ثمّة سوء فهم قديم في علاقتنا بالكاتب/ة. نتصوّره إنساناً امتلك حقيقةً ما، ثمّ جلس يوزّعها على الآخرين في هيئة رواية أو قصيدة أو مقالة. الافتراض الضمني هنا أنّ الكتابة تأتي دائماً بعد اكتمال الفهم، وكأنّ صفحات الكتاب هي المحطّة الأخيرة في رحلة المعرفة. لكن ماذا لو كانت الصفحة هي المحطّة الأولى؟
ما الذي قد يدفع إنساناً إلى قضاء سنوات وهو يلاحق فكرةً أو جملةً واحدةً؟ لماذا يعود إلى الفكرة نفسها عشرات المرّات ويعيد صياغتها ويحذف منها أكثر ممّا يكتب، لو كان يعرف جوابها منذ البداية؟ لهذا تبدو الكتابة أقرب إلى تجربة معرفية للكاتب أكثر منها إلى عملية تبشيرية. إنّها الأداة التي اخترعها الإنسان كي يرى ما لم يكن قادراً على رؤيته وهو يفكّر بصمت. ربّما لهذا قالت جوان ديديون إنّها لا تعرف ما الذي تفكّر فيه حتّى تكتبه. ليست الكلمات أوعيةً تُسكب فيها الأفكار بقدر ما هي الوسط الذي تتكوّن فيه، كما كانت تتشكّل الصورة الفوتوغرافية تدريجياً في غرفة التحميض المعتمة.
لم يكتب كافكا ليجد قارئاً يمنحه خبرته الحياتية، بقدر ما كان يبحث عن مخرج من محنة وجودية ومتاهة داخلية وسؤال هُويّة. كانت الكتابة عنده ضرورةً وجوديةً تمنحه فرصةً ليحيا يوماً آخر. ربّما لهذا السبب أشعر بعدم الراحة كلّما سمعت كاتباً يصف نفسه بأنّه حامل رسالة. أصحاب الرسالات يملكون معرفةً واضحةً بالطريق، أمّا الأدب فيبدأ عندما يضيع الطريق. الرواية في تعريفي المرتبك ليست سوى جهاز معرفي اخترعه الإنسان كي يفهم نفسه والعالم من حوله. ولو كانت الحقيقة معروفةً سلفاً، لما احتجنا إلى هذه الكتب كلّها التي ملأت المكتبات، ولما أضاع الروائيون والفلاسفة أعمارهم يعيدون طرح الأسئلة ذاتها بوجوه مختلفة.
أيّ كتاب يخرج هو في حقيقته ندبة هزيمةٍ ما في كاتبه، أكثر منه خطاب انتصار. من هنا، ربّما يمكن فهم ظاهرة تبدو ثقافيةً لكنّها في جوهرها وجودية: وهي ندرة السيرة الذاتية الصادقة في العالم العربي. فالسيرة الحقيقية ليست سجلّاً للأحداث ولا قائمة بالإنجازات، وإنّما هي اعتراف صريح وشجاع بالطريق الذي قاد إلى الكتابة. إنّها اعترافٌ بأنّ الكاتب لم يكن منذ البداية حكيماً، وإنّما هو مجرّد إنسان أربكته الحياة إلى الحدّ الذي اضطر معه إلى اختراع الكتب كي يحتملها. ولعلّ هذا ما قصده مارسيل بروست حين كتب أنّ رحلة الاكتشاف الحقيقية لا تقوم على البحث عن أراضٍ جديدة بقدر ما تقوم على امتلاك عيون جديدة. فالمعرفة ليست إضافة معلومات إلى العقل، وإنّما هي تبديل في طريقة الرؤية، هي الوسيلة التي تتغيّر بها عيناه وهو يكتب. فالكلمات تعيد ترتيب التجربة حتّى يصبح ما كان مبعثراً قابلاً للرؤية. وما يبدو للقارئ فكرةً مكتملةً، لا يكون في الغالب سوى الأثر الأخير لتحوّلات طويلة عاشها الكاتب، ولم يدرك معناها إلا وهو يمنحها شكلاً لغوياً. لذلك كثيراً ما يعود الكاتب إلى نصوصه القديمة فيجد فيها شخصاً آخر لأنّه صار يرى العالم من مكان مختلف. والكتاب الجيّد هو الكتاب الذي يحتفظ بأثر التحوّل الذي أصاب صاحبه، وهو يعبر من سؤال إلى سؤال آخر أكثر من اليقين الذي كتب به.
غير أنّ ثقافتنا كثيراً ما تعامل الكاتب بوصفه صاحب يقين. وكلّ يقين يخشى الاعتراف بالطريق الذي سبقه. لذلك تمتلئ كثير من السير بالأحداث، وتخلو من اللحظة التي وُلد فيها السؤال ووجد الكاتب نفسه في الحيرة أمام سؤال الوجود.
نقرأ أين درس الكاتب وأين سافر وما المناصب التي شغلها، لكنّنا لا نعرف ما الذي كان يوقظه ليلاً، ولا أيّ خسارة دفعته إلى الكتابة، ولا أيّ فكرة ظلّ يطاردها سنواتٍ قبل أن تفلت منه مرّة أخرى. نحن لا نخشى الاعتراف بأخطائنا بقدر ما نخشى الاعتراف بحيرتنا. فالخطأ يمكن أن يُصحّح، أمّا الحيرة فهي اعتراف بأنّ الإنسان لم يكن سيّداً لحياته، وأنّ الكتب التي ألّفها لم تكن دليلاً على امتلاك فهمٍ للعالم، بقدر ما كانت محاولةً للفهم. لهذا حين أقرأ سيرةً صادقةً حقّاً، لا أبحث فيها عن حياة استثنائية، بل عن تلك اللحظة النادرة التي يتوقّف فيها الكاتب عن الدفاع عن صورته، ويبدأ أخيراً برواية محنته. ولعلّ هذا هو السرّ الذي يربط الكتّاب الحقيقيين، مهما اختلفت لغاتهم وأزمانهم. إنّهم يكتبون لأنّهم ما زالوا تائهين في الطريق.
سمر يزبك.. كاتبة سورية… العربي الجديد
