كيف نميز بين المعارضة البناءة والانتهازية السياسية؟

كاتبة صحفية.. جريدة الثورة السورية .دمشق
تقاس حيوية المجتمعات وقدرتها على التطور والنهوض خاصة بعد الثورات والهزات السياسية الكبرى، وكذلك نضجها السياسي والقانوني، بمدى قدرة الحراك السياسي على إنتاج حياة سياسية فاعلة، وذلك عندما ينتج حكومة واعية للعمل السياسي.
كذلك ظهور معارضة سياسية كركيزة أساسية لضبط التوازن في العمل السياسي مهمتها مراقبة أداء السلطة التنفيذية ومنع الاستبداد، حيث تشكل المعارضة الجانب الآخر للحياة السياسية.
ومع ذلك، فإن المشهد السياسي لا يخلو من التداخل والتعقيد، حيث تختلط الأوراق أحياناً بين من يمارس معارضة وطنية هدفها الإصلاح، وتنطلق هذه المعارضة من أرضية وطنية صلبة بهدف الإصلاح لا التخريب، وبين من يتخذ من المعارضة قناعاً للمزايدة أو يتحول بين عشية وضحاها من النقيض إلى النقيض لتحقيق مآرب شخصية، وهو ما يُعرف بالانتهازية السياسية أو النفاق السياسي.
التمييز بين هذين المفهومين ضرورة لحماية الوعي العام في المجتمع وحماية الممارسة السياسية من التزييف ولتحصين المجتمع من الانقسام. فما هي الحدود والخطوط الفاصلة التي تفصل بين معارض صلب يبني وطنه وسياسي منافق ينتهز الفرص؟
المعارضة البناءة هدفها حماية المجتمع والحياة السياسية من الاستبداد، وهي تعتمد على عدد من المبادئ والبدائل. المعارضة الحازمة بعيدة عن كونها ناعمة أو مهادنة، فهي معارضة مواجهة سياسية وفكرية صلبة لسياسات السلطة المقصرة أو الخاطئة. وحزمها وقوتها لا يعنيان الفوضى وانتهاك القوانين أو الرغبة في تدمير أركان الدولة.
وتتميز هذه المعارضة بأدواتها التي تستخدمها، مثل النقد الموضوعي الممنهج، وبالتالي هي لا تركز على تصفية الحسابات الشخصية أو اغتيال الشخصيات معنوياً، بل تعمل على دراسة السياسات والتشريعات والقرارات بناءً على أرقام وحقائق ومعطيات ملموسة، ومن ثم تنتقدها في حال تقصيرها أو فشلها.
لعل أهم ما يميز المعارضة الوطنية هو إيجاد بدائل وحلول وعدم الاكتفاء فقط بقول لا لمجرد المخالفة، فهي تتميز بقدرتها على تقديم خطط بديلة ورؤية اقتصادية واجتماعية موازية تثبت أنها تمتلك مشروعاً حقيقياً للحكم وليس مجرد رغبة في الاحتجاج.
مواقف المعارضة الحازمة تنطلق من أيديولوجيا أو رؤية وطنية واضحة، وبالتالي فهي تتسم بأنها معارضة متواصلة ودائمة ولا تتأثر بتغير موازين القوى أو الإغراءات المادية والمناصب. على الجانب الآخر، يمثل النفاق السياسي حالة من عدم وجود رادع أخلاقي ويتعامل بتحول كبير في المواقف بذريعة البراغماتية، حيث ينتحل السياسي صفة المعارضة الشرسة اليوم، ليتنازل عن كل شعاراته غداً، بمجرد حصوله على مكسب فئوي أو حقيبة وزارية.
