ملخص
وإذ اختفى تقليد قضاء سكان المدينة عطلتهم لدى أقاربهم في الريف دخل المجتمع في مرحلة من البحث من طريق آخر لتصريف أيام العطلة، يمكننا القول إنه وحتى الآن لم يجد المجتمع الجزائري بديلاً عن عطلة الأقارب في الريف، فالجزائري بصورة عامة لا يملك ثقافة برمجة عطلته، ولا يفكر في تحضير موازنة خاصة بالعطلة، بالتالي تبدو أيام عطلة الصيف مميزة بحال من القلق الاجتماعي.
يبدو أن هارون الرشيد حين أهدى الساعة الشهيرة إلى شارلمان، كما ورد في بعض المرويات، لم يكن يتصور أن العرب والمسلمين سيمنحون آلة لترتيب وتنظيم الوقت للآخر وسيظلون هم مرتبطين في ضبط مواعيدهم على رؤية الهلال وقراءة حركة السحاب
كل مواعيد العرب والمسلمين في بلدان الجنوب غير دقيقة، الصرامة الوحيدة الموجودة في علاقتنا مع الوقت هي الانضباط في مواعيد ومواقيت الصلاة وساعة الإفطار والإمساك في رمضان، أما ما بقي من وقتنا على مدار العام فهو زمن همجي، مفتوح وبلا ضفاف.
وفي ظل هذا السلوك وهذه الثقافة الفوضوية في تصريف الوقت وتنظيمه وعيشه، تبدو فصول العام كأيام الأسبوع، كساعات اليوم، متشابهة، تتوالى بفوضى وبكسل. وفي هذا المجتمع الذي لا يحترم الوقت يفقد العمل قيمته وتفقد العطلة معناها أيضاً، ويختلط الجد بالكسل، بل يتصالحان.
المجتمعات المتقدمة الحضارية هي التي يدرك أبناؤها ومواطنوها معنى العطلة، ويحضرون لها ويعدون لها العدة، وحين يغيب مفهوم احترام العطلة فاعلم أن مفهوم العمل غائب وغير محترم أيضاً، فتبدو الحدود ما بين العمل والعطلة مرفوعة وغير موجودة. كلما احتفى المواطن بالعطلة بصورة كبيرة فاعلم أن هذا الأخير يقدر عمله أحسن تقدير، وكلما كان غير منتبه لها، بل مرات، تتحول لديه إلى كتلة زمنية ثقيلة.
العطلة غائبة عن ثقافة الجزائري
لا يملك الجزائري، شأنه في ذلك شأن مواطني المجتمع المغاربي برمته، تصوراً خاصاً لمفهوم العطلة ولا يتميز سلوكه في العطلة بخصوصية تجعله مختلفاً عن باقي أيام العمل، وهذا الواقع السيكولوجي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي يدل على قلق حضاري في علاقته بالزمن وبالوجود، وعلى خلل في منظومة الإنتاج وارتباك في فلسفة العمل.
حين نتكلم عن عطلة الصيف فإننا نثير وبصورة مباشرة مسألة غياب “ثقافة الصيف” كفصل مميز، وفي هذا الضياع يبدو المواطن كمن يصرف أيامه يوماً بعد يوم بين القيظ والمكيف والمقاهي ومخدرات وسائل التواصل الاجتماعي، ويتكرس هذا الضياع لأن الدولة بمؤسساتها الثقافية والفنية والسياحية لا تقدم برامج خاصة بهذا الفصل، للمقيمين وللوافدين من المواطنين.
تميزت حياة المجتمع الجزائري في الستينيات وحتى مطلع الثمانينيات بإيقاع خاص لقضاء العطلة، لقد كانت العائلة الجزائرية عائلة متعددة الأفراد وكان الواقع المادي بسيطاً إلى فقير. ومع ذلك، عرفت ظاهرة سوسيولوجية ميزتها في علاقتها بعطلة الصيف خصوصاً، باعتبارها أطول عطلة من حيث الأيام، وهذا لارتباط الأسر بتوقيت المدرسة.
في هذه الفترة كان للعطلة معنى وحيد تقريباً يتمثل في الزيارة التي تقوم بها أسر المدينة لقضاء بضعة أيام أو أسابيع لدى أقاربهم في الريف، وهي ظاهرة تكاد تكون شاملة.
في المقابل، نادراً ما كان أهل الريف يذهبون لزيارة بعض من استقر في المدينة من أقاربهم وقضاء بعض أيام في ضيافتهم. وكان هذا الأمر يبدو طبيعياً بل وواجباً. حتى إن انتظار الأسر الريفية لأقاربهم من المدينة وترقب مجيئهم كان متوقعاً منذ بداية العطلة المدرسية الصيفية. لم يكن هناك هاتف في الريف، وكان حلول أهل المدينة لقضاء عطلتهم في الريف لا يفاجئ مهما كان توقيت وصولهم، ونزولهم المباغت على الديار من دون سابق إعلام لم يكن ثقيلاً ولا منفراً، وعلى رغم قلة الحال وشح الإمكانات المادية كانت الفرحة باستقبالهم كبيرة وكأن ذلك واجب اجتماعي وأخلاقي مشروط، فتتحول بعض منازل العائلات الريفية على بساطتها بل وفقرها إلى مرافق لاستقبال سياحي من نوع خاص.
