هشام روحانا… ضفة ثالثة
يقدّم مايكل بوراووي (Michael Burawoy) في كتابه الصادر حديثًا بالعربية بعنوان “العنف الرمزي: حوارات مع بورديو” محاولةً نظريةً مركّبة لإعادة قراءة مشروع بيير بورديو في ضوء النقد الماركسي، فيقوم في الفصل الثالث بعقد مواجهة مباشرة مع فكر أنطونيو غرامشي، لا على مستوى البنية النظرية فحسب، بل على مستوى الممارسة أساسًا. ولا يكتفي بوراووي بإبراز نقاط التقاطع بين المنظّرين، بل يدفع المقارنة إلى أقصاها ليكشف عن توتّرٍ حاسم بين مفهومي “الهيمنة” من جهة و”العنف الرمزي” من جهة أخرى، بوصفهما إطارين متباينين لتفسير استمرارية النظام الاجتماعي. وتنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أنّ قراءة بوراووي، إذ تُقيم هذا التوازي، تكشف في الوقت ذاته عن قطيعةٍ نظرية؛ فبينما يقدّم بورديو تفسيرًا متماسكًا لآليات الخضوع، يظلّ عاجزًا عن إسناد إمكان تحويله، في حين يحتفظ غرامشي بأفق تاريخي يجعل من الوعي والمقاومة ممكنين. وبذلك لا يوسّع بورديو مفهوم الهيمنة بقدر ما ينقله إلى مستوى يُقوِّض إمكان السياسة ذاتها.
أولًا: تقاطع أم قطيعة؟
ينطلق بوراووي من ملاحظة لافتة مفادها أن كلًا من غرامشي وبورديو يبتعدان عن الاختزال الاقتصادي – وهي التهمة الجاهزة ضد الماركسية- ويمنحان بدرجات مختلفة الثقافة موقعًا أكثر مركزية في تفسير إعادة إنتاج الهيمنة، كما يوليان أهمية خاصة للمثقفين بوصفهم فاعلين في هذا المجال. ويبدو هذا التقاطع، للوهلة الأولى، واعدًا، إذ يشترك المنظّران في محاولة تجاوز ثنائيات تقليدية مثل: الذاتية/الموضوعية، والإرادوية/الحتمية. غير أنّ هذا التقاطع يخفي اختلافًا حاسمًا في تصور الصراع نفسه: فإذا كان غرامشي يعيد تعريف الصراع الطبقي بوصفه صراعًا يجري على المستويين الثقافي والاقتصادي معًا، فإن بورديو لا يذهب إلى هذا الحد، بل يعيد صياغة الصراع داخل الحقل الثقافي بوصفه صراع تمايزات بين فاعلين متفاوتي الرأسمال الرمزي، لا صراعًا طبقيًا بالمعنى الصارم.
من هنا، تتعمّق القطيعة بين المقاربتين. فإذا كان المجال الثقافي عند غرامشي يمثّل حلبةً للصراع الطبقي، فإنه عند بورديو يغدو المجال الذي يُبدِّد هذا الصراع ويعيد امتصاصه وتطبيعه. فبدلًا من أن يكون فضاءً لمواجهة طبقية مفتوحة، يعيد بورديو صياغة الثقافة بوصفها حقلًا يُعاد فيه إنتاج الهيمنة عبر التطبيع، وكذلك من خلال تفاوت الرأسمال الرمزي وتوزّعه داخل الحقل بين فاعلين يشغلون مواقع غير متكافئة. وداخل هذا الحقل، لا يدور الصراع بين طبقات