يوليا يوزيك… المدن قبل أسبوع، شهدت جبال الألب السويسرية حدثاً سياسياً مهماً: محادثات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، عقب توقيع مذكرة تفاهم بشأن وقف إطلاق النار لمدة 60 يوماً والاتفاق النهائي. وقد وقّع دونالد ترامب شخصياً على الاتفاق قبل أيام في فرساي، خلال اجتماع قادة مجموعة السبع، وبحضور زعماء دول الخليج العربي الذين دعاهم ترامب شخصياً.
حبس العالم أنفاسه: هل سيتوصلون حقاً إلى اتفاق؟ هل انتهت الحرب، وهل بالانتظار مستقبل جديد مزدهر؟
لا أنصح بالتسرع في استخلاص النتائج، ووضع الكثير من الآمال فيما يحدث.
باختصار، لقد اجتمعت حول طاولة القمار مجموعة شركاء مخادعين ذوي خبرة عالية. صحيح أن هناك خريطة للعالم معروضة على طاولة اللعب، لكن هذا لا يغير من جوهر الأمر -حول الطاولة يجلس مخادعون يحاولون إخفاء مشاعرهم. هم لا يسعون للسلام، بل يتنافسون فيما بينهم- من يستطيع خداع شريكه بشكل أفضل، ومن يستطيع الاستحواذ ما تجمّع على الطاولة؟
سبق أن كتب ترامب في حزيران/ يونيو 2025، خلال الحرب “الأولى” مع إيران: “لم يربح الإيرانيون حرباً قط، لكنهم لم يخسروا مفاوضات قط”. ومنذ ذلك الحين، دأب على تكرار هذه العبارة، داعياً إلى طاولة المفاوضات أولئك الذين لا يخسرون أبداً. الإيرانيون لا يرفضون اللعبة، بل يلاعبون خبير الصفقات والإفلاس، ويكسبون الوقت لصالحهم. فقد ربحوا الجولة الأولى من المفاوضات في سويسرا: ويجري العمل على رفع الحظر المفروض على مليارات الدولارات، ورفع ترامب الحصار عن الموانئ الإيرانية. وفي غضون يوم أو يومين فقط، بدأت مواكب السفن المحملة بالنفط الإيراني تبحر إلى شرق آسيا. وتمّ على الفور شراء النفط الإيراني الذي كان مخزناً في المستودعات ومستوعبات التخزين الممتلئة خلال أسابيع الحصار، من قبل الصين واليابان وكوريا الجنوبية. وحسب الشائعات، بلغت إيرادات إيران في أول 24 ساعة 15 مليار دولار (من الصعب التحقق من ذلك، لأن جميع المبيعات غير علنية).
في المقابل، وإذ سمح ترامب للإيرانيين بالحصول على المال ورفع العقوبات والحصار النفطي، أعلن على الفور أن مضيق هرمز سيكون الآن مفتوحًا إلى الأبد ومجانيًا للجميع. لكن الإيرانيين لم يتوافقوا معه على هذا الأمر. بل على العكس، فقد صرحوا مراراً (بعد أن أعدوا الإطار القانوني لذلك) بأن إدارة المضيق ستكون من مسؤولية إيران، أو بالأحرى من مسؤولية الحرس الثوري. فعلى سبيل المثال، يردد هذا الكلام رئيس البرلمان قاليباف، الذي ترأس الوفد الإيراني في سويسرا، والذي يسعى بشكل متزايد إلى الوصول إلى منصب الرئاسة. وهو يقلد عادة ترامب في إجراء مقابلات مع الصحافيين على متن طائرته الخاصة. وعلى متن تلك الطائرة نفسها التي كانت قد وصلت لتوّها من سويسرا، صرّح للصحافيين الإيرانيين قائلاً:“كنتُ أول من قال خلال الحرب إن مضيق هرمز لن يعود أبداً إلى وضعه الذي كان عليه قبل الحرب، وإنه سيصبح، من الآن فصاعداً، تحت إدارة إيران”.
