
شاشة تعرض أسعار صرف العملات الأجنبية في طوكيو، مايو 2026
(رويترز). اندندنت عربية شاهين فالي هو زميل بارز في “المجلس الألماني للعلاقات الخارجية”، وهو مركز أبحاث مستقل. كما عمل مستشاراً اقتصادياً لرئيس المجلس الأوروبي في بروكسل بين عامي 2012 و2014، ثم مستشاراً لوزير الاقتصاد الفرنسي بين عامي 2014 و2015.
تسهم سياسات الصين في إبقاء عملتها منخفضة في تعميق اختلالات التجارة العالمية، إذ تمنح صادراتها تفوقاً مصطنعاً وتزيد الضغط على الصناعات في الغرب. ورغم إدراك واسع لحجم المشكلة، تتردد “مجموعة السبع” في مواجهة جوهرها، متجنبة طرح ملف سعر الصرف مع بكين. هذا التباعد بين التشخيص والحل يهدد بفشل التنسيق الاقتصادي الدولي، فيما يبرز خياران واضحان: إما أن تقوم بكين برفع تدريجي لقيمة اليوان، أو يقوم الغرب بفرض قيود تجارية منسقة تعيد التوازن للأسواق العالمية.
مع انتهاء أعمال “مجموعة السبع” في مدينة إيفيان الفرنسية التي انطلقت في 15 يونيو (حزيران)، يدفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون باتجاه ترسيخ اعتراف واسع بأن اختلالات التجارة المتصاعدة تمثل مشكلة اقتصادية عالمية. غير أن قادة المجموعة سيغضون على الأرجح الطرف عن أحد أبرز مصادر هذه الاختلالات: انخفاض قيمة عملات الاقتصادات الآسيوية الكبرى، لا سيما العملة الصينية.
إنه موقف يدعو إلى الأسف. ثمة إجماع متزايد على أن الفائض التجاري الآسيوي أصبح أكبر مما ينبغي. لكن من دون مناقشة مسألة انخفاض قيم العملات، لن تكون لدى مجموعة السبع فرصة تذكر لإطلاق جهد جدي يصب في تغيير السياسات التي أفرزت هذه الاختلالات. في عام 2021، عندما انفجرت فقاعة العقارات في الصين، سمحت بكين بإضعاف قيمة اليوان، ما ساعدها في اعتماد نموذج للنمو تشكل الصادرات قاطرته. وجعل انخفاض قيمة العملة السلع الصينية أرخص للمشترين الأجانب، بينما رفع أسعار السلع الأجنبية في داخل الصين. وأدى ضعف نمو الطلب المحلي، وتراجع قيمة العملة، والدعم الصناعي الواسع النطاق، إلى تضاعف الفائض التجاري الصيني الإجمالي ثلاث مرات منذ عام 2018. وعلاوة على ذلك، تمنح المصارف الحكومية الصينية وغيرها من المؤسسات المملوكة للدولة المصدرين الصينيين ميزة مصطنعة في الأسواق الخارجية من خلال إبقاء قيمة العملة الصينية منخفضة.
يشار إلى أن الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب هدفت إلى كبح آلة التصدير الصينية الجبارة. إلا أن النتائج لم تسر على هذا النحو. بدلاً من تجميع المكونات داخل الصين وشحن المنتجات النهائية مباشرة إلى الولايات المتحدة، باتت الصين تصدر السلع الوسيطة – التي تكون في الأغلب مكونات تكنولوجية متقدمة – إلى البلدان المجاورة لتجميعها في أشكالها النهائية هناك، فتلتف بذلك على الرسوم الجمركية الأميركية. ولكي تحافظ بلدان كثيرة مجاورة للصين على تنافسية صادراتها واستمرار التوظيف في قطاعاتها الصناعية، شعرت بأنها مضطرة إلى إبقاء عملاتها ضعيفة بدورها. في الواقع، باتت الآن عدة عملات آسيوية أخرى عند مستويات تاريخية متدنية في مقابل الدولار.
هذه الاختلالات المتنامية في التجارة العالمية تمثل مشكلة لأوروبا بقدر ما تمثل مشكلة للولايات المتحدة. تعد صناعات السيارات والكيماويات والصلب والآلات الصناعية الأوروبية في مقدمة الصناعة التي تواجه ما يعرف بالصدمة الصينية الثانية. ولهذا السبب جعل ماكرون من الاختلالات التجارية العالمية موضوعاً رئيساً في أجندة مجموعة السبع لهذا العام. لكن أوروبا، شأنها شأن الولايات المتحدة، لا تزال مترددة في جعل الدبلوماسية الساعية إلى معالجة مشكلة أسعار الصرف جزءاً أساسياً من النقاش التجاري الأوسع. وهذا التردد ليس إلا نقصاً في صنع كل من الأفكار والسياسات قد يجعل التنسيق الاقتصادي الدولي يبوء بالفشل. وما دام هذا التجاهل مستمراً، ستواصل الاختلالات التجارية التفاقم. وهذا وضع غير قابل للاستمرار. يتعين على مجموعة السبع أن تضع بكين أمام خيار واضح: إما السماح لعملتها بالارتفاع، أو مواجهة قيود تجارية جديدة.