وكان حضور الأقارب من المدينة في الفضاء الريفي يسمح لهم بحضور الأعراس وحفلات الختان والمشاركة فيها، والاحتفال أيضاً ببعض الوعدات الدينية التي تُقام حول أضرحة بعض الأولياء الصالحين، وكان هذا التلاحم هو استمرارية في علاقة المدينة بالريف، مما جعل المدينة فضاء مريفاً على مستوى المخيال والسلوك أيضاً، وحتى اليوم لم تتمكن المدينة من التحرر من قبضة عقلية الريف، ومع اقتراب الدخول المدرسي يجمع أهل المدينة أغراضهم ويغادرون أهاليهم في الريف، ورحيلهم هذا كان يثير بعض الحزن في قلوب مستقبليهم على رغم ما يكلفهم ذلك خلال أسابيع.
كان هذا شكل العطلة الطاغي لدى كثير من الأسر التي استقرت في المدينة، وقد درجت على هذا التقليد السنوي لمدة نصف قرن تقريباً.
وكان الريف أيضاً حيزاً لقضاء العطلة بالنسبة إلى فئة اجتماعية أخرى وبطريقة مستمرة ومتواترة وهي فئة العمال المهاجرين في فرنسا خصوصاً، إذ يُستقبل هؤلاء العمال الذين كانوا يفضلون أخذ عطلتهم في الصيف والعودة إلى أريافهم، وكان هذا الحضور يثير الفرحة لدى الأسر الريفية المستقبلة أبناءها، فالعامل القادم من المهجر يحمل كثيراً من الحكايات عن يومياته هناك بما فيها من بؤس يتحول في الخطاب إلى فتح وتباهٍ مقارنة مع ما يعيشه المواطن في الريف، وهذه الحكايات تفتح شهية الأحلام لدى الريفيين من الشباب في انتظار حظهم للهجرة هم أيضاً، والعودة إلى هذا الريف لرواية حكاياتهم، ويعود المهاجرون على إحضار بعض الهدايا البسيطة للأقارب والأحباب في الريف، قميص أبيض، وحذاء من بلاستيك، ومنديل من حرير صناعي، وقطعة قماش لأم أو عروس أو خالة أو عمة، وقطعة حلوى، وقنينة عطر رخيصة، ولعبة دمية بلاستيكية… كل هذه الأشياء كانت تخلق جواً جديداً في الريف وتمنح العطلة بهاء.
اليوم، وقد تنظم العمل أكثر وتعددت وسائل النقل ومعها وسائل الاتصال والتواصل، واختلفت عادات الأكل والشرب وتعولمت متطلبات الحياة، توقفت تلك الزيارات نهائياً أو تكاد، ومعها تغيرت ثقافة الصيف بالنسبة إلى الريفيين كما لأقاربهم من سكان المدينة، فلا من يسكن المدينة أصبح قادراً على الذهاب إلى القرية في عطلة داخلية، وهذا نتيجة تفكك العائلة وفقدان القرار المركزي فيها، وما عادت الريفية قادرة على استضافة أسرة كاملة من أقاربها القادمين من المدينة لقضاء مدة قد تفوق الشهر، لأن هذه الإقامة ستكلفه كثيراً من الكهرباء إلى الغاز إلى الإنترنت إلى حليب الأكياس إلى الماء إلى خبز الخباز… وما عدنا نشاهد تلك الطبقة العاملة تعود إلى أقاربها في الريف، كل ما هو موجود الآن هو عودة هذه العائلات وتأجيرها شققاً في المدينة أو على الشواطئ.
وإذ اختفى تقليد قضاء سكان المدينة عطلتهم لدى أقاربهم في الريف دخل المجتمع في مرحلة من البحث من طريق آخر لتصريف أيام العطلة، يمكننا القول إنه وحتى الآن لم يجد المجتمع الجزائري بديلاً عن عطلة الأقارب في الريف، فالجزائري بصورة عامة لا يملك ثقافة برمجة عطلته، ولا يفكر في تحضير موازنة خاصة بالعطلة، بالتالي تبدو أيام عطلة الصيف مميزة بحال من القلق الاجتماعي.
في انتظار تكريس تقاليد جديدة لثقافة العطلة، أصبح الجزائري يقضي عطلته في وسائل التواصل الاجتماعي، يفتح عينيه ويغلقهما على الشاشة، وأما العالم الإنساني الحي من حوله فقد اختفى أو يكاد.
