ملخص
قد لا تكون مبادرة مجتبى خامنئي باتجاه خاتمي ومحاولة الانفتاح عليه، مؤشراً على محاولة تنصل الابن من ميراث وإرث والده السياسي، أو التنكر للمواقف التي سبق أن اعتمدها في تعامله مع القوى السياسية، بل قد تشكل مؤشراً على محاولة الوريث التأسيس لمرحلة جديدة، انطلاقاً من الحقائق التي فرضتها نتائج الحرب الأميركية – الإسرائيلية.
الرسالة التي وجهها المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي إلى الرئيس السابق محمد خاتمي، تفتح الباب أمام كثير من التقديرات لما ستكون عليه العلاقات السياسية الداخلية في المرحلة المقبلة. فالرسالة، وإن كانت رداً من خامنئي على رسالة التهنئة التي بعث بها خاتمي بعد انتخابه مرشداً، إلا أن دلالاتها تكمن في ما جاء فيها وما رافقها، وتحديداً إشارة خامنئي إلى رغبة في التعاون لاحقاً، والاستفادة من أفكار وتجارب خاتمي.
ويمكن القول إن هذه الرسالة قد كسرت حالة التباعد الحاد بين مؤسسة المرشد وزعيم التيار الإصلاحي التي استمرت منذ ما بعد خروجه من رئاسة الجمهورية في عام 2005، والقطيعة الكاملة ما بعد أحداث عام 2009، أو ما عرف حينها بـ”الحركة الخضراء” بعد أزمة نتائج الانتخابات الرئاسية والتجديد لمحمود أحمدي نجاد دورة ثانية. ومع حرص خاتمي الإبقاء على أوهن خيوط التواصل مع المرشد السابق، إلا أن المرشد علي خامنئي لم يبادر أو يفتح نافذة لتعديل موقفه السلبي والإقصائي لخاتمي. ووصلت الأمور إلى عدم الرد على أي من رسائل خاتمي، وأن يستبعده من رسالة التعزية بوالدته وتوجيهها إلى شقيقته، وصولاً إلى محاصرته ومنع ظهوره في الإعلام حتى على مستوى الاسم أو الصورة، بالتزامن مع استثنائه من أي لقاءات تشاورية مع المرشد، كما جرت العادة مع القيادات والشخصيات الأساسية، وعدم إدارجه على لائحة الشخصيات التي زارت خامنئي في المستشفى بعد إجراء جراحة.
وإذا ما كانت هذه المواقف من المرشد تجاه خاتمي تصب في سياق سياسة اعتمدتها منظومة السلطة لمحاصرة الإصلاحيين والخطاب الإصلاحي وعزله وإضعافه وتفكيك قواعده الشعبية، وما يمثله من قوة اجتماعية تمثل الطبقة الوسطى الاقتصادية والمثقفة الأكثر تأثيراً في الاجتماع الإيراني بكل مستوياته، لصالح تعزيز دور وموقع قوى راديكالية جديدة خرجت من رحم التيار المحافظ باعتباره الحامل لخطاب النظام والسلطة العقائدي والأيديولوجي. إلا أن خاتمي في المقابل، ومعه القوى الإصلاحية، لم يستسلم أمام هذه المساعي، وحاول الحفاظ على الحد الأدنى من قدرته على مخاطبة هذه الطبقة واستقطابها، وأن يبقى زعيم القوى الإصلاحية ومرجعيتها السياسية والاجتماعية. وأصر في الوقت ذاته على إقلاق المرشد من خلال دأبه على توجيه رسائل له معلنة وغير معلنة، كما حصل في الرسالة الطويلة من عشرات الصفحات قبل انتخابات الرئاسة في عام 2021 ووصول إبراهيم رئيسي، وهي الرسالة التي وصفها المرشد حينها بأنها جيدة إلا أن خاتمي يجهل كثيراً من الأشياء.
ولعل الرسالة أو المنشور الذي أصدره خاتمي بعد الحرب الأميركية – الإسرائيلية في يونيو (حزيران) 2025، حاول فيه وضع خريطة طريق أمام النظام لاستعادة المبادرة والانفتاح على القوى الوطنية التي التفت حول إيران ووحدة أراضيها وجمهوريتها، واتباع مسار يعزز الحريات السياسية والفكرية، ويبعد إيران من الانزلاق إلى دائرة التشدد والراديكالية. وشكل هذا المنشور أيضاً الموقف الأكثر صراحة ووضوحاً في رفض سياسات الجماعات التي استولت على القرار في النظام خلال العقدين الأخيرين، وهي سياسات أخلت بالتوازنات السياسية والاجتماعية من دون أن تملك آليات تساعد في إخراج إيران من أزماتها الداخلية وعزلتها الدولية.
