..وارد بدر السالم.. ضفة ثالثة
جاءت تسمية “المكتبة الجهنمية”(*) للكاتب دانيال كالدر، كما يجب أن تُسمّى رمزًا ووضوحًا لِما يكتبه دكتاتوريو العالَم ورؤساؤه على مرّ الحقب السياسية المتناوبة. فالغرابة أن يكون هذا رئيسًا وكاتبًا أيضًا، وفي الوقت ذاته قاتلًا وعميلًا وطاغية لا يرحم.
تحتاج مثل تلك المزدوجات النفسية إلى عقل مزدوج أيضًا؛ لكي يفهم الكثير من أساليب الدكتاتوريين والطغاة، لهذا أخذ مؤلف كتاب “المكتبة الجهنمية” على عاتقه أن يتابع شخصيات الرؤساء الذين كتبوا روايات ودراساتٍ وخطبًا وقصصًا، واهتموا بجماليات اللغة الأدبية، كأول كتاب يقترب من أنفاس أولئك الرؤساء والقياديين العالميين عبر الكلمة ذات المعطى الأدبي، ويبدد الكثير من أوهام الكتابة لديهم في مباحثه الطويلة، وعدّ كتبهم من أسوأ الكتب في العالَم التي تمت كتابتها على الإطلاق. وكان البحث فيها “مؤلمًا بشكل لا يُطاق” كما عدّها كتبًا “غير مقروءة اليوم تمامًا”، ويخلص المؤلف إلى أن ما قام به “لم يقم به أحد. رأيت الجبل. وتسلّقت الجبل. وفي الوقت الذي صرت فيه في منتصف الطريق تقريبًا، كان الوقت قد تأخر جدًا للعودة إلى أسفل”.
هي خلاصة في مطلع الكتاب، لكننا نعتقدها إشارة تبريرية غير ملزمة كليًا، فالانحياز ليس نقدًا يُعتدّ به، وكثير من النتائج تضيع في مثل هذا الجو، وهو ما يؤخذ على المؤلف من أنه جعل من الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية أمثلة على الديكتاتورية من دون الغرب الصاخب بطغاته واستبدادييه.
لا شك في أن المؤلف دانيال كالدر صرف وقتًا طويلًا في مراجعات صعبة لأجواء ومجتمعات قادة معروفين أمثال لينين وستالين وموسوليني وهتلر وماو وصدام حسين وسالازار وماركس والقذافي وكاسترو. ويمكن إضافة آخرين من السياسيين الطغاة الذين تبنّوا تكريس الفعل السياسي في الأدب، ممن لم يذكرهم دانيال كالدر، باقتفائه آثار المؤلفين الديكتاتوريين لا بصورة محايدة وفاحصة، بل بقصد مسبق هو تحطيم أسطورة الكتابة لدى هؤلاء، عندما وضع خطًا أحمر مسبقًا وافتقد إلى الرؤية الناقدة الحقيقية، كونه انطلق من مبدأ السلطة قبل مبدأ الكتابة. مع أن الكتابة لدى الطغاة وسيلة أخرى من وسائل التضليل للرأي العام، فهي نشاط محسوب وأداة تبرر وجود الطاغية الشمولي، وتربط السلطة بالكلمة الأدبية من دون سواها. ومن خلالها تتم برمجة الوعي وتشكيله على وفق رؤية أشمل في مركزية السلطة المهيمنة على القرارات كلها.
كانت مهمة المؤلف صعبة كثيرًا وهو ينحاز إلى ضدّية بيّنة للطغاة المتشابهين في السلوك السياسي؛ من حيث مراجعة كتبهم الروائية والخطابية والسياسية، من دون النظر الاعتباري؛ قد يكون هذا هامشيًا؛ إلا أن منهم من خرج من معطف الرأسمالية واستقل بسلوكه وخطابه السياسي، وكأنه يشير إلى أن الأدب الجيد لا يُكتب إلا في الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية الرأسمالية، مع كوننا كقرّاء لا ننحاز إلى الكلمة إلا بمقدار ما تؤديه من فعل إيجابي في المجتمعات، وتكون وسيلة من وسائل التضامن الاجتماعي والسياسي.
| مال المؤلف إلى اختيار نماذج سياسية ممن عدّهم طغاة، وهم طغاة فعلًا، لكن ليسوا هم الوحيدين في العالم الذين حكموا حكمًا شموليًا |
يبدو أن المؤلف، الذي هو سائح حر، فرض شروطه التعسفية في القراءة في محاولة لاختبار القارئ عبر “المكتبة الجهنمية” التي يمارس الطغاة فيها الكتابة. وكان على كالدر أن يفهم ويتفهم الجوانب النفسية للديكتاتوريين، ويستقرئ الماضي الاجتماعي لهم، فهو بؤرة التصور المثالي والتحليل العلمي لهم. أما السلطة وحوافرها المسننة التي توضع أمام الشعب فهي الصفيحة الصلبة التي تواجه المعارضة والشعب عمومًا. لذلك؛ على الرغم من إحاطته النسبية بجماعات الديكتاتوريين؛ بقي شيء ما ينقص الكتاب، وأظنه الحيادية في تقديم طغاة الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية، من دون طغاة أوروبا بمسمياتهم، ولكي يكون الكتاب عادلًا في تقديمه لشرذمة الطغاة والاستبداديين، كان على مؤلفه أن يختار من هؤلاء شرقًا وغربًا، أو من يمثلهم هنا وهناك في أقل تقدير، لتكون الصورة أوضح في مخاطبة القارئ السياسي وغير السياسي.
