محمد الربيعي… جريدة المدى
تظل معضلة الفساد العقبة الكبرى التي تقوض بناء الدول وتحول بينها وبين الاستقرار والتنمية، وفي تاريخ السياسة الحديثة يبرز اسم لي كوان يو، الاب المؤسس لسنغافورة الحديثة، كرمز تاريخي للانتصار الكامل على الفساد. وتأخذ مقولته الشهيرة التي يؤكد فيها انه اذا كنت تريد هزيمة الفساد فكن مستعدا لوضع اصدقائك واقاربك خلف القضبان بعدا واقعيا يتجاوز حدود بلاده ليصبح معيارا تقاس به جدية اي حراك اصلاحي في العالم، بما في ذلك المشهد السياسي العراقي الحالي الذي يشهد محاولات جادة لضرب شبكات النفوذ المالي والسياسي.
عندما تسلم لي كوان يو حكم سنغافورة في ستينيات القرن الماضي، كانت الجزيرة تغرق في مستنقع من الفقر والرشوة والمحسوبية، لكنه ادرك ان بناء اقتصاد قوي يتطلب اولا بيئة نزيهة جاذبة للاستثمار. ولم تكن فلسفته قائمة على سن القوانين فحسب بل على الصرامة المطلقة في تطبيقها دون تمييز، ولعل تصفية الدائرة المقربة منه سياسيا وشخصيا كانت الرسالة الاقوى للشعب وللفاسدين، فحينما طالت تحقيقات الكسب غير المشروع وزراء مقربين منه مثل وزير التنمية الوطنية تيج تشانغ وان، رفض رئيس الوزراء التدخل او حتى منحه مقابلة شخصية مفضلا ترك القانون ياخذ مجراه، مما ارسخ مبدا العدالة العمياء التي لا ترى صلة قرابة او تحالف سياسي.
على الجانب الاخر من المشهد، يعيش العراق منذ عقود صراعا مريرا مع منظومة فساد هيكلية توصف بانها عابرة للمؤسسات، وفي الاونة الاخيرة اتخذ رئيس الوزراء خطوات وصفت بالجريئة عبر اطلاق حملات لملاحقة والقاء القبض على عدد من كبار المسؤولين والمقاولين من حيتان الفساد. وان مقاربة هذه الاجراءات العراقية الحالية مع التجربة السنغافورية تضعنا امام اختبار حقيقي ومحوري يبدا اولا بكسر حصانة الخطوط الحمراء، فاعتقال شخصيات كانت تعتبر حتى وقت قريب فوق القانون بسبب نفوذها المالي او حمايتها السياسية يمثل البداية الفعلية لتطبيق معادلة لي كوان يو في البيئة العراقية.
لكن الصعوبة البالغة في العراق تكمن في طبيعة النظام السياسي القائم على المحاصصة والتوافقية، ففي سنغافورة كان القرار بيد سلطة مركزية حازمة، اما في العراق فان الاصدقاء والاقارب بمفهوم لي كوان يو لا يعنون صلة الدم الفردية فحسب بل يشملون الحلفاء السياسيين واعضاء الكتل الكبرى والشركاء في ادارة السلطة. وهنا يبرز التحدي الاكبر حول مدى استمرارية هذه الاجراءات الحكومية لتطال الحيتان من جميع الاطراف دون محاباة او انتقائية، فضلا عن الحاجة الماسة لمأسسة هذه المحاسبة وتجفيف منابع الفساد، لان لي كوان يو لم ينتصر بالاعتقالات الفردية المؤقتة فقط بل بتاسيس منظومة تشريعية وقضائية مستقلة وقوية تحمي الدولة على المدى الطويل.
تثبت تجربة سنغافورة في نهاية المطاف ان الفساد ليس قدرا محتوما على الشعوب بل هو مرض يمكن الشفاء منه اذا توفرت الارادة السياسية الشجاعة، والاجراءات الاخيرة في العراق بالقبض على بعض حيتان الفساد هي خطوة بالاتجاه الصحيح حظيت بترحاب شعبي واسع، لكنها تظل بحاجة الى التمسك التام بنصيحة الزعيم السنغافوري الراحل بان يوضع القانون فوق الولاءات وان تسقط الحصانات السياسية والحزبية امام مصلحة الدولة العليا، فمعركة مكافحة الفساد لا تكتمل بضرب الذيول بل بقطع رؤوس شبكات النفوذ مهما كانت درجة قربها من دوائر القرار.