متاعب تجارية
لا تنشأ عن الفوائض والعجوز التجارية الكبيرة توترات تجارية فحسب؛ هي تولد أيضاً مخاطر مالية. ولمعالجة هذه المشاكل، اتفق وزراء المالية في بلدان مجموعة السبع على إصدار بيان مقتضب يكاد لا يتجاوز التأكيد على “المصلحة المشتركة” التي تجمع بين الاقتصادات ذات الفوائض والاقتصادات ذات العجوز في خفض الاختلالات التجارية المزمنة. غير أنهم لم يضغطوا من أجل تغيير سياسة الصين الخاصة بسعر الصرف.
وعلاوة على ذلك، من غير المرجح أن يؤدي طلب مجموعة السبع من صندوق النقد الدولي إصدار تقرير جديد حول العوامل الكامنة وراء الاختلالات إلى إقناع بكين بالتخلي عن اعتمادها الحالي على الصادرات لتحقيق أهداف النمو التي لم يعد الطلب المحلي قادراً على تأمينها. لا تزال مراكز البحوث الصينية ووسائل الإعلام الرسمية والمسؤولون الحكوميون يعزون اتساع الفائض التجاري إلى الميزة النسبية التي تتمتع بها الصين في القطاعات الصناعية الجديدة.
في المقابل، يبدو أن الولايات المتحدة فقدت الاهتمام بجدول أعمال يستهدف خفضاً متزامناً للفوائض والعجوزات التجارية. فقد تلاشى حديث وزير الخزانة سكوت بيسنت في بداياته عن إعادة ترتيب اقتصادي عالمي شاملة، ليحل محله خطاب سياسي عام يعد بـ”استقرار استراتيجي بنّاء”. وعلى الأرجح تفهم بكين ذلك على أنه مؤشر إلى أن واشنطن لن تطالب بتغييرات جوهرية في سياساتها الاقتصادية الراهنة. كما أن الطموح الأولي لخفض العجز المالي، الذي عاد ليتجاوز 6 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، إلى نحو 3 في المئة، يبدو أنه تبخر. وبدلاً من ذلك، تحتفي الإدارة بارتفاع واردات السلع الرأسمالية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما يرجح أن يدفع العجز التجاري الأميركي إلى مستويات أعلى.
في هذا السياق، برز انفصال غريب بين تشخيص المشاكل واقتراح الحلول. يدرك اقتصاديون من مختلف التوجهات الفكرية أن حجم الصين الهائل، وتطورها التكنولوجي، والفجوة المتسعة بين صادراتها المتنامية بسرعة ووارداتها الراكدة، كلها عوامل تطرح تحدياً عميقاً أمام القوى الصناعية الأخرى في العالم. وبالمثل، قلما يعترض أحد على أن الاعتماد على الصين في الحصول على المدخلات الحيوية يمثل نقطة ضعف استراتيجية واقتصادية مهمة. بل ثمة اعتراف متحفظ في واشنطن، وفي صندوق النقد وإن بدرجة أقل، بأن مزيج الدعم الحكومي المركزي والإعانات المقدمة من حكومات محلية متنافسة في الصين كان فعالاً في إتقان وتوسيع إنتاج التقنيات المتقدمة.
ومع ذلك، لا يتسع هذا الإجماع ليشمل الاعتراف بضرورة وقف العمل بالتخفيضات الحادة لقيم العملات، مع أن ذلك يمثل التغيير الوحيد على صعيد السياسات القادر مباشرة على إعادة التوازن إلى التجارة العالمية. يبدو أن صناع السياسات الاقتصادية الدولية يتجنبون بعناية أي التزام بالتنسيق الدولي في مجال الاقتصاد الكلي أو حتى مناقشة سياسات أسعار الصرف، متمسكين بفكرة مفادها بأن التعاون ينبغي أن يقتصر على قيام كل دولة بتطبيق أفضل ما تستطيع من سياسات نقدية ومالية عامة داخلية مناسبة.