الأمر بسيط جدًا: بالنسبة لإيران الآن، فإن مضيق هرمز أقوى تأثيرًا من القنبلة النووية. إنه سلاح نووي اقتصادي. ولذلك، لن توافق تحت أي إغراء أو أي تهديد على التخلي عنه. ففي أي لحظة، يمكنها أن تخنق الاقتصاد العالمي، وترفع أسعار البنزين في الولايات المتحدة إلى مستوى يجعل ترامب لا يملك سوى أن يحلم بفوز الجمهوريين في انتخابات الكونغرس في تشرين الثاني/نوفمبر.
أوفد ترامب نائبه، جي دي فانس، لقيادة المفاوضات مع إيران. وكان فانس قد ألقى مؤخرًا في واشنطن خطابًا وُصف بأنه الأكثر انتقادًا لإسرائيل الذي يُلقى من على تلة الكابيتول خلال الخمسين عامًا الماضية.
كان من المفترض أن ينخدع الإيرانيون بهذا الأمر.
كان موعد سفر الإيرانيين، وكذلك نائب الرئيس جي دي فانس، إلى سويسرا قد تأجل مرات عدة، بسبب أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وخلافًا لإصرار ترامب، واصل قصف بيروت وجنوب لبنان بعنف، على أمل أن يفقد الإيرانيون أعصابهم ويقرروا عدم التوجه إلى سويسرا. واستخدمت إسرائيل سلاحًا تكتيكيًا آخر يتمثل في السيناتور ليندسي غراهام، الذي زار ترامب مساء الجمعة، قبل يوم واحد من سفر فانس لتوقيع الاتفاق، وقضى 4.5 ساعات في “غسل دماغه” حول فكرة أن على الأميركيين أنفسهم السيطرة على هرمز وفرض رسوم عليه، وأنه إذا تحركت إيران ضد ذلك فيجب تدميرها حتى لا تبدو أميركا ضعيفة. باختصار، إنها أسطوانة نتنياهو القديمة عينها، والتي تعمل رغم قدمها.
يُقال إن المفاوضين الإيرانيين يدرسون ردود الفعل النفسية والسلوكية لترامب بالتعاون مع علماء نفس سريريين، ويصيغون استراتيجيتهم التفاوضية معه بناءً على توصياتهم. أما إسرائيل، فقد درست ملف ترامب منذ وقت طويل. لذلك، لم يكن من المفاجئ أن تنتهي جلسة النقاش التي استمرت 4.5 ساعات مع ليندسي غراهام عشية مفاوضات سويسرا بتغريدة مفاجئة من ترامب، قال فيها إنه إذا لم يهدئ الإيرانيون وكلاءهم في لبنان، حزب الله، ويستمر في إلحاق الأذى بإسرائيل، فإنه سيعاود قصف إيران، بل وأضاف بأن جميع المفاوضين الإيرانيين لن يتمكنوا حتى من العودة إلى “بلدهم اللعين” قبل أن يُقتلوا.
قرأ الإيرانيون هذا التغريدة في اللحظة نفسها التي بدأت فيها المفاوضات، بينما كان فانس يدخل إلى قاعة الصحافة.
وفي النهاية، وبحسب تصريحات قاليباف، انسحب وفد التفاوض الإيراني بالكامل، ووافق فقط على 80 دقيقة من المحادثات عبر وسطاء قطريين وباكستانيين. أما الخلاصة التي أعلنها الأميركيون لاحقًا، ووفقًا لما قاله قاليباف، فهي لا تعكس الحقيقة بالكامل. إذ إن إيران لم تناقش برنامجها الصاروخي الباليستي، ولم توافق على عمليات تفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمواقعها النووية. وأضاف قاليباف أن مضيق هرمز لن يعود إلى وضع ما قبل الحرب، وسيتم إدارته من قبل إيران وسلطنة عُمان، باعتباره يقع ضمن مياههما الإقليمية. في اليوم عينه، وبعد عودته إلى طهران من سويسرا، توجّه قاليباف جوًا إلى العاصمة العُمانية مسقط، حيث جرت مناقشة خطة إدارة مضيق هرمز.
تحاول عُمان اللعب مع الإيرانيين والأميركيين والأوروبيين في آن واحد. وهكذا، قام حاكم عُمان عبر “جزئه” من المياه الإقليمية بإنشاء ممر يُفترض أنه آمن ومجاني، تشرف عليه الولايات المتحدة. ثم سافر إلى باريس للقاء ماكرون، الذي يريد أيضًا المرور عبر مضيق هرمز مجانًا ومن دون المرور عبر الحرس الثوري.
