا الحصول منه على أمر مكتوب لكل أعضاء جماعته بالالتحاق بركب «المجاهدين».

كانت الساحة تَمور، على كل حال، وكان توحيد الجهود أولوية للأطراف الفاعلة. فتشكّل، في الملجأ القريب بين عمّان وبغداد، ما عُرف باسم «قيادة الوفاق» في العام 1981، بهدف الإعداد لما ظنوا أنه معركة الحسم. ضمّت هذه القيادة أربعة ممثلين عن كل مجموعة؛ «التنظيم الدولي» و«الطليعة» و«جماعة العطار» الذين اختير منهم المراقب العام الجديد من دون أن يُمسِك بالسلطة الفعلية التي احتكرها «التنظيم الدولي»، وضاعت «الطليعة» في «دهاليز العمل السياسي».

لكن نداءات الاستغاثة من الداخل كانت تتسارع تحت وطأة الملاحقات. وبدا أن على القيادة أن تتصرف بكل ما لديها من إمكانات قبل فوات الأوان والقضاء على من تبقى من مقاتلين. وهنا أفصحت «جماعة العطار» عن ورقتها الخفية؛ الضباط الذين رعتهم بانتظار لحظة كهذه، فقطعت علاقتها التنظيمية بهم في الظاهر، لا يجتمعون في «أسرة» (خلية) مع غيرهم ولا يعرفون بعضهم حتى، بل يُحافِظ كل منهم على علاقة فردية متقطعة ومتباعدة بمسؤول وحيد.

لم يكن عدد هؤلاء كبيراً لكن كان بينهم طيارون حربيون متميزون في مواقع مختلفة. وبدا أن الخطة تتجه إلى أن يقصفوا ما قيل إنه اجتماع موسَّع سيحضره حافظ ورفعت الأسد وقيادة حزب البعث، بالتزامن مع انتفاض من تبقى في الداخل، وعبور الحدود من جهة البادية بمقاتلين ممن استُنفروا للتدريب في معسكر خاص بالمعركة. لكن مخطط الانقلاب كُشف قبل أن يتبلور فتم القبض على الضباط جميعاً في وقت واحد في مطلع العام 1982. وبعد ذلك بقرابة شهر انفجرت معركة حماة فقضت على من تبقى من «الطليعة» ومن التحق بها من «التنظيم الدولي». فيما تبيّن أن دخول البلاد، بأعداد غير كافية أصلاً وعبر منطقة مكشوفة، وصفة نموذجية لانتحار جماعي. وفي الغضون كانت أذرع الأسد قد حاولت اغتيال العطار فقتلت زوجته بنان الطنطاوي في آذار (مارس) 1981.

حسب الافتتاحيات التي كان يكتبها لمجلته «الرائد»، التي صدرت عن المركز الإسلامي في آخِن (مسجد بلال)، لا يبدو أن العطار قد ترك الحلول السياسية. إذ ظل يُطالِب بإلغاء قانون الطوارئ وإطلاق الحريات والحكم الديمقراطي والانتخابات والمساواة أمام القانون على أساس المواطنة. لكن يبدو أنه اقتنع، في تلك السنوات، أن الحرب استمرار للسياسة حين تُغلَق في وجهها السُّبل المشروعة.