قد لا تكون مبادرة مجتبى خامنئي باتجاه خاتمي ومحاولة الانفتاح عليه، مؤشراً على محاولة تنصل الابن من ميراث وإرث والده السياسي، أو التنكر للمواقف التي سبق أن اعتمدها في تعامله مع القوى السياسية، بل قد تشكل مؤشراً على محاولة الوريث التأسيس لمرحلة جديدة انطلاقاً من الحقائق التي فرضتها نتائج الحرب الأميركية – الإسرائيلية، التي انطلقت مطلع مارس (آذار) الماضي. ولعل المؤشر الأبرز على هذا التحول يبدأ من مكتب المرشد والحديث من استبعاد الشخصية الأخطر التي كانت إلى جانب المرشد الأب، أي أصغر حجازي، الذي لعب دوراً سلبياً في قطع أي إمكان تواصل بين القوى السياسية الإصلاحية والمعتدلة مع المرشد وأسهم في تشكيل مواقفه منها.
محاولة المرشد الجديد الانفتاح على القيادات الإصلاحية من بوابة خاتمي ورئيس البرلمان السابق علي أكبر ناطق نوري، قد تساعد في سد الفجوات وتفكيك التعقيدات والعلاقة السيئة بين النظام وهذه الجماعات. ربما تفتح الطريق أمام عودتهم للحياة السياسية والمشاركة الحقيقية، وإخراجهم من حالة الاحتياطي الانتخابي الذي يوظفه النظام لإعادة ترميم شرعيته الشعبية في اللحظات الحرجة والمفصلية، كما حصل في الانتخابات الأخيرة ووصول مسعود بزشكيان إلى رئاسة السلطة التنفيذية.
لا شك أن الحرب الأميركية – الإسرائيلية الأخيرة، أنتجت واقعاً جديداً في إيران، ووضعت النظام أمام تحديات حقيقية، أعادت تنظيم موقفه من القوى السياسية الداخلية التي أظهرت حالة من التضامن الوطني لعب دوراً في تهدئة الشارع وحشده وراء شعارات وطنية. وبالتالي فإن إنهاء الحرب والانتقال إلى مرحلة البحث عن تسويات مع واشنطن والمجتمع الدولي، تضع المرشد الجديد أمام تحديات لم تكن مطروحة على المرشد السابق.
فالتحديات التي يواجهها المرشد الجديد لا تقتصر على تسويق التفاهم والاتفاق والسلام مع أميركا وحتى العلاقات معها، فهذا الأمر بات وراء كل القوى السياسية الإيرانية ومؤسسات النظام الحاكمة العسكرية والأمنية والسياسية. ومسار تفكيك ما تبقى من بؤر اعتراض تمثلها الجماعات الراديكالية في طريقها إلى الحل، من خلال محاصرتها وتفرغ خطابها وتحجيم أدواتها وقطع تأثيراتها في السياسات الداخلية والخارجية.
إلا أن الأخطر في هذه التحديات، يأتي من السؤال حول قدرة المرشد الجديد في إدارة التوازنات بين مراكز القرار التي نشأت بعد الحرب، بخاصة وأنه خسر كل القيادات التي كان يعول عليها في مساعدته في عبور المرحلة الانتقالية، وبالتالي عليه التعامل هذه المرة مع قيادات تملك طموحات كبيرة وشهية على الاستئثار بالقرار أكثر من أسلافها الذين اغتالتهم تل أبيب على دفعتين (2025 و2026).
محاولة انفتاح مجتبى المرشد على القوى الإصلاحية وزعيمها خاتمي قد تشكل صدمة للقوى المحافظة التي بنت خطابها في العقود الماضية على تخوين هذه الجماعات، إلى الحد أن عضو مجلس خبراء القيادة أحمد خاتمي رأى أن العامل الأكثر تأثيراً في آراء مجلس خبراء القيادة في اختيار مجتبى لخلافة والده، أنهم اختاروا الشخصية التي تحدث الذعر في نفوس الإصلاحيين ومحمد خاتمي بالتحديد.
في المقابل، فإن الخطوة الإيجابية التي قام بها مجتبى باتجاه خاتمي، قد يكون هدفها غير المعلن محاولة إيجاد نوع من التوازن بين مراكز القوى المؤثرة في المرحلة المقبلة، أي محاولة الاستعانة بالإصلاحيين لتخفيف اندفاعة الأطراف الأخرى، المتوثبة للسيطرة والهيمنة على القرار ومحاصرة المرشد وخياراته والتأثير في قراراته.
قد تكون الفرصة مهيأة أمام الإصلاحيين هذه المرة لإعادة ترميم قواعدهم الشعبية والسياسية، بخاصة في ظل ما تحمله المرحلة المقبلة من وعود بانفتاح ونهوض اقتصادي قد يسهم في إعادة إحياء الطبقة المتوسطة. وبالتالي التحول إلى بديل أو شريك حقيقي للمرشد في جهود إخراج إيران من دائرة الأخطار التي تحيط بها. وتسمح في المقابل للمرشد بأن يلوح ببدائل أكثر حرصاً على إيران في حال حاول الآخرون الذي يعتبرون أنفسهم أصحاب النظام والمدافعين عنه، الاستئثار واتباع سياسة الإقصاء والاستفراد بالمشهد والقرار، وأوهام محاصرة المرشد وإضعافه.