ومع ذلك، قامت إيران بقصف سفن عدة كانت تسلك الطريق الأميركي عبر عُمان، وفي الوقت نفسه، ولتحقيق هدفين دفعة واحدة، استهدفت القواعد الأميركية في البحرين والكويت.
باختصار، لا يزال الانقسام الرئيسي يتمحور حول مضيق هرمز. وحتى الإسرائيليون بدأوا يتجاهلون فكرة أنهم هاجموا إيران بسبب “قنبلة نووية على وشك الاكتمال”. واليوم، يبدو أن الجميع يحتاج إلى هرمز كأداة ضغط اقتصادي أو كوسيلة للمشاركة في تقاسم رسوم العبور.
رئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها، وبالتعاون مع فانس وكوشنر، وضعوا ما يُسمّى بخطة سلام لإيران، تتضمن إنشاء صندوق لإعادة إعمار إيران بقيمة 300 مليار دولار.
ابتكر ترامب وكوشنر فكرة دفع جميع دول الخليج العربي إلى أن تصبح مانحة لهذا الصندوق. وهنا يبدو أن ترامب لا يكذب حين يقول إنه لن يدخل سنتاً واحداً من أموال دافعي الضرائب الأميركيين في هذا الصندوق. بالطبع لن يحدث ذلك. ففي صندوق تُشرف عليه عائلة ترامب، من المفترض أن يضخ الحكام العرب في الدول النفطية مئات المليارات من الدولارات. أما كم سيصل فعليًا من هذه الـ300 مليار دولار إلى إيران، ولمن تحديدًا ستذهب، فذلك سؤال مثير للاهتمام، ومنسجم تمامًا مع “صفقة ترامب”.
القيادة الإيرانية الحالية -ونحن ندرك جيدًا أن البلاد تُدار من قبل الحرس الثوري، وربما مجتبى خامنئي (الذي لم يره أحد حيًا حتى الآن)- دفعت بالحكومة الإصلاحية بقيادة بزشكيان لتكون الواجهة الرسمية لهذه الصفقة. وسيتم تحميلهم مسؤولية السذاجة وجعلهم كبش فداء إذا كان ترامب في الواقع يخدع الإيرانيين ويستعد للحرب.
على أي حال، فإن هذه الهدنة لمدة 60 يومًا تُعد مصدر ارتياح للمنطقة، ولإيران، وللاقتصاد العالمي. لكن هذه الهدنة لا تضمن إطلاقًا أنه بعد شهرين سيتم التوصل إلى اتفاق أو توقيع سلام طويل الأمد بين إيران والولايات المتحدة. فهناك الكثير من نقاط تضارب المصالح، والكثير من أوجه عدم التوافق. بل أكثر من ذلك: هناك شكوك كبيرة في أن تصمد هذه الهدنة لمدة 60 يومًا. فقد نشرت صحيفة الحكومة الإيرانية Tehran Timesخريطة فضائية للمنطقة، مع التأشير على الطائرات العسكرية الأميركية وحلفائها عليها.
وبهذا الشكل، وجّهت صحيفةTehran Times رسائل ضمنية إلى المفاوضين الأميركيين، مفادها أن طهران ليست ساذجة وأنها ترى كل شيء. تقول الصحيفة “في الوقت الراهن، تُجري الولايات المتحدة أكبر عملية لوجستية في تاريخها- تحليل إحصائي”. ويُظهر الفيديو في موقع الصحيفة الذي تبلغ مدته 30 ثانية النشاط اللوجستي الجوي الأميركي في غرب آسيا خلال الأيام السبعة الماضية فقط (بمعدل تسريع 20,000 مرة). وفي الوقت نفسه، يستمر هذا النشاط على مدار الساعة طوال 76 يومًا.
يدور الحديث عن أكبر عملية إمداد جوي في التاريخ العسكري الأميركي، والتي تتجاوز في حجمها حرب العراق عام 2003. هذا المستوى من النقل الجوي للبضائع يفوق بكثير عمليات إعادة تجديد المخزونات المعتادة. لقد أصبحت جميع المستودعات الاستراتيجية الأميركية في المنطقة مكتملة التجهيز تقريبًا، ولا تزال تواصل عملية بلوغ أقصى طاقتها الاستيعابية.