لينين، على سبيل المثال، ترك من الإرث السياسي الشيء الكثير بين الأجيال المتعاقبة في العالم كله، وبالرغم من انفراده في السلطة إلا أنه تمكن من وضع نظرية شيوعية عالمية، غير أن للمؤلف وجهة نظر مسبقة، هي أنه “تم سوق الحبر وإكراهه على أشكال أبجدية مفترضة، مرتبة ومعاد ترتيبها في لغط من اللغات التي كانت… تقود إلى اختلافات من التفاهة المألوفة نفسها…”، ويبدو هذا الإنشاء متحاملًا مسبقًا على شخصية لينين، بالرغم من أن المؤلف أحاط بحياته ودرس، إلى حد ما، طبيعة المجتمع السوفياتي آنذاك. لكنه لم يقدّم رؤية خلاص من الشيوعية، فإن كان يفترض أن الرأسمالية هي البديل المثالي، فلم يكن على صواب تمامًا، ولو قرأ المؤلف كتاب “فن الصفقة” للرئيس الأميركي دونالد ترامب ودرس حيثياته لتردد كثيرًا في أن تكون الرأسمالية هي التي تقود العالم الحر.
ومن الطبيعي أن نكون محايدين في قراءة هذا الكتاب، بالرغم من أن المؤلف لم يكن محايدًا، بل وضع مسطرة حمراء للطغاة الذين حكموا الشعوب بشمولية في مجتمعات ذاقت الأمرّين من سياساتهم وخطبهم النارية التي اخترقت التاريخ البشري وطوّحت بالكثير من مزاياه وأحلامه.
لم يتطرق المؤلف إلى كتب سياسية وأدبية كثيرة لجورج بوش الأب وساركوزي وجيمي كارتر وأوباما وكلينتون (الروائي)، ولم يضع خطوطًا ملونة على آرائهم في السياسة والاقتصاد، هذا يوضّح للقارئ ميل المؤلف إلى اختيار نماذج سياسية ممن عدّهم طغاة، وهم طغاة فعلًا، لكن ليسوا هم الوحيدين في العالم الذين حكموا حكمًا شموليًا.
صحيح أن ستالين أمسك الحكم بقبضة حديدية، وموسوليني ارتكب حماقات كبيرة، والديكتاتور صدام حسين اتجه إلى كتابة الروايات؛ (أخذ المؤلف “زبيبة والملك” لتحليل الرموز فيها)، وكتاب القذافي الأخضر ونظرياته الساذجة وُضعت تحت التشريح غير الناقد، مثلما هو “كفاحي” للديكتاتور أدولف هتلر. وفات المؤلف أن يكون أكثر حبكة في تقديمه للنماذج الكتابية للطغاة بأن يشرح للقارئ لماذا كتابات وكتب الديكتاتوريين ما تزال مطلوبة للقراءة، فهل هناك رابط سري بينها وبين القراءة التي مضت عليها سنوات طويلة؟
قد يكون سبب ذلك في كونها أصبحت ماضيًا وأرشيفًا سياسيًا وأدبيًا لا بدّ للأجيال التالية من أن تطّلع عليه، لتتعرف على ماضيها السياسي. كما حدث منذ أيام الإمبراطورية الرومانية، الذين أوصلوا الكتابة إلى دوائر مغلقة في التدليس والتشويه، لكن الزمن اللاحق أشاع مثل تلك الكتابات في القرون التالية، فظهر الرئيس والطاغية الشاعر والروائي والقصصي والمسرحي والرسام والموسيقي، انتقالًا من مرحلة الكآبة السياسية إلى مرحلة أدبية يُفترض أن يكون فيها الجمال ساطعًا، لكنه سطوع سياسي أخذ من الكلمة واللغة جمالياتها، ونوّع على أهميتها الإنشائية في تقديم الطاغية لنفسه بأنه الكاتب الرئيس أو الرئيس الكاتب.
الملاحَظ بأن معظم الطغاة لم يبدأوا الكتابة قبل تسلم السلطة، بل بعدها. بمعنى أن الكتابة الأدبية تالية أعقبت الوصول إلى السلطة، وهذا يفسر الكيفية التي تحول فيها الرؤساء إلى كتّاب روايات وقصائد، ليبرروا سياساتهم المنحطّة، وهذا هو زيف الكتابات التي أجهضت الحياة بالكثير من الإشكالات الاجتماعية. وكأن الوصول إلى السلطة يمر عبر القتل أولًا… ثم القراءة… ثم التأليف…!
(*) المكتبة الجهنمية في أدبيات الديكتاتورية، دانيال كالدر، ترجمة: مأمون الزائدي- دار نينوى- دمشق 2021.