النفاق السياسي يقوم على ممارسات محددة، أبرزها الشعبوية، والتي يكون الهدف منها دغدغة عواطف الجماهير واللعب على أوتار الأزمات المعيشية دون تقديم أي رؤية لحلها، واستغلال آلام الناس من أجل الصعود السياسي الشخصي. ومنها التلون وتغيير المواقف، حيث يعمل السياسي على تبديل الخطاب السياسي بلمح البصر بناءً على اتجاه الريح السياسية وحسب المنفعة. فتجده يمتدح قراراً حكومياً بالأمس ثم يلعنه اليوم إذا تغيرت منافعه الشخصية.
الابتزاز عن طريق المطالب المحقة أو غير المحقة: إذ يرفع السياسي المنافق سقف المطالب والشعارات لا من أجل تحقيق مصلحة عامة، بل يفعل ذلك للضغط على السلطة بهدف التفاوض السري للحصول على حصة من الكعكة. كيف نميز بين المعارضة الحقيقية والنفاق السياسي؟ لمعرفة الفرق بينهما في مجال العمل العام يمكننا وضع أربعة حدود وضوابط رئيسية.
أولاً التوافق بالمواقف تاريخياً. فالمعارض الحازم يتمتع بسجل من المواقف المتوافقة وغير المتناقضة، مثلاً تجده يدافع عن حقوق الإنسان أو العدالة الاجتماعية كقيم مبدئية، سواء كان ذلك يخدم مصلحته الشخصية أو الحزبية الضيقة أم لا. أما المنافق السياسي فتجده يطالب بالديمقراطية وحرية التعبير عندما يكون في صفوف المعارضة ويمارس الإقصاء وتكميم الأفواه بمجرد أن يقترب من دوائر صنع القرار أو يتحالف مع السلطة.
ثانياً: العمل الواقعي والحقيقي وتقديم البدائل. إذا رأيت سياسياً يملأ الدنيا صراخاً مستنكراً مشكلة ما، فانتظر الخطوة التالية: هل قدم مشروع قانون بديل؟ هل اقترح حلاً للأزمة؟ المعارضة الحازمة تبني حتى وهي تفكك الأفكار الخاطئة، أما المنافق فيكتفي بالتشكيك الدائم وإشاعة روح الإحباط لأن استمرار الخلل يخدم خطابه الاستعراضي.
ثالثاً: الشفافية مقابل الغرف المغلقة. السياسي الحازم يخوض معركته في العلن ومواقفه خلف الأبواب المغلقة هي ذاتها المعلنة للجماهير. في المقابل، يعتمد النفاق السياسي على ازدواجية الخطاب؛ خطاب ثوري ناري أمام الشاشات لاستمالة الشارع، وتفاوض مرن وتنازلات كبرى في الغرف المظلمة لضمان مصالح شخصية ضيقة على حساب المبادئ المعلنة.
رابعاً: الغاية تبرر الوسيلة لدى المنافق على عكس السياسي الوطني، فالمحك الحقيقي لفرز المعدنين هو الغاية. المعارضة البناءة الحازمة ترى السلطة وسيلة لتحقيق غاية أسمى وهي رفعة الوطن ومصلحة المواطن. أما المنافق السياسي فيرى في العمل السياسي برمته -معارضة وموالاة- مجرد تجارة وسوق للاستثمار الشخصي، والوطن فيه ليس إلا طريقة للوصول إلى المجد الفردي.
إن التمييز بين المعارضة الحازمة والنفاق السياسي ليس بالأمر الهين دائماً فالخطاب المنافق غالباً ما يُغلف بعبارات براقة وشعارات عاطفية تأسر القلوب، لكن الوعي الجمعي للشعوب ومراقبة مسارات السياسيين التاريخية والتركيز على الأفعال والبدائل لا على الظهور الإعلامي هو المصفاة الوحيدة الكفيلة بفرز القادة الحقيقيين عن تجار المواقف. في النهاية السياسة بلا أخلاق تفقد قيمتها والمعارضة الحقيقية الحازمة هي الصمام الذي يحمي الأوطان من التسلط والفساد.