العنصر المفقود
خلال السنوات الخمس الماضية، تبنت الحكومات والمؤسسات المالية الدولية رؤية تفيد بأن سياسات العملات التي تنتهجها أكبر اقتصادات العالم لا تترك أثراً حقيقياً أو دائماً. جاء في ورقة بحثية حديثة أصدرها صندوق النقد حول الاختلالات الاقتصادية أن أي تحرك على صعيد أسعار الصرف ستبطل مفعوله تغييرات تطبق على مستويات الأسعار المحلية. غير أن الأدلة التجريبية تشير بقوة إلى عكس ذلك؛ تتسم الأسعار المحلية بالجمود النسبي ولا تتحرك إلا ببطء.
هذا الإهمال لمسائل العملات ظهر بوضوح خلال الاجتماع الأخير لوزراء المالية في دول مجموعة السبع في مايو (أيار) الماضي. لم يشر المشاركون حتى إلى أن الانخفاض المتزايد في قيمة اليوان أسهم مساهمة كبيرة في أداء الصين الاستثنائي على صعيد التصدير خلال السنوات الأخيرة. وبالمثل، لا يُقدَّر بشكل كافٍ، حتى داخل صندوق النقد الدولي، أن القيود التي تفرضها الصين على حركة رؤوس الأموال تجعل سعر الصرف أداة مستقلة تتحكم بها بكين مباشرة. على سبيل المثال، لم يشر أحدث تقييم للصندوق للاقتصاد الصيني إلى دور البنوك الحكومية، ولم يحلل كيف تسهم في إبقاء العملة ضمن نطاق ضيق، وهو ما يسمح فعلياً للبنك المركزي بالتحكم في حركتها. كما أن قلة قليلة فقط من الخبراء والمتعاملين في أسواق الصرف يدركون الأدوات التي تستخدمها بكين، وبعض دول آسيا الأخرى، للإبقاء على عملاتها منخفضة القيمة.
هذا الإهمال الحالي لمسائل العملات يشكل قطيعة مع الماضي. لقد أدرك الاقتصاديون في أعقاب الحرب العالمية الثانية العلاقة الوثيقة بين العملات وميزان التجارة. كان نظام أسعار الصرف الثابتة القابلة للتعديل الذي وضعته اتفاقيات بريتون وودز يستند إلى هذا المبدأ. واستمر الاعتراف بأهمية تحرك أسعار العملات في تحقيق التوازن الخارجي لعقود طويلة كم الزمن. ففي عام 1985، ومع تضخم العجز التجاري الأميركي، اجتمع ممثلون عن فرنسا واليابان والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وألمانيا الغربية في فندق “بلازا” بنيويورك للتصدي للمشكلة. واتفقوا على تدخل منسق في سوق الصرف الأجنبي، وتبنوا سياسات اقتصادية لإضعاف الدولار، مما أسهم بالفعل في خفض العجز التجاري الأميركي. وعلى الرغم من أن ذلك يُعزى أحياناً إلى تشديد السياسة المالية الأميركية آنذاك، فإن الواقع يشير إلى أن تعديل سعر الدولار والسياسة المالية سارا في اتجاه واحد وعززا بعضهما بعضاً.
كذلك أدت تحركات العملات دوراً محورياً في نشوء الاختلالات التجارية التي سبقت الأزمة المالية العالمية عام 2008. بين عامي 2002 و2005، على سبيل المثال، ظل اليوان مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالدولار حين كان هذا الأخير آخذاً في التراجع، في حين كانت عضوية الصين في منظمة التجارة العالمية تعطي دفعة هائلة إلى صادراتها. وكان الانخفاض الناتج في قيمة العملة أحد الأسباب الرئيسة لوصول الفائض التجاري الصيني إلى نحو 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، في تطور عرف بالصدمة الصينية الأولى. وعلى العكس من ذلك، كان الارتفاع الحقيقي الذي سجله اليوان بنسبة 40 في المئة بين عامي 2005 و2014 سبباً رئيساً في تراجع هذا الفائض إلى أقل من اثنين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الصيني. ولا تزال أسعار الصرف مهمة، ولا تنفك تؤثر في صورة ملموسة في موازين التجارة.
التلاعب بالأرقام
منذ جائحة كوفيد، شهدت الصين تقدماً تكنولوجياً متواصلاً وارتفاعاً في الإنتاجية في عدد من القطاعات الصناعية. هي تطورات كان من المفترض أن تؤدي عادة إلى ارتفاع قيمة اليوان. ومع ذلك، انخفضت قيمته الحقيقية بنحو 15 في المئة. يشير صندوق النقد إلى أن انخفاضاً بنسبة 15 في المئة من هذا النوع من المفترض أن يزيد صافي الصادرات الصينية بما يتراوح بين 2 و 2.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي الصيني الضخم، وهو رقم قريب من الزيادة الفعلية البالغة نحو 3 في المئة، التي سجلت خلال العامين الماضيين.
