
لويجي مانجيوني (يمين)، المتهم بقتل الرئيس التنفيذي لشركة يونايتد هيلث كير، برايان طومسون، يمثل أمام محكمة مانهاتن الجنائية في نيويورك في 17 يونيو 2026 (أ ف ب)
المنطقة الرمادية الأكثر إثارة للجدل، تظهر عندما لا يكون الخلل في الكذب الصريح، بل في استخدام مهارات قانونية قوية لتوجيه تفسير الأدلة بصورة تخدم موكلاً يعلم المحامي إدانته أخلاقياً، وهنا ينقسم الفقه القانوني، فهناك من يرى أن هذا جزء مشروع من “الخصومة العادلة”، بينما يرى آخرون أنه يقترب من تآكل الحدود الأخلاقية للمهنة.
منذ أشهر عدة وقضية جيفري إبستين تحتل مكانة بارزة في واجهة الاهتمام الإعلامي العالمي، مع كل تطور جديد أو كشف جزئي يتعلق بشبكة علاقاته، واتهامات الاستغلال والاتجار بالبشر التي طاردته حتى بعد وفاته، وبينما تتناقل وسائل الإعلام تفاصيل التحقيقات والشهادات، يظل الرأي العام مشدوداً إلى فكرة واحدة وهي أن هذه واحدة من أكثر القضايا إثارة للغضب الأخلاقي في العصر الحديث.
ومع كل نقاش جديد حول المتورطين أو المرتبطين بالقضية، يظهر أيضاً جدل قديم يتجدد بصيغة مختلفة وهو دور المحامين الذين يمثلون المتهمين أو المدعى عليهم في مثل هذه القضايا الثقيلة، فبدلاً من أن ينحصر النقاش في الأدلة أو الإجراءات، يتحول أحياناً إلى اتهام غير مباشر للمحامي نفسه، وكأنه شريك في الفعل لمجرد أنه يؤدي دور الدفاع القانوني.
وهنا يتكرر السؤال الذي يطفو كلما اصطدمت العدالة بالغضب العام: كيف يمكن لشخص محترف ومتعلم أن يسخّر خبرته للدفاع عن أشخاص يُنظر إليهم باعتبارهم في قلب الجريمة؟ وهل المشكلة حقاً في المحامي الذي يؤدي وظيفته داخل نظام قانوني قائم؟ أم في الطريقة التي نتخيل بها العدالة أصلاً عندما نراها من خارج قاعة المحكمة؟
لماذا تبدو المحاماة غير أخلاقية أحياناً؟
تبدو المحاماة في نظر كثيرين مساحة رمادية بين القانون والأخلاق، حيث يتقدم الانطباع الشعبي أحياناً على الفهم القانوني، فالمحامي في المخيلة العامة ليس مجرد ممثل قانوني، بل شخص يبحث عن ثغرة أو ينقذ المجرمين من العقاب، وهو تصور تغذيه لحظات إعلامية ساخنة، عند صدور أحكام مخففة في قضايا صادمة.
لكن هذا الشعور لا ينفصل عن اختلاف جوهري في تعريف العدالة نفسه، فالضحايا أو الرأي العام يميلون إلى عدالة تقوم على المعنى الأخلاقي المباشر، وهي أن الفعل الخطأ يجب أن يقابله عقاب واضح ومتناسب، وفي المقابل يقوم القانون على عدالة إجرائية، تركز على صحة الإجراءات وكفاية الأدلة وشرعية طريقة جمعها، حتى لو تعارضت النتائج أحياناً مع الشعور الأخلاقي العام.
وقد أسهمت قضايا بارزة في تعزيز هذا التوتر، ففي الولايات المتحدة مثلاً أثارت قضايا مثل “محاكمة أو جيه سيمبسون” في التسعينيات، ثم قضايا حديثة تتعلق بالاعتداءات الجنسية أو الجرائم المنظمة، جدلاً واسعاً بعد تبرئة أو تخفيف أحكام، عدت غير منطقية من منظور الشارع، على رغم أن المحكمة استندت إلى معايير الإثبات التي يصعب تجاوزها قانونياً، وفي أجزاء مختلفة من العالم، تتكرر حالات مشابهة في قضايا العنف أو المخدرات، إذ ينظر إلى اختلاف الحكم عن التوقعات العامة كخلل أخلاقي، لا كتطبيق لقواعد الإثبات، ومن هنا ينشأ الشعور الفطري المقلق، وهو أن من يدافع عن متهم شديد الإدانة لا يبدو محايداً تماماً، بل وكأنه يقف إلى جانبه، حتى لو كان دوره في الواقع محصوراً في اختبار الأدلة، وضمان عدم انهيار ميزان العدالة، تحت ضغط الغضب العام.
