تشترك هذه الرواية مع السريالية في فكرة وحيدة هي الأحلام، وهي فكرة ملازمة للطبيعة البشرية ومبثوثة في جميع المدارس الأدبية بلا استثناء. غير أن شخصيات الرواية في “تعويذة الشيخ المجذوب” تبدو مرسومة من الخارج، أي بطريقة بصرية أو وصفية، ولا نعرف أي أمر عن ركامها الداخلي، أي عقلها الباطن؛ فلا غوص في لاوعي الشخصيات لاكتشاف لماذا صار هؤلاء على ما هم عليه. وثيمة الرواية Theme، أو الفكرة الأساسية أو المغزى أو المعنى المتواري، هي الشر، أو السلطة واستبدادها وفسادها، والوصوليون والانتهازيون، في مقابل أصحاب المبادئ الذين ينتصرون في نهاية المطاف. فالشيخ المجذوب (جوناثان ذو الإيحاء اليهودي) هو صاحب السلطة ورأس الفساد والخراب. ونور الدين بن خضرا البرقوقي هو النهّاز الذي انحدر، بعد سطوع نجمه، إلى مستنقع شهواته وغرامه بالفتيات الصغيرات، ومع ذلك أرسل الشيخ المجذوب مَن قتله (لماذا؟). أما لولا وروجينا فتنتميان إلى الأنوثة السامة التي تروّج زورًا لمواهب المجذوب وقدراته الخارقة ومعجزاته، وهي كلها حكايات كاذبة.
والمتمردون على الشيخ المجذوب هم صلاح صديق نور الدين في زمن اليسار الثوري، والذي أحب زوجة نور بعد طلاقها. وكذلك الهادي عطية الحكيم الرائي الذي لا ينفك محذرًا الناس من أن الكوارث آتية لا ريب فيها، وهو صاحب الكرامات الذي حوّل الحجارة ثعبانًا (ص 74). أما الجمهور فهو العوام الذي يصدّق أي شيء من دون تبصر أو استبصار. وبهذا المعنى، فأنا أنحاز إلى وصف الرواية بـ “الغرائبية” من حيث شخصياتها ووقائعها، مع أنها واضحة المغزى تمامًا ولا تحتاج المخيلة أي جهد لاكتشاف ما هو كامن وراء حوادثها. ورواية سلوى البنا هذه تمزج اليوتوبيا بالديستوبيا؛ فاليوتوبيا هي حلم الإنسان بالعالم المثالي، بينما الديستوبيا هي أدب الجحيم الذي يصور مصائر الأشرار. وعالم الرواية هو ديستوبي بامتياز.
زمن الرواية وأدغالها
زمن الرواية حديث جدًا جدًا، كأنه اليوم أو البارحة. فثمة “مسيّرة تزنّ ليل نهار” (ص 107)، وهناك التلفون المحمول والبريد الإلكتروني والروبوت (ص 101 و104). وفي الرواية عالم آخر مختلف هو عالم النقاب الأسود (ص 167 و177). أما المكان فلا اسم له في خريطة الكرة الأرضية: “دولة بلا اسم ولا أركان، لا أعمدة لها ولا بنيان” (ص 167 و181)، أي أن المكان هو في كل مكان، مع أن الرواية تُفصح عن أن “ممالك الأحلام” تبع الشيخ المجذوب أو جوناثان أو جو قائمة في بلاد الواق واق (ص 147 و149 و155). وبلاد الواق واق، مع أنها أرض خرافية، إلا أنها تشير إلى اليابان أو بلاد واكو واكو بالصينية. وتمزج هذه الرواية الواقع بكل ما هو فوق الواقع كالسحر والأشباح ومعرفة الغيب والعِرافة وخرق قوانين الطبيعة، فكأنها تميل إلى الفانتازيا بما هي تعبير عن الرؤى وحكايات الرعب وعودة الأموات إلى الحياة، وذلك كله لخلق عالم مفعم بالشر الذي يقوده الشيخ المجذوب. والرواية قلقة، ومصدر القلق هو التجريب في أدغال اللامألوف كالتعاويذ والأحراز والحجب والرقى، وهو شأن غير جديد في الأدب العربي. لنتذكر، في هذا الميدان، سفر الرؤيا للقديس يوحنا عن وقائع آخر الزمان، ورسالة الغفران لأبي العلاء المعري عن الجحيم، ومنامات الوهراني لركن الدين ابن محرز الوهراني الذي تخيّل في يوم القيامة مناديًا يدعو الناس: هلموا إلى العرض الأكبر، على غرار الهادي عطية في رواية سلوى البنا الذي دعا الموتى كي يقوموا من رقادهم. وفي الأدب العربي الحديث نعثر على “السلحفاة تطير” ليحيى حقي، و”نداء الواق واق” لإبراهيم الكوني، و”رأيت فيما يرى النائم” لنجيب محفوظ، و”منامات عم أحمد السماك” لخيري شلبي. وأدب المنامات شائع جدًا في آداب اللغة العربية لأن الكاتب يستطيع أن يقول في سياقه ما لا يستطيع أن يقوله في الواقع.
| يقيم الشيخ المجذوب في مغارة حيث ممالك الأحلام (Getty) |
ومهما يكن الأمر فإن الإمتاع هو، قبل أي أمر آخر، العنصر الأساس في الرواية الغرائبية، ويجب أن يكون كذلك.
ممالك الأوهام
يقيم الشيخ المجذوب في مغارة حيث “ممالك الأحلام التي لا يجوع فيها أحد أو يعرى، والتي تمنح المريد كل ما يطلب ويشتهي بشرط واحد هو التوقف عن طرح الأسئلة” (ص 85). وتلك إحالة رمزية إلى السلطة، وإلى أن الاقتراب من رأس السلطة يجعل الشخص صاحب سلطان، لكن من دون مبدأ أو ناموس أو تفكير. ويرمز نور الدين البرقوقي إلى نفاق المثقفين، وإلى ذلك الطراز من الوصوليين المقنّعين بمبادئ الحرية والعدالة، والذي تتساقط مبادئه ما إن تشير السلطة إليه بإصبعها. وحتى الارتماء في أحضان السلطات الجاهلة والغبية والمتسلطة لا يحمي الانتهازي، فقد اغتال الشيخ المجذوب نور، ووُجدت جثته عارية تنهشها الكلاب الضالة (ص 166). أما روجينا التي كانت دليلة سياحية فقد انقلبت أحوالها بعد أن عشقتْ ثريًا اصطحبها إلى مزرعة وربطها عارية إلى شجرة وأشعل غلمانه النار من حولها، فغابت عن الوعي لتستيقظ في داخل قصر كبير مرتدية ملابس مزركشة ذات جيوب مملوءة بالمال. وحينذاك أطلقت ساقيها للريح من دون أن يعترضها أحد. والصور هنا سديمية وعجائبية، فكيف تصطف تلك الأمور في نسق واحد؟ العشق والثراء والتعذيب على جذع شجرة، وإشعال النار، ثم القصر والملابس والمال والنجاة. إنه حلم متعاكس الأخيلة.
لا نعرف لماذا تحولت لولا اسكندر (أو نجمة) من طبيبة تجميل إلى مساعدة للشيخ المجذوب. لعلها طلبت السلطة ورغبت في الثروة فأصبحت لوليتا (يمكننا إسقاط الاسم على رواية “لوليتا” لنابوكوف). وكذلك لا نعرف ماذا حصل لعقل روجينا بعد ربطها بالشجرة وإشعال النار من حولها، ولماذا راحت تجلس على مصطبة في الشارع، وتستجدي العابرين، ثم تختفي لتعود أميرة عثمانية، وتصبح المروِّجة الأولى لمواهب المجذوب وقدراته ومعجزاته. أتكون الشجرة والنيران والملابس المزركشة المملوءة بالأموال مجرد حلم “مخربط” مثل معظم المنامات؟ ومن غير المعلوم لماذا انقلب المجذوب على نور الدين وصار يكرهه ويحتقره ودبر حادثة قتله.
أما المعارضون للشيخ المجذوب ففي رأسهم صلاح صديق نور الدين الذي لم يتخلّ عن يساريته وقطع صلته برفيقه السابق نور، ثم عادت الصلة إلى الالتحام الجزئي حين تزوج إحسان السعدي زوجة نور التي خلعته بعد ربع قرن من الزواج. وإحسان السعدي ابنة شهيد، ومحامية يسارية كرهت زوجها منذ أول ليلة. في تلك الليلة وجدت نور الدين “رجلًا تنتفض في عروقه الشهوة، وينخر جسده شبق مخيف (…). وبسرعة البرق سجل على جسدي علاماته الفارقة، وتركني في صدمة أقرب إلى الغيبوبة منها إلى الدهشة (…). كانت نبرة صوته أشبه بسكين حادة تنغرز في صدري” (ص 100 و101). أوف! ما هذا؟ إحسان السعدي امرأة متعلمة ومحامية، ألا تعرف ما سيحصل ليلة الزفاف؟ والحقيقة أنني لم أجد تفسيرًا نفسيًا لانفعالات شخصيات الرواية وأفعالها. وفي التحليل النفسي هناك ما يسمى “الرضة” أو الصدمة، وكنتُ أفتش في الرواية عن الرضّة التي تجعل الإنسان الفرد يتحول من حال إلى حال، وقلما عثرت. ربما كانت أسباب التحولات كامنة في العبث: عبث الوجود، وعبث الحياة، وعبث التجربة البشرية، وعبث المبادئ والأفكار الخلاصية.
