
قبل هذه الحرب، لم تتعرض إيران مباشرة لأي هجوم في العمق. كانت تتصرف كقوة إمبريالية صاعدة، تحارب حصراً بأذرعها المستأجرة. تماما كما تفعل أميركا حين تحارب بمن تستأجرهم من قوىً محليّة في حروبها المتعددة. قبل هذه الحرب، كانت الأطراف (جنوب لبنان، غزة، اليمن) هي المصدّ الحامي الذي يتحمل الخسائر الفادحة نيابة عن المركز في طهران.
اليوم، وبعد انتهاء الحرب، تبدلت الجغرافيا الأمنية بالكامل. لقد تراجعت إيران درجات كثيرة عما كانت عليه، وأصبحت هي نفسها أمام باب الخطر المباشر. الخسائر كانت فادحة في المركز وفي الأطراف معاً، وأي خلل مقبل في هذا الاتفاق سيعني دماراً في طهران وأصفهان وليس في ضواحي بيروت أو صنعاء فقط. لقد فقدت الأذرع وظيفتها التمويهية الأساسية، وباتت إيران دولة لها وزنها الإقليمي حتماً، لكنها لم تعد تستطيع الادعاء بأنها القوة الكونية الكفيلة بهزيمة أميركا.
انتحار السردية الأيديولوجية وانكشاف وهم التدمير
أسست إيران خطابها الدعائي والتحشيدي طوال عقود على ثنائية “الشيطان الأكبر والشيطان الأصغر”. واليوم، يضعها الاتفاق مع واشنطن في مأزق وجودي يمنعها من تثمير هذا الخطاب. فما الذي ستقوله لجمهورها بعد الآن؟ هل ستقول: نحن متفقون مع أميركا وممتثلون لشروطها، لكنها عدونا الذي نريد تدميره؟
هذا الانفصام الأيديولوجي يتزامن مع نقطة تفوق هائلة حققتها إسرائيل فيزيائياً وتكنولوجياً. الخطاب البلاغي الذي سبق الحرب، الذي قاده حسن نصرالله في خطاباته المليئة بالأوهام، كان يدعي أن إيران أو حتى حزب الله بمفرده قادر على تدمير إسرائيل في بضعة دقائق. اليوم، وضعت الحرب أوزارها ليدرك الجميع أن الأقدر على التدمير الشامل والساحق هو إسرائيل، في حين أن إيران وأذرعها قادرون فقط على التخريب، والإعاقة، والصبر. والصبر تحديداً هو الصفة الوحيدة التي تبنى عليها سردية انتصارهم. إذ لم يعد خافياً على أحد أنهم عاجزون تماماً عن تحقيق أي انتصار استراتيجي.
استخدام إسرائيل وسقوط أسطورة السيطرة على واشنطن
في هذه الحرب، استخدمت أميركا إسرائيل تماماً كما كانت إيران تستخدم حزب الله. لقد شاركت إسرائيل في الحرب بجهد عسكري هائل، لكنها أُقصيت تماماً عن المفاوضات والاتفاقات النهائية. هذا لا يعني أن إسرائيل لم تعد دولة ذات وزن راجح في المنطقة، لكنها بدت بعد هذه الحرب وخلاله أقل كثيراً مما تدعيه لنفسها، أو حتى تطمح لتكون عليه. لم تشارك في المفاوضات، وفُرضت عليها نتائجها النهائية ببرود تكنوقراطي من واشنطن. هذا الأمر يكتسب عمقاً سوسيولوجياً كبيراً عندما نرى أن المفاوضات الحالية شهدت مشاركة مباشرة وغير مباشرة من قوىً شرق أوسطية وإقليمية كالسعودية، وتركيا، وقطر، وباكستان.
هذا المشهد يوجه الضربة القاضية للسردية الدائمة التي كانت تدعي أن إسرائيل هي من يحكم أميركا، وأن واشنطن لا تستطيع الخروج عن طوع تل أبيب. وهي الأسطورة التي تهاوت صراحة مع تصريحات صقور الإدارة الأميركية الجديدة (فانس مثالاً لا حصراً) بخصوص ترويض الدور الإسرائيلي وجعله وظيفياً بحتاً يخدم المصالح الحيوية الكبرى وسلاسل التوريد.
السلاح كديكور متحفي ووظيفته الداخلية
انتهى حزب الله (ومعه حماس) من هذه الكارثة وهو يعاني من عجز نفسي وبنيوي كامل عن محاربة إسرائيل. لم يعد الاعتداء أو المشاغبة على الحدود أمراً ممكناً بالنسبة له. لأنه اختبر بنفسه حجم الخسارات الباهظة والتحلل الذي مني به. بناء على هذه الحقيقة الفيزيائية، يصبح تمسك الحزب بسلاحه مجرد تمسك “شكلي” وصوري.