ليست الصين الدولة الآسيوية الوحيدة التي تمتلك عملة مخفضة القيمة. مقارنة بالدولار واليورو، بات الوون الكوري الجنوبي ضعيفاً بالقدر نفسه الذي كان عليه خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، وذلك على الرغم من تسجيل كوريا الجنوبية فوائض تجارية قياسية. أما تايوان، فقد تزامنت صادراتها الضخمة من الرقائق الإلكترونية واتساع فائضها التجاري خلال الفصول الأخيرة مع انخفاض بنسبة 5 في المئة في قيمة الدولار التايواني الضعيف أصلاً. أما الين الياباني، بعد احتساب أثر التضخم، فبلغ مستويات متدنية مماثلة لتلك التي شهدها أوائل سبعينيات القرن الماضي. هذا الضعف الواسع النطاق للعملات الآسيوية يشكل سبباً رئيساً في تركز الفائض التجاري العالمي في شرق آسيا. يمثل الفائض التجاري الآسيوي البالغ 1.5 تريليون دولار نسبة من الناتج العالمي أكبر مما كان عليه في أي وقت مضى منذ عام 1945. وهو الفائض الكبير الوحيد المتبقي في الاقتصاد العالمي. هذه الانخفاضات في قيم العملات الآسيوية ليست مصادفة. ثمة تاريخ طويل لاستخدام الصين مصرفها المركزي للتدخل في أسواق الصرف الأجنبي وإدارة تدفقات رأس المال بما يمنع عملتها من الارتفاع. وفي عام 2025 استأنفت الصين شراء العملات الأجنبية في خطوة تبقي قيمة اليوان منخفضة في صورة مصطنعة. وفي الوقت نفسه، نجحت تايوان في إيجاد وسائل للحفاظ على انخفاض قيمة عملتها، حتى في ظل الزيادة الهائلة في فائضها التجاري الناتجة عن الطلب المتزايد على الرقائق الإلكترونية.
في مارس (آذار) الماضي، طرح صندوق النقد حزمة سياسات متواضعة للحد من الاختلالات العالمية. وتجنب الدعوة إلى رفع قيمة العملات الآسيوية. كذلك يبدو أن مجموعة السبع تتجه إلى تجنب أي التزامات من جانبها، فضلاً عن الامتناع عن توجيه دعوة مباشرة إلى الصين أو الدول الآسيوية لقيادة عملية تعيد تقييم العملات على نطاق واسع. وباعتماد هذا النهج، لم تفسح مجموعة السبع مجالاً حقيقياً للتنسيق الاقتصادي الدولي، كما لم تضع الأساس اللازم لممارسة ضغوط أوسع عبر مجموعة العشرين. من بعض النواحي، يمكن تفهم هذا الموقف، فهو يوفر حلاً مريحاً على الصعيد السياسي؛ هو يتيح للمجموعة تجنب مناقشة الموقع الذي يحتله تنسيق أسعار الصرف في بنية السياسات الأوروبية، كما يسمح لها بتفادي النقاش حول التداعيات العالمية للسياسة المالية العامة الأميركية المنفلتة في ظل طفرة استثمارية داخلية. لكن زمن المراوغات المماثلة انتهى. يتعين على مجموعة السبع وشركائها أن يعرضوا على الصين خياراً واضحاً وصريحاً: إما أن تواجه رسوماً جمركية منسقة تفرض على صادراتها، وإما أن تسمح بارتفاع منسق في قيمة عملتها، بما يعود بالمنفعة على الجميع.
براد سيتسر هو زميل بارز في كرسي ويتني شيبردسون في “مجلس العلاقات الخارجية”، وهو مركز أبحاث أميركي مستقل. شغل منصب مستشار أول للممثل التجاري للولايات المتحدة بين عامي 2021 و2022، كما كان نائباً لمساعد وزير الخزانة الأميركي بين عامي 2011 و2015.
شاهين فالي هو زميل بارز في “المجلس الألماني للعلاقات الخارجية”، وهو مركز أبحاث مستقل. كما عمل مستشاراً اقتصادياً لرئيس المجلس الأوروبي في بروكسل بين عامي 2012 و2014، ثم مستشاراً لوزير الاقتصاد الفرنسي بين عامي 2014 و2015.
مترجم عن “فورين أفيرز”، 11 يونيو (حزيران) 2026