لا ينفق الجيش الأميركي مليارات الدولارات على تهديدات فارغة أو مناورات استعراضية. كل ذلك يشير إلى الاستعداد لضربة استباقية، وربما إلى بدء عملية برية.
باختصار، ترامب، وتحت مشاهد الخلافات مع نتنياهو، سلّم جنوب لبنان لإسرائيل، وتحت حديثه عن “صفقة” يستعد لعملية عسكرية كبيرة. وبالأساس كان واضحًا أنه لن يُسمح له بالخروج من هذا الملف. لذلك، من المرجح أن الحرب لم تنتهِ بل ستتواصل. وتبقى حتى انتخابات الكونغرس والكنيست مدة 3–4 أشهر (الفسحة الزمنية لا زالت متاحة).
على سبيل المثال، تؤكد قطر، ممثلة برئيس وزرائها الذي عمل على نص الاتفاق في سويسرا مع فانس وكوشنر، بشكل واضح أن صندوق الـ 300 مليار دولار سيتم إنشاؤه بشرط ضمان المرور الحر والمجاني عبر مضيق هرمز لجميع دول المنطقة. كما تقترح قطر ميثاقًا أمنيًا جديدًا لدول الشرق الأوسط، يتضمن عقيدة أمنية مشتركة مع إيران (وعلى الأرجح أيضًا مبدأ عدم الاعتداء)، بطبيعة الحال.
باختصار، قادة دول الخليج مستعدون، وإن على مضض، لدفع ثمن السلام والأمن لإيران (ويُعد هذا الصندوق، إلى حد ما، بمثابة تعويضات لإيران). لكن ترامب يطالب بحرية استخدام مضيق هرمز للجميع، من دون رسوم أو أي نوع من السيطرة الإيرانية على هذا الممر الاستراتيجي للاقتصاد العالمي. لذلك من الممكن أن تقوم إيران خلال هذه الستين يومًا بزيادة احتياطياتها المالية، ومعالجة أزمتها الاجتماعية والاقتصادية الداخلية الحادة، وكذلك تعزيز قدراتها العسكرية، ثم تعلن بحلول الخريف عن وضع جديد لمضيق هرمز واستعدادها لاستئناف الأعمال القتالية. وأيلول هو شهر الانتخابات في إسرائيل، وكذلك انطلاق الحملة الانتخابية للكونغرس. ولذا، نظريًا يمكن لإيران أن تزيح عن رقعة الشطرنج شخصيتين محوريتين مرتبطتين بشكل وثيق ببعضهما البعض، إذا أتيح لها التفوق على ترامب ونتنياهو.
الإيرانيون ليسوا أمة من المتطرفين، بل من البراغماتيين. لذلك فإنهم ينظرون الوعود بمبلغ الـ300 مليار دولار بحذر وشك. وإذا كان كوشنر هو من سيدير هذا الصندوق، فإن ما سيصل فعليًا إلى إيران من هذه الأموال يبقى غير واضح، سيما وأن بقاء ترامب ليس أبدياً في السلطة، بل لوقت ليس طويلاً.
الأهم الذي يمكن لإيران أن تفعله خلال هذه النافذة الزمنية من الهدنة، هو سحب أكبر عدد ممكن من الجيران من دائرة التحالف مع إسرائيل. وفي هذا السياق، قد يصبح صندوق كوشنر، الذي يُنظر إليه أيضًا كصندوق تعويضات، درسًا مريرًا ومفيدًا للكثيرين منهم. علاوة على ذلك، هناك مفارقة محزنة إلى حد ما في كون كوشنر في الولاية الأولى لترامب كان يروّج لاتفاقيات أبراهام لصالح إسرائيل، بينما في الولاية الثانية يدفع باتجاه صندوق استثماري لإيران.
وهكذا، تلعب إسرائيل بأسلوب جريء وسريع، وترامب يرى في كل شيء مصلحة وصفقة ويتأثر بالعواطف، بينما إيران تلعب على المدى الطويل.
ترامب سيغادر، لكن إسرائيل باقية ودول الخليج أيضًا.
ومضيق هرمز باق
إنهم باقون مثل رمال الصحراء. وهم الذين سيبقون في أساس جميع المعادلات السياسية في المنطقة.
(ترجمة بسام مقداد)