وعليه، لا يحق لأي كان أن يمنع اللبنانيين من الاشتباه، غريزياً وثقافياً وسياسياً، بهذا السلاح. فإذا كانت هذه الترسانة غير قادرة على مواجهة إسرائيل، فهذا يعني حتماً أن وظيفتها الحقيقية هي وظيفة داخلية. والأرجح أن المكونات اللبنانية ستعترض بشدة على بقاء السلاح، ولن تقبل بأقل من تعطيل وظيفته الداخلية بالكامل، وتحويله إلى مجرد “ديكور متحفي” يملأ فراغاً خطابياً ويفتقد إلى أي فاعلية.
العقد الاجتماعي الجديد ومعضلة “الإعالة العاطفية”
ما يتم تسريبه من معلومات حول تسليم السلاح التدريجي على مدى ثلاث سنوات، وانخراط مقاتلي الحزب في القوى الأمنية الرسمية، يطرح على كاهل المجتمع اللبناني مسألة بالغة التعقيد والخطورة. فإذا كانت وظيفة المكونات والطوائف الأخرى في العقد الاجتماعي أو الميثاق الجديد هي “تمويل” جهاز عسكري وحزبي عاطل عن العمل هو وسلاحه، فهذا يعني تحمل عبء اقتصادي ونفسي يفوق طاقة البلد المنهك لمجرد تجنب الانفجار الأهلي.
كيف يمكن لمجتمع أن يقبل، بمنطق العدالة، أن يعود حزب هيمن على البلد لعقود، ولم يفعل سوى تدمير مقومات صموده (اقتصاداً، واجتماعاً، وحضوراً دولياً، وأخيراً تدميراً بنيوياً شاملاً في الحرب)، ليعيش كعالة مادية على جهد وإنتاجية المكونات الأخرى التي يجدر بها أن تغسل طين الحرب؟
هذه المعضلة اللبنانية تنسحب تماماً على النفوذ الإيراني في المنطقة. فمن دون تغيير جذري وبنيوي في السلوك الإيراني، سيبقى التعامل الإقليمي والدولي مع طهران محكوماً بوصفها “عالة كبرى” على جيرانها والعالم. يدعمونها ويمولون بقاءها المالي والسياسي ليس حباً بها، بل لأن كلفة انفجارها الداخلي وفوضاها أكبر بكثير من كلفة إعالتها وصيانتها بالبطاقة الشهرية.
الفصاحة المنتصرة فوق الأشلاء
مع كل ما تقدم، لن يخفت خطاب الانتصار ولن يتراجع المحاربون عن مديح أنفسهم. ففي الأزمنة التي يفقد فيها الفاعلون قدرتهم على تغيير الواقع، تصبح اللغة آخر إقليم يعتقدون أنهم ما زالوا يملكونه. والمنتصر الحقيقي لا ينازعهم عليه، لأنه يملك ما هو أهم: القدرة على تشكيل الواقع نفسه.
واليوم، ثمة مفارقة أنثروبولوجية تحكم اللحظة الراهنة: فالمنتصر، الذي يقبض على خيوط الواقع وفيزياء القوة، يترك لك الفضاء كاملاً لتقول ما تشاء، ولتعلن انتصاراتك باللغة التي تروق لك. إنها تماماً الآلية الباردة ذاتها التي تعمل بها الديمقراطية الأميركية: حقك في إبداء الرأي وفي الصراخ محفوظ ومكفول، لكنك لن تستطيع أن تغير شيئاً في المسار الفعلي، لأنك ببساطة لا تملك القدرة على تشكيل قوة ضغط حقيقية أمام أي مسألة طارئة. فقوة الضغط في العالم المعاصر تحتاج إلى عمل دؤوب وتمويل مستمر لعقود حتى تصبح ذات تأثير في صياغة القرارات الكبرى.
في الخلاصة، ووسط غبار الاتفاق الإيراني الأميركي الجديد، الصراع انتقل من صراع على الوقائع إلى صراع على التأويلات. يستطيع الجميع إعلان النصر لأن النصر لم يعد يقاس بالخطاب، بل بالقدرة على تشكيل المجال الذي يتحرك فيه الآخرون. والحال، حين يعجز الفاعل عن التأثير في الواقع يتمسك بالسيادة على الكلمات.
فليعلن من يشاء انتصاره، وليعلن من يشاء هزيمته. بوسع الجميع اليوم أن يكونوا منتصرين “ادعاءً”، وبوسعي أنا أيضا أن أدعي أنني انتصرت. فهذا خطاب بلاغي معزول، لا يوصل إلى شيء ولا يغير من حقيقة الركام شبراً واحداً. لأن السؤال الحقيقي الذي يفرضه الاتفاق ليس “متى نعيد البناء؟” بل: “من هم الجيران الذين سنبني لهم ومعهم، بعد أن مات المكان الذي كان يجعلنا أهلاً؟”.