بعد أشهر من الانتظار، اكتمل، أخيراً، تشكيل مجلس الشعب السوري (مهما كانت تسميته)، بتعيين الثلث المكمل لأعضائه، ولم يتبق لانعقاد دورته الأولى سوى حل عقدة افتتاحه، وانتخاب رئاسته (قد تأخذ أسابيع أخرى). ورغم أن تشكيل المجلس استحقاقٌ مهمٌّ في المرحلة الانتقالية التي تعيشها سورية بعد سقوط نظام الأسد، فإن التركيز لا ينبغي أن يظل منصبّاً على أسباب تأخر التئامه، أو تركيبته، أو مسألة التنافس على رئاسته، بل يجب أن ينصرف إلى طبيعة المؤسّسة نفسها والدور المنوط بها في المرحلة الانتقالية. فهل يُراد للمجلس أن يكون منطلقاً لقيام سلطة تشريعية مستقلة، أم هو إعادة إنتاج للنموذج الذي عرفته سورية طوال العقود الستة الماضية، حيث كان البرلمان أحد مؤسّسات الدولة، لكنه لم يكن يوماً جزءاً من نظام الحكم.
لا تكمن الإشكالية الأولى في طريقة تكوين المجلس فحسب، رغم أن غياب الانتخابات يطرح أسئلة جدّية حول شرعيته التمثيلية، فكل البرلمانات الانتقالية في العالم، تقريباً، عانت بدرجات متفاوتة من نقص التمثيل الشعبي. غير أن هذه المسألة، عندما تقترن بغياب الصلاحيات، تصبح عقدة حقيقية. فالبرلمان يكتسب شرعيته من مصدرين: أن يعكس الإرادة الشعبية الحرة، وامتلاكه أدوات حقيقية للتشريع والرقابة والمساءلة. وإذا غاب المصدران معاً (شرعية التمثيل وصلاحية المساءلة) يتحول المجلس، مهما كانت مؤهلات أعضائه، ومهما حسنت نياتهم، إلى هيئة استشارية، تضع ختمها على المراسيم والقوانين التي تقترحها السلطة التنفيذية، بدل أن يكون سلطة دستورية فعلية. وهذا يقودنا الى الإشكالية الثانية، فالدستور المؤقت لا يمنح المجلس الحق في منح الثقة للحكومة أو حجبها عنها، كما لا يملك وسائل فعلية لمحاسبة السلطة التنفيذية أو مساءلتها، وبذلك تنتفي أهم الوظائف التي تجعل منه سلطة مستقلة.
ليس هذا الترتيب جديداً في التاريخ السياسي السوري المعاصر، فآخر انتخابات برلمانية حقيقية جرت عام 1954، ولم تعرف البلاد برلماناً ذا وزن سياسي حقيقي منذ الوحدة مع مصر، 1958. وفي فترة “البعث” تحول مجلس الشعب تدريجيّاً إلى مؤسسة صورية تمنح الشرعية لقرارات لا تشارك في صنعها، بل تتخذ داخل أروقة السلطة التنفيذية والأجهزة الأمنية قبل أن تحال إليها للمصادقة عليها.
أتاح انهيار النظام السابق فرصة نادرة لإعادة بناء العلاقة بين السلطات على أسس جديدة، غير أن المؤشرات الأولية لا توحي بأن الأمور ذاهبة بالضرورة، في هذا الاتجاه. وإذا صحّ هذا الانطباع، نكون بصدد استبدال نخبة برلمانية بأخرى، لا استبدال نموذج الحكم نفسه. فوق هذا، سوف يواجه البرلمان المعين تحدّي تلافي تكرار النموذج العراقي. فبعد 2003 نجح العراق في بناء أحد أكثر البرلمانات تمثيلاً في المنطقة، من حيث الشكل، لكنه فشل في التحول إلى مؤسسة دستورية فاعلة. الأسوأ من ذلك أن البرلمان صار ساحة لتقاسم الدولة (التي جرى التعامل معها كغنيمة)، بدل أن يكون أداة للرقابة على الحكومة. وبمرور الوقت أصبحت العضوية البرلمانية مدخلاً للوصول إلى النفوذ والامتيازات، وتراجعت الوظيفة التشريعية والرقابية لحساب الصفقات السياسية، حتى تحول البرلمان، كما أظهرت الشواهد أخيراً، إلى أحد أبرز رموز الفساد السياسي. تقديري أن هذا لن يحصل في سورية، لاختلاف السياقات، والظروف، وقلة الموارد، لكن المخاوف تظل مشروعة لأن ضعف البرلمان لا يقود إلى هيمنة السلطة التنفيذية فقط، بل قد يقود أيضاً إلى نشوء طبقة سياسية جديدة توظف المؤسّسة التشريعية لخدمة مصالحها الخاصة، إذا غابت قواعد الشفافية والمساءلة والرقابة المجتمعية، وفي مقدمتها الانتخابات. وعليه، مستقبل مجلس الشعب السوري المعين لن يتحدد بعدد القوانين التي سيصدرها، ولا بعدد جلساته، بل بقدرته على التحول إلى فضاء للنقاش العام، وإلى مؤسسة قادرة على مساءلة الحكومة، وتمثيل المصلحة العامة، والدفاع عن استقلالها.
ويبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل التجربة السورية: هل تنظر السلطة الجديدة إلى مجلس الشعب شريكاً في الحكم، أم مصدراً للشرعية السياسية؟ فالفