قحطان المعموري…. جريدة المدى
في لحظة تاريخية تتسم بقدر غير مسبوق من الاستقطاب السياسي داخل الولايات المتحدة، يبرز كتاب “واشنطن تحترق: الفساد والأكاذيب في عصر ترامب” للصحفي البريطاني-الأمريكي أندرو كوكبيرن* الصادر حديثاً، بوصفه محاولة جريئة لإعادة تعريف ما يجري في قلب السلطة الأمريكية. فالكتاب لا يكتفي برصد مرحلة سياسية مضطربة، بل يسعى إلى تفكيك البنية العميقة التي أنتجتها، واضعًا القارئ أمام سؤال مزعج: هل الخلل في الأشخاص أم في النظام نفسه؟
صدر الكتاب مطلع العام الحالي 2026عن دار “فيرسو”، ويجمع بين دفتيه سلسلة من المقالات والتحقيقات التي كتبها كوكبيرن على مدى سنوات، لتتبلور في سردية واحدة متماسكة. هذه السردية لا ترى في صعود دونالد ترامب حادثة شاذة، بل نتيجة منطقية لمسار طويل من التآكل المؤسسي، حيث تداخلت السياسة بالمال، وتراجعت الحدود بين المصلحة العامة والمصالح الخاصة، وهو ليس مجرد قراءة في حقبة دونالد ترامب، بل محاولة لفهم البنية العميقة للنظام السياسي الأمريكي. كوكبيرن، المعروف بتحقيقاته في قضايا الأمن القومي، يقدّم هنا عملًا تجميعيًا يعتمد على مقالات وتحقيقات نُشرت على مدى سنوات، ليبني منها سردية واحدة: الفساد ليس عارضًا، بل جزء أصيل من النظام.
من هذا المنطلق، يقدّم كوكبيرن قراءة مختلفة لعصر ترامب. فبدلًا من اعتباره انحرافًا عن (القاعدة الديمقراطية)، يراه امتدادًا لها، بل وربما تجسيدًا مكثفًا لأمراضها المزمنة. يذهب المؤلف إلى أن التركيز المفرط على شخصية ترامب – سواء في النقد أو الدفاع – قد حجب الرؤية عن المشكلة الأعمق: نظام سياسي يسمح أصلًا بظهور مثل هذه الظواهر.
أحد أبرز محاور الكتاب هو تحليل العلاقة بين السلطة السياسية ورأس المال. يصف كوكبيرن واشنطن بأنها فضاء تتحرك فيه جماعات الضغط والشركات الكبرى بحرية شبه مطلقة، حيث يتم (شراء النفوذ) عبر التمويل السياسي. الحملات الانتخابية، بحسب هذا الطرح، لم تعد مجرد منافسة ديمقراطية، بل استثمارات ضخمة تعود بعوائد سياسية واقتصادية على مموليها. وهنا، يصبح السياسي – أيًا كان انتماؤه – جزءًا من شبكة مصالح معقدة، يصعب عليه الفكاك منها.
ولا يقف النقد عند حدود الداخل السياسي، بل يمتد إلى المؤسسة العسكرية، التي يحتل تحليلها حيزًا مهمًا في الكتاب. يكشف كوكبيرن عن ما يسميه “الاقتصاد الحربي الدائم”، حيث تتغذى شركات السلاح على سرديات التهديد المستمر. في هذا السياق، لا تُقدَّم الصين أو إيران فقط كخصوم استراتيجيين، بل كعناصر ضرورية لاستمرار تدفق الميزانيات العسكرية. هذه العلاقة، كما يصورها المؤلف، تخلق دائرة مغلقة: تهديدات تُضخَّم لتبرير الإنفاق، وإنفاق يولّد مصالح تدفع نحو مزيد من التهديدات.
ومن بين النقاط التي يثيرها الكتاب كذلك، مسألة “تضخم السلطة التنفيذية”. إذ يشير إلى أن الرؤساء الأمريكيين، عبر عقود من الحروب والأزمات، راكموا صلاحيات استثنائية لم يتم التراجع عنها. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الصلاحيات إلى جزء ثابت من بنية الحكم، ما أضعف من دور المؤسسات الرقابية. في هذا الإطار، لا يبدو الجدل حول قرارات الرؤساء – بما في ذلك ترامب – مجرد خلاف سياسي، بل انعكاسًا لتحول أعمق في طبيعة النظام.
أسلوبيًا، يتميز الكتاب بنبرة نقدية حادة، لا تخفي انحيازها الفكري. كوكبيرن لا يدّعي الحياد، بل يكتب من موقع نقدي واضح، يقترب من الطرح اليساري الذي يشكك في الرأسمالية السياسية الأمريكية. هذه النبرة قد تُحسب عليه لدى بعض القراء، لكنها في الوقت نفسه تمنح النص قوة ووضوحًا، وتحرره من التردد الذي يطبع كثيرًا من الكتابات السياسية التقليدية.
مع ذلك، لا يخلو العمل من نقاط ضعف. فتركيزه الكبير على التشخيص لا يقابله اهتمام مماثل بطرح البدائل أو الحلول. كما أن بعض استنتاجاته تبدو تعميمية، وقد تحتاج إلى قدر أكبر من التوازن أو عرض وجهات نظر مضادة. غير أن هذه المآخذ لا تقلل من قيمة الكتاب كعمل تحليلي يسعى إلى إثارة النقاش أكثر من تقديم إجابات نهائية.
في المحصلة، يقدم “واشنطن تحترق” قراءة قاتمة ولكنها مثيرة للتفكير في آن واحد. إنه كتاب لا يريح القارئ، بل يدفعه إلى إعادة النظر في مسلّماته حول الديمقراطية الأمريكية. وبينما قد يختلف القراء مع استنتاجاته، يصعب تجاهل الأسئلة التي يطرحها: ماذا لو كان الخلل أعمق مما نتصور؟ وماذا لو كانت “الأزمة” ليست مرحلة عابرة، بل سمة دائمة لنظام يعيش على حافة التناقض؟. في زمن تميل فيه السرديات إلى التبسيط، يذكّرنا كوكبيرن بأن الواقع أكثر تعقيدًا، وأن فهمه يتطلب النظر إلى ما وراء الوجوه والأحداث، نحو البنية التي تصنعها وتعيد إنتاجها باستمرار.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أندرو كوكبيرن: صحفي أمريكي، ولد في لندن عام 1947. إنتقل الى أمريكا عام 1979حيث نشر كتابه ” التهديد ـ داخل الآلة العسكرية السوفييتية “، وأنتج العديد من الأفلام الوثائقية، من ابرزها فلم “صانع السلام” بطولة جورج كلوني ونيكولا كيدمان، ويشغل حالياً محررشؤون واشنطن في مجلة هاربرز.