بقدر ما يجري، في الغالب، داخل الطبقة المهيمنة نفسها، حيث يتّخذ شكل صراعات تمايز: صراعًا على إعطاء المعنى وتشكيل أنماط التمثيل والتعبير، أي حول من يملك سلطة التعريف والشرعنة. ومن ثمّ، نادرًا ما يتجاوز تحليل بورديو حدود هذه التمايزات الداخلية، ليغدو الصراع الثقافي عنده أقرب إلى إعادة توزيع للشرعية داخل البنية منه إلى صراع يهدّدها. وعليه فإن الاختلاف بينهما لا يتعلق بدرجة التأكيد على الثقافة، بل بطبيعة الصراع داخلها ذاته: أهو صراع طبقي يمكن أن ينفتح على أفق سياسي، أم صراع تمايزات يظلّ محكومًا ببنية تعيد إنتاج نفسها عبر الأجساد والعقول؟
ثانيًا: الهيمنة مقابل العنف الرمزي
يمثّل مفهوم الهيمنة عند غرامشي نقطة الانطلاق الحاسمة في قراءة بوراووي. فالهيمنة ليست قسرًا عاريًا، بل علاقة تُعيد عبرها الطبقة المهيمنة إنتاج سيطرتها على الطبقات المستغَلَّة من خلال توازن بين الإكراه والقبول (consent)، وهو بطبيعته توازن غير مستقر. تُصاغ الموافقة داخل المجتمع المدني إذًا، كجزء من آلية الاستغلال نفسها، مع بقائها قابلةً للانفجار عبر الصراع الطبقي. ومن ثمّ، فإن القبول نفسه لا يلغي السياسة، بل يمدّها بموادّها الأولية، إذ يمكن أن يتحوّل إلى موقع مقاومة بقدر ما هو أداة للسيطرة.
في المقابل، يطوّر بورديو مفهوم العنف الرمزي بوصفه شكلًا من أشكال السيطرة التي لا تعمل عبر الوعي، بل عبر الهابيتوس، أي منظومة الاستعدادات المتجسّدة التي تشكّل الإدراك والممارسة في آن، وتُنتج علاقةً تلقائية بالعالم، بحيث يُتمثَّل العالم على ما هو عليه بوصفه طبيعيًا وبديهيًا. هنا لا يقوم الخضوع على وعيٍ زائف، كما عند غرامشي، قابلٍ للتصحيح، بل على تطابقٍ إدراكي بين البنية والذات، بحيث يُعاش النظام الاجتماعي بوصفه الأفق الممكن الوحيد. ومن ثمّ، لا يُعاد إنتاج الهيمنة عبر القسر أو الإقناع فحسب، بل عبر احتكار إعطاء المعنى داخل الحقل، حيث لا تُحدَّد حدود التفكير والاعتراض فحسب، بل ما يُعَدّ قابلًا للتفكير أصلًا. عند هذه النقطة، لا يعود الخلاف بين غرامشي وبورديو خلافًا في درجة السيطرة، بل في شروط إمكان تجاوزها. فإذا كان الخضوع عند غرامشي يتضمّن لحظةً من الوعي – حتى في شكله المشوَّه- تُبقي إمكان تحوّله قائمًا، فإن بورديو يردّه إلى بنية لاواعية تُفرغ هذا الإمكان من مضمونه. ومن هنا، لا يوسّع بورديو مفهوم الهيمنة بقدر ما يستبدله بالعنف الرمزي: انتقالًا من السيطرة بوصفها علاقة صراعية إلى السيطرة بوصفها بنية إدراكية مغلقة تُعيد إنتاج نفسها.
ثالثًا: المجتمع المدني وحقل القوة
يُعدّ مفهوم المجتمع المدني عند غرامشي عنصرًا محوريًا في فهمه للهيمنة. فليس المجتمع المدني فضاءً محايدًا، بل “خنادق” تُمارَس فيها الهيمنة وتُنتَج فيها الموافقة بوصفها جزءًا من آلية الاستغلال، أي ساحاتٍ للصراع الطبقي. ومع ذلك، تظلّ هذه الموافقة قابلةً للتفكك عبر “حرب المواقع”، حيث يُخاض الصراع داخل المؤسسات والثقافة نفسها. في المقابل، لا يشتغل بورديو ضمن ثنائية الدولة/المجتمع المدني، بل يستبعد هذا المستوى من التحليل لصالح إطار يقوم على تعدّدية الحقول (ومنها حقل السلطة)، حيث تتحدّد مواقع الفاعلين وفق تفاوت الرأسمال، وتتجسّد الهيمنة في قواعد اللعبة ذاتها. وعلى هذا الأساس، لا يدور الصراع بين طبقات بقدر ما يُعاد توزيعه داخل الحقول بوصفه صراعات تمايز بين فاعلين يشغلون مواقع غير متكافئة – غالبًا داخل الطبقة المهيمنة- حول إعطاء المعنى وتحديد الشرعي. وبهذا المعنى، لا يُلغى الصراع عند بورديو، بل يُجزَّأ ويُعاد تموضعه داخل بنى متمايزة، بحيث يفقد طابعه الطبقي الشامل ويغدو أقرب إلى تنافس مُقنَّن داخل شروط كل حقل. ومن ثمّ، لا يظهر النشاط الاجتماعي بوصفه قوة قادرة على اختراق البنية، بل بوصفه مُقيَّدًا بها، ما يجعل ما يسمّيه بورديو “حقولًا” أقلّ انفتاحًا على فعلٍ جماهيري قادر على قلب موازينها. تترتّب على هذا نتيجتان متباينتان: عند غرامشي، المجتمع المدني فضاء سياسي يُمكن خوض الصراع فيه وتفكيك الهيمنة من داخله؛ أمّا عند بورديو، فالحقل فضاء يُعاد فيه إنتاج الهيمنة عبر قواعده، بحيث ينزاح الصراع من مواجهة طبقية مفتوحة إلى تنافس مُقنَّن داخل البنية، مع محدودية أفق الفعل الجماهيري.
| يحتفظ غرامشي بأفق تاريخي يجعل من الوعي والمقاومة ممكنين |
رابعًا: المثقف العضوي والمثقف الكوني
يمثّل سؤال المثقف نقطة الانفجار في حوار بوراووي بين غرامشي وبورديو، لأنه يكشف أن الخلاف بينهما لا يدور حول الثقافة فحسب، بل حول شروط إمكان السياسة ذاتها. فالمثقف العضوي عند الأول ليس حامل معرفة خارجية يهبط على الطبقات المستغَلّة، أو وعيًا خاصًا به، بل وسيطًا تاريخيًا منخرطًا في ممارستها، يعمل على تطوير ما في “الحسّ العام” من “حسّ سليم”، أي تلك النواة الأولى التي تشكّلت من خلال المعيش والممارسة العملية، التي يمكن، عبر الصراع والتنظيم، تحويلها إلى وعي نقدي. وبذلك لا يُفهم الوعي بوصفه مُدخلًا من خارج التجربة الملموسة للطبقات المستغَلّة، بل بوصفه نتاجًا جدليًا لممارستها، بموازاة التصور اللينيني للطليعة الذي يربط تشكّله بدور الحزب في تجاوز حدود العفوية الاقتصادية.
في المقابل، يقلب بورديو هذه الفرضية رأسًا على عقب. فالحسّ العام للطبقات المهيمن عليها ليس حاملًا لبذرة تحررية، بل مجال سوء إدراك، إذ يعيد الهابيتوس إنتاج الخضوع في صورة بداهة اجتماعية. لا تقوم العلاقة بين المثقف والجماهير عند بورديو على سوء تفاهم بسيط، بل على انفصال بنيوي: المثقف يُسقط مفاهيمه، والجماهير تعيش العالم ضمن هابيتوس يُعيد إنتاجه. لذلك يرفض فكرة “المثقف العضوي” بوصفها إسقاطًا مدرسيًا نخبوياً (سكولائيًا) لرغبات المثقفين على الطبقات المهيمن عليها، ويقترح بدلًا منها مثقفًا يدافع عن استقلال الحقل وعن شروط إنتاج “الكوني”، ضمن ما يسمّيه “التشاركية الكونية” ويدعو إليها.
غير أن بوراووي يكشف هنا المفارقة الحاسمة: فبورديو، وهو يفضح ما يسمّيه أوهام المثقف العضوي، يعيد إنتاج أوهام المثقف التقليدي، ذلك الذي يدّعي تمثيل الكوني من موقع اجتماعي مخصوص، ويحوّل استقلاله النسبي إلى دعوى فوق-طبقية. وبذلك، لا يستبدل بورديو فقط مثقف الطبقة العاملة بمثقف الحقل الأكاديمي، بل يستبدل أيضًا عالمية متجذّرة في الصراع بعالمية مشروطة بامتيازات الحقل والرأسمال الرمزي. ومن هنا يتخذ نقد بوراووي حدّته القصوى: فالمشكلة ليست في رفض المثقف العضوي بحدّ ذاته، بل في أن هذا الرفض يعيد تثبيت المسافة بين المثقف والطبقات المهيمن عليها، وهي المسافة نفسها التي تجعل العنف الرمزي ممكنًا. عند هذه النقطة، لا يعود المثقف فاعلًا في الصراع، بل وسيطًا لإعادة إنتاج شروطه.
خامسًا: انقلاب الممارسة على النظرية لدى بورديو
تتمثّل أطروحة بوراووي النقدية في أن نظرية بورديو تعاني من حدّ سياسي بنيوي، على الرغم مما تتيحه من إمكانات تفسيرية متقدّمة؛ فهي تُحسن تفسير استمرارية النظام الاجتماعي، لكنها لا تُسنِد إمكان تغييره. ذلك أن التركيز على الهابيتوس بوصفه منظومة من الاستعدادات المتجسّدة، وعلى سوء الإدراك بوصفه شرطًا لإعادة إنتاج الهيمنة، وهما، لدى بورديو، بُنى حصينة يصعب تجاوزها، ينقل الخضوع من مستوى العلاقة الصراعية إلى مستوى بنية إدراكية ذات ديمومة نسبية، بحيث يُعاش العالم الاجتماعي بوصفه بديهيًا. وبهذا المعنى، لا تُقيَّد أفعال الأفراد فحسب، بل تُقيَّد شروط إمكان وعيهم ذاتها.
غير أن هذا الأفق النظري يفضي إلى مفارقة حاسمة في مسار بورديو نفسه: فبينما تقود أدواته المفاهيمية إلى أفق يقترب من الحتمية البنيوية، نجد ممارسته السياسية – ولا سيما في تسعينيات القرن الماضي- تنخرط في دعم الحركات الاجتماعية ومناهضة النيوليبرالية. ولا تبدو هذه المفارقة عرضية، بل تكشف حدًّا داخليًا في النظرية ذاتها؛ إذ يمارس بورديو، بوصفه فاعلًا، ما لا تتيحه نظريته بوصفها جهازًا تفسيريًا. في المقابل، يحتفظ غرامشي بإمكان التحوّل داخل البنية التحليلية نفسها، حيث لا ينفصل الوعي عن الممارسة، بل يُنتج عبرها. ومن ثمّ، لا يكمن الخلاف بين المنظّرين في تفسير الهيمنة فحسب، بل في إمكان تجاوزها: أهو أفق مفتوح في الصراع، أم حدّ تُعيد البنية إنتاجه باستمرار؟
الخاتمة
تكشف قراءة بوراووي لحوار غرامشي وبورديو المتخيَّل عن تقاطع نظري عميق، يقابله افتراق سياسي حاسم. فبينما يسعى كلاهما إلى فهم دور الثقافة في إعادة إنتاج السيطرة، يختلفان جذريًا في تقييم إمكانية تجاوزها. يحتفظ غرامشي برؤيته عن دور الوعي في الصراع، في حين يميل بورديو إلى إبراز عمق الخضوع واستمراريته. إن القيمة الأساسية لهذا الحوار لا تكمن في حسم التفوق النظري لأحد الطرفين، بل في إبراز التوتر بين تفسير العالم وإمكانية تغييره. وإذا كان بورديو قد كشف آليات العنف الرمزي التي تجعل السيطرة ممكنة، فإن غرامشي يذكّرنا بأن هذه السيطرة، مهما بلغت قوتها، تظل قابلة للمقاومة.
(الكرمل/ حيفا)
(*) “العنف الرمزي: حوارات مع بيير بورديو”، مايكل بوراووي، ترجمة هشام روحانا، دار نينوى- دمشق 2026.