كيف نشأت فكرة الدفاع عن المتهم أصلاً؟
تعود فكرة وجود محام يدافع عن المتهم لتحول طويل في بنية العدالة نفسها، من منطق الثأر المباشر إلى منطق الدولة القانونية، ففي المجتمعات القديمة، مثل القوانين البابلية أو حتى بدايات القانون الروماني، كانت العدالة في كثير من الأحيان تقوم على الانتقام أو العقوبة المباشرة، من دون وجود ضمانات إجرائية حقيقية للمتهم، ومع تطور الدولة الحديثة بدأت تظهر الحاجة إلى “وسيط قانوني”، يوازن بين سلطة الدولة وحقوق الفرد.
في القانون الروماني المتأخر بدأت ملامح الدفاع القانوني تتبلور، لكن التحول الحقيقي جاء مع تطور الأنظمة الـ “أنغلو-سكسونية” في أوروبا، حيث أصبح مبدأ “الخصومة العادلة” (Adversarial System) أساساً للمحاكمة، أي أنه يجري الكشف عن الحقيقة من خلال مواجهة منظمة بين الادعاء والدفاع، لا من خلال سلطة واحدة مطلقة، ولم يكن هذا التحول شكلياً بل ارتبط بفكرة مركزية أصبحت لاحقاً من ركائز القانون الحديث، وهي “قرينة البراءة”، أي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته.
ومع تطور هذا المبدأ ترسخ حق الدفاع كحق أساس في معظم الدساتير الحديثة، فمثلاً نص “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” الصادر عام 1948 في المادة الـ(11) على أن “لكل شخص متهم بجريمة الحق في أن يُعد بريئاً حتى تثبت إدانته قانوناً، وأن يتمتع بكل الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه”، وكذلك يؤكد “الاتفاق الأوروبي لحقوق الإنسان” في المادة السادسة على الحق في محاكمة عادلة، بما في ذلك الحق في الدفاع القانوني.
وتُظهر دراسات العدالة الجنائية الحديثة، بخاصة في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، أن وجود تمثيل قانوني فعّال يقلل بصورة كبيرة احتمالات الإدانة الخاطئة، ويشير تقرير لـ”السجل الوطني لتبرئة المظلومين” في الولايات المتحدة إلى أن نسبة كبيرة من حالات الإدانة الخاطئة، ارتبطت بضعف التمثيل القانوني أو غيابه، كأحد العوامل المتكررة في قضايا انتهت بإدانات ثبت لاحقاً خطؤها، بما في ذلك حالات سُجن فيها أشخاص لعقود، قبل ظهور أدلة الحمض النووي التي نقضت الأحكام، وهو ما دفع أنظمة العدالة إلى تعزيز حق المتهم في محام حتى في أخطر القضايا.
ولذلك لم يكن وجود المحامي ترفاً أخلاقياً أو خياراً ثانوياً، بل نتيجة مباشرة لفكرة جوهرية وهي أن الدولة حين تملك سلطة العقاب، فلا بد من أن تقابلها سلطة دفاع، تمنع انزلاق العدالة إلى اليقين السريع أو الإدانة غير المتوازنة.
هل يدافع المحامي عن الجريمة أم عن الحقوق؟
يمثل هذا السؤال نقطة التحول الحقيقية لفهم وظيفة المحاماة داخل النظام الجنائي الحديث، وهو سؤال لم يحسم حتى في الأدبيات القانونية نفسها، بل ظل محوراً لنقاش فلسفي وقانوني ممتد، فعمل المحامي في جوهره لا يقوم على تبرير الفعل المنسوب إلى المتهم، بل على اختبار سلامة الإجراءات والأدلة، وهذا التمييز بين “الفعل” و”الإجراء” هو حجر الأساس في العدالة الجنائية الحديثة، فالقانون لا يفترض أن يجري كشف الحقيقة من خلال الشعور الأخلاقي العام، بل من خلال إجراءات صارمة، تضمن أن أية إدانة تقوم على دليل صحيح، غير مشوب بالخطأ أو الانتهاك، ولهذا تُبنى الأنظمة القضائية في الدول الديمقراطية على مبدأ “المحاكمة العادلة”، بوصفه ضمانة دستورية لا مجرد قيمة أخلاقية.