السلطة والتدين
الشيخ المجذوب هو السلطة، وهو المستبد الذي يجعل صلته بالمحكومين صلة مقدسة ومغلّفة بالنصوص الدينية التي من شأنها سوق العوام كما تُساق الأنعام، أو كما يسوق التيس الماعز. والمجذوب منافق ومتسلط ومخادع وماجن ومحتال ولص وقاتل، ومغارته هي مقلَع العسف والموت. والنظام الذي يديره المجذوب هو نظام التفاهة والقوة والتحكم بحياة الناس من خلال المحظيات والانتهازيين أمثال لوليتا وروجينا ونور الدين، وهؤلاء هم مَن يدير القطيع. ولا سرّ لدى الشيخ المجذوب ولا تعويذة، فالتعويذة الوحيدة التي تلائم نظام القوة والتسلط والرثاثة هي جهل الناس وانسياقهم وراء الشيوخ والإعلام المشيخي الذي يُطلع القمر في عز الظهيرة، والويل لمن لا يُصدق. والسؤال في هذه الحال هو: ما الذي يجعل رجل الدين، قسيسًا أم شيخًا، يعيش انفصالًا لا شفاء منه، وهو أن ما يعظ به لا يطابق أفعاله؟ وهذه هي حال العالم العربي ومأساته الدائمة: الاستبداد والفساد وقمع الحريات وثورات العامة التي لم ينجم عنها غير بحور الدماء. إنه الجحيم الذي أفاضت الرواية في وصف معالمه: جيف الأسماك، الزنخ، القيء، نافورة الدم (ص 175-176). غير أن مغارة الشيخ المجذوب وممالك الأحلام ليست قدرًا، بل هي حالة عابرة؛ فعندما فتح المجذوب المندل، واستحضر قزمًا على ظهره حدبة بحجم سنوات عمره التسعين بعد المائة (ص 161)، رأى القزم (كأنه أحدب نوتردام، مع أن الأحدب أو كوازيمودو هو قارع جرس الكنيسة ويمتاز بالطيبة المتناهية) “بحورًا من الدم، وبراكين وسحبًا سودًا وأسماكًا عالقة بين الصخور، وعيونًا كعيون الذئاب الجائعة تبرق وتلمع وتضيء المكان وتعود لتنطفئ من جديد” (ص 163). إنها صور كابوسية شاهدناها في أفلام الرعب الأميركية. والخلاص من هذه الأحوال لدى سلوى البنا في روايتها هذه ممكن، والمخلّص هو الهادي عطية الحكيم الرائي وصاحب الكرامات الذي لا ينفك محذرًا الناس من الكوارث في ما لو تخلّوا عن المبادئ والأخلاق السامية. وشخصية الحكيم الرائي تظهر عادة في المسرح اليوناني في صورة شخص يجول في شوارع المدن محذرًا الناس من محنة آتية. ويظهر أيضًا في الأفلام المصرية شخصًا مرقع الثوب وفي يده عصا وهو يردد: “يُمهل ولا يهمل” أو “الله حي”.
انهارت مغارة الشيخ المجذوب (ص 189)، ولم تنفع معها جميع تعاويذه في مواجهة الهادي عطية الذي راح يدعو الموتى (الأحياء) إلى الثورة على ذلك الواقع ويحرضهم بقوله: “استيقظوا أيها الموتى فالحياة حق” (ص 187). وتمكن هذا النبي الجديد، حين رفع يديه إلى السماء، من أن يشق الأرض على غرار النبي موسى، وأن يهدم مغارة الاستبداد والفساد، وأن يعيد الحياة إلى صلاح كما فعل المسيح بأليعازر، لكنه لم يستطع إعادة إحسان السعدي من سباتها الأبدي قط.
أيكون الخلاص، في هذه الرواية الغرائبية، من السماء لا من الأرض؟ أنعود إلى زمن الأنبياء والشيوخ والكرامات والتعاويذ حتى بعد خراب “ممالك الأحلام” ودمار مغارة الشيخ المجذوب؟ هذا يعني أن الدائرة عادت لتُقفل مجددًا عند النقطة الأولى، كأن لا شيء يتجدد، وكل قيامة هي عَوْدٌ إلى ما كان. وهذه هي فكرة الدائرة التي تشبه دورة الأرض حول الشمس في مسار لا ينتهي. وهي دورة نقيضة لدوائر الحلزون التي تكون كل دائرة فيه مثل التي تسبقها، لكنها أعلى منها وأرقى.