د.سهام يوسف.. جريدة المدى
هناك عبارة تتردد كلما اقتربت يد العدالة من ملفات الفساد الكبرى: “احذروا، إن الاستمرار بهذا المسار سيؤدي إلى انهيار العملية السياسية.»
قد تبدو هذه العبارة، للوهلة الأولى، دعوة إلى الحفاظ على الاستقرار، لكنها في حقيقتها تحمل اعترافا بالغ الخطورة. فهي لا تقول إن المتهمين أبرياء، ولا تنفي وجود الفساد، ولا تطعن في الأدلة، بل تنقل النقاش من سؤال: هل وقعت الجريمة؟ إلى سؤال آخر: هل تتحمل العملية السياسية كشف الجريمة؟
وهنا تكمن المأساة، فالدولة التي تخشى من تطبيق القانون على الفاسدين ليست دولة مأزومة بسبب الفساد فحسب، بل هي دولة أصبح الفساد جزءا من بنيتها، وعنصرا من عناصر توازنها السياسي. عند هذه المرحلة، لا يعود الفاسد مجرد شخص استغل منصبه أو سرق المال العام، بل يصبح حلقة في شبكة معقدة من التمويل السياسي، والتحالفات، والمحاصصة، وتقاسم النفوذ. ولذلك، فإن سقوط فرد واحد لا ينظر إليه بوصفه انتصارا للعدالة، وإنما بوصفه تهديدا لبقية الحلقات المرتبطة به.
من هنا يمكن فهم سر العبارات التي بدأت تظهر على لسان بعض السياسيين، حين يتحدثون عن أن حملة مكافحة الفساد قد “تنسف العملية السياسية”، أو أن هناك خطوطا حمراء لا ينبغي تجاوزها، أو أن الوصول إلى بعض الملفات قد يفتح أبوابا لا يمكن إغلاقها.
لكن السؤال الذي يجب أن يطرح ليس: لماذا يخشون على العملية السياسية؟ بل: أي عملية سياسية هذه التي لا تستطيع الوقوف على قدميها إذا طبق القانون؟
قبل سنوات، قال أحد قادة العملية السياسية عبارته الشهيرة، لدي ملفات لو كشفتها لانهارت العملية السياسية. يومها اعتقد كثيرون أنها مجرد رسالة ضغط في خضم صراع سياسي. لكن مع مرور الزمن، ومع تكرار الحديث عن أن فتح بعض ملفات الفساد قد يطيح بالنظام السياسي أو يربك توازناته، تبدو تلك العبارة وكأنها لم تكن تهديدا، بل وصفا لطبيعة المنظومة نفسها.
فإذا كان كشف الحقيقة يؤدي إلى انهيار النظام، فإن المشكلة ليست في الحقيقة، وإنما في النظام الذي بني على إخفائها.
إن أخطر أنواع الفساد ليس ذلك الذي يسرق المال العام، بل ذلك الذي ينتج السلطة نفسها. حين تتحول الأموال المشبوهة إلى وسيلة لتمويل الحملات الانتخابية، وحين تصبح الرشاوى طريقا للوصول إلى البرلمان، وحين تصنع التحالفات على أساس تبادل المصالح لا على أساس البرامج، فإن الفساد لا يعود سلوكا منحرفا داخل الدولة، بل يصبح هو الآلية التي تدار بها الدولة.
عندئذ، تصبح ملاحقة الفاسدين أشبه بمحاولة سحب حجر الأساس من بناء كامل، لأن كل حجر يقود إلى حجر آخر، وكل اسم يقود إلى اسم أكبر، حتى تصل الخيوط إلى مراكز القرار نفسها. ولهذا لا يكون الخوف من انهيار العملية السياسية بسبب مكافحة الفساد، بل بسبب انكشاف الطريقة التي تشكلت بها هذه العملية منذ البداية.
لكن، هل هذا هو منطق الدول التي نجحت؟ التاريخ يجيب بالنفي.
حين قررت سنغافورة أن تجعل من مكافحة الفساد مشروعا وطنيا، لم يقل أحد إن الدولة ستنهار إذا حوسب الوزراء وكبار المسؤولين، بل كان الاعتقاد السائد أن الدولة لن تقوم إلا إذا خضع الجميع للقانون. وحين أنشأت هونغ كونغ هيئتها المستقلة لمكافحة الفساد، لم ترسم خطوط حمراء أمام التحقيقات، ولم تمنح الحصانة للنافذين بحجة حماية النظام السياسي. وفي كوريا الجنوبية، لم يمنع موقع الرئاسة أو النفوذ السياسي من محاكمة رؤساء سابقين وكبار المسؤولين، لأن بقاء الدولة كان أهم من بقاء الأشخاص، وبقاء القانون أهم من بقاء النخب. لم نقرأ في أي تجربة ناجحة أن العدالة كانت خطرا على النظام، بل كان الفساد هو الخطر الحقيقي عليه.
أما في الأنظمة الهشة، فإن المعادلة تنقلب رأسا على عقب. يصبح الفساد ضرورة للاستقرار، ويصبح السكوت عنه حكمة سياسية، وتتحول العدالة إلى مغامرة ينبغي الحذر منها. وهنا لا يعود المطلوب حماية الدولة، وإنما حماية التوازنات التي صنعتها شبكات المصالح.
إن أخطر ما يمكن أن تصل إليه أي سلطة هو أن تقتنع بأن بقاءها أهم من بقاء القانون، وأن انهيار منظومتها أخطر من انهيار ثقة الناس بالدولة. عندها تصبح العدالة انتقائية، والمحاسبة موسمية، والفساد قابلا للتسوية إذا كان أصحابه من أصحاب النفوذ.
ولهذا، فإن تخويف الناس بانهيار العملية السياسية لم يعد يقنع أحدا. لأن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو، ماذا بقي من هذه العملية إذا كانت لا تستطيع أن تعيش إلا بحماية الفاسدين؟
وإذا كان تطبيق القانون على الجميع، بلا استثناء، سيؤدي فعلا إلى سقوط منظومة سياسية كاملة، فإن ذلك ليس دليلا على خطأ القانون، بل دليل على أن هذه المنظومة قامت على أساس معيب.
إن الدولة لا تقاس بقدرتها على حماية الطبقة الحاكمة، وإنما بقدرتها على إخضاعها للقانون، لذلك، فإن العبارة التي يراد منها إخافة الناس يجب أن تقلب على أصحابها، إذا كانت مكافحة الفساد ستؤدي إلى انهيار العملية السياسية، فلتنهار.
فما ينهار بسبب العدالة لا يستحق البقاء، وما لا يصمد أمام سيادة القانون لم يكن مشروع دولة أصلا، بل كان مشروع سلطة.