وتظهر أبحاث في علم العدالة الجنائية أن جزءاً كبيراً من الأخطاء القضائية يرتبط بضعف اختبار الأدلة داخل المحاكم، إذ يشير تقرير “السجل الوطني لتبرئة المظلومين”، والذي يغطي آلاف حالات البراءة المثبتة داخل الولايات المتحدة، إلى أن أسباب الإدانة الخاطئة تتكرر في أنماط واضحة، أبرزها سوء التمثيل القانوني، والأدلة الخاطئة أو المضللة، وضعف الفحص المتقاطع للشهادات، وهذه العناصر تحديداً هي المجال الذي يعمل فيه المحامي، لا كمدافع عن الفعل، بل كـ “مُختبِر للادعاء” أمام المحكمة.
ومن منظور علمي أوسع أظهرت دراسة منشورة في مجلة “إيكونوميكا”، حول إدخال حق الدفاع في محاكم لندن خلال القرن الـ19، أن وجود محام للدفاع لم يؤد فقط إلى تغيير شكل المرافعات، بل إلى زيادة دقة عرض الأدلة نفسها، إذ أصبح الادعاء أكثر التزاماً بالتفاصيل، عندما صار معرضاً للاعتراض والتحليل أمام دفاع مهني، وهو ما يعكس فكرة أساسية في نظرية العدالة، وهي أن وجود طرف دفاع قوي لا يخدم المتهم فقط، بل يرفع جودة النظام القضائي ككل.
ويؤكد الفقيه القانوني كين رواتش، في دراسته حول الإدانة الخاطئة، أن الخصومة العادلة ليست مجرد توازن شكلي، بل آلية ضرورية لكشف الانحيازات الإدراكية لدى جهات التحقيق والادعاء، والتي قد تقود إلى “تضييق الرؤية” أو ما يعرف بـ(tunnel vision) داخل التحقيقات الجنائية.
الاعتراض الأخلاقي الحقيقي
يظهر الاعتراض الأخلاقي على دور المحامي في أكثر صوره إلحاحاً عندما ننتقل من النقاش النظري إلى الحال القصوى، وهي ماذا لو كان المحامي يعلم يقيناً أن موكله مذنب؟ وهنا لا يعود السؤال قانونياً فقط، بل يتحول إلى إشكال فلسفي حول حدود المسؤولية الأخلاقية، داخل نظام يقوم أساساً على التمثيل لا على الحكم.
في الفلسفة الأخلاقية المهنية يميز كثير من الباحثين بين “المسؤولية عن الفعل” و”المسؤولية عن الدور”، فوفق هذا التصور لا يحاسَب الفرد دائماً على النتيجة النهائية، إذا كان يؤدي دوراً مؤسسياً يخضع لقواعد محددة، وهذا ما يناقشه الفيلسوف صامويل شيفلر في أعماله حول “الأدوار الأخلاقية”، إذ يوضح أن المؤسسات قد تنشئ التزامات جزئية، لا تعكس القناعة الأخلاقية الكاملة للفرد، بل وظيفة محددة داخل نظام أكبر.
ولكن هذا لا ينهي الجدل بل يعمّقه، وتشير دراسة منشورة في “مراجعة هارفارد للقانون” إلى أن أحد أكثر مصادر التوتر داخل مهنة المحاماة هو ما يعرف بـ “ازدواجية الولاء الأخلاقي”، أي التزام المحامي تجاه موكله من جهة، والتزامه تجاه سير العدالة من جهة أخرى، بخاصة عندما تتعارض المعرفة الشخصية بالذنب مع واجب التمثيل القانوني، وتزداد حساسية هذا التوتر عندما نميز بين “الدفاع المشروع” و”تضليل المحكمة”، فالأخلاقيات المهنية للمحاماة، كما تنص عليها قواعد “نقابة المحامين الأميركية”، تمنع المحامي من تقديم أدلة أو تصريحات يعلم كذبها، لكنها في الوقت نفسه تلزمه ببذل أفضل جهد ممكن لمصلحة موكله، ضمن حدود القانون، وهذا التوازن الدقيق هو ما يجعل المهنة تعتمد على مفهوم “التمثيل داخل حدود الحقيقة الإجرائية”، لا إعادة صياغة الحقيقة الأخلاقية.
تظهر أبحاث في علم النفس القانوني، مثل دراسات دان سايمون في كتابه “في الشك: سيكولوجية عملية العدالة الجنائية”، أن المحامين والقضاة يعملون داخل ما يسمى بـ “إطار إدراكي محدود”، إذ يمكن للالتزام بالدور أن يعيد تشكيل طريقة تقييم الأدلة نفسها، مما يخلق فجوة بين المعرفة الشخصية والحكم المهني، أما المنطقة الرمادية الأكثر إثارة للجدل، فتظهر عندما لا يكون الخلل في الكذب الصريح، بل في استخدام مهارات قانونية قوية، لتوجيه تفسير الأدلة بصورة تخدم موكلاً يعلم المحامي إدانته أخلاقياً، وهنا ينقسم الفقه القانوني، فهناك من يرى أن هذا جزء مشروع من “الخصومة العادلة”، بينما يرى آخرون أنه يقترب من تآكل الحدود الأخلاقية للمهنة.
وهكذا لا يدور الاعتراض الأخلاقي حول سؤال بسيط مثل: هل المحامي مذنب أخلاقياً؟ بل حول سؤال أعمق وأكثر إرباكاً: هل يمكن لمهنة قانونية أن تفصل بالكامل بين المعرفة الأخلاقية الفردية والواجب المهني، من دون أن تفقد معناها الأخلاقي في نظر المجتمع؟
ماذا لو اختفى هؤلاء المحامون؟
لو تخيلنا نظاماً قضائياً بلا محامين يتولون الدفاع عن المتهمين الأكثر إثارة للغضب الشعبي، فسنكون عملياً أمام محكمة لا توازن فيها بين طرفين، بل أمام جهة واحدة تجمع بين الادعاء والحكم معاً، وفي هذا السيناريو تتحول الدولة من “حَكَم محايد” إلى “طرف خصم”، يمتلك السلطة الكاملة على تحديد التهمة وتثبيتها وإصدار العقوبة، من دون وجود صوت مهني مستقل يختبر روايتها، وليس هذا التصور افتراضياً تماماً، بل يقترب مما أظهرته تجارب تاريخية من اختلالات خطرة عندما ضعفت ضمانات الدفاع، ففي بعض محاكمات التطهير السياسية خلال القرن الـ20، أظهرت أبحاث قانونية مقارنة أن غياب الدفاع الفعال أو تقييده كان مرتبطاً مباشرة بارتفاع معدلات الإدانة السريعة، حين تصبح رواية الادعاء هي الوحيدة المتاحة فعلياً أمام المحكمة.
المعضلة الفلسفية الأوسع
هل يُطلب من الفرد أن يطابق سلوكه المهني قناعاته الأخلاقية الشخصية؟ أم أن بعض الأدوار داخل المؤسسات تُبنى أساساً على الفصل بين الشعور الفردي والوظيفة العامة؟ وهذا التوتر بين “الأخلاق الفردية” و”أخلاق المؤسسات” يناقشه الفيلسوف مايكل والزر في حديثه عن “التقسيم الأخلاقي للعمل”، إذ يوضح أن استقرار المؤسسات الحديثة يعتمد على توزيع الأدوار، ليؤدي كل فرد وظيفة قد لا تعبّر بالضرورة عن قناعاته الشخصية، لكنها تخدم غاية جماعية أكبر.
وتدعم هذا التصور أمثلة مهنية عدة، فوفق تقارير أخلاقيات الطب الصادرة عن “الجمعية الطبية العالمية”، يُلزَم الأطباء بعلاج جميع المرضى من دون تمييز، بما في ذلك من ارتكبوا جرائم خطرة، وهو ما يجعل الدور الطبي منفصلاً عن الحكم الأخلاقي على الشخص، وبالمثل تعمل غرف الأخبار وفق مواثيق تحريرية، تفرض على الصحافي إتاحة حق الرد حتى لمنبوذين أو متهمين، لأن وظيفة الإعلام ليست إصدار الأحكام، بل عرض الوقائع، وأما القضاة فهم ملزمون بتطبيق القانون، حتى في الحالات التي تتعارض مع قناعاتهم الشخصية، حفاظاً على مبدأ سيادة القانون لا سيادة الرأي.
وفي هذا السياق يصبح دور المحامي امتداداً لهذا المنطق المؤسسي، فهو ليس تبنياً أخلاقياً لفعل المتهم، بل هو التزام ببنية العدالة ذاتها، والتي تفترض أن الحقيقة لا تُمنح بل تُختبر داخل خصومة منظمة، ولهذا تشير أبحاث العدالة الجنائية الحديثة إلى أن قوة النظام لا تقاس فقط بقدرته على إدانة المذنبين، بل أيضاً بقدرته على حماية الأبرياء، حتى داخل أكثر القضايا إثارة للغضب، وربما ليست المشكلة في أن المحامي يدافع عن المذنب، بل في أننا نحتاج إلى شخص يفعل ذلك، كي نطمئن أننا لن نُدان عندما نكون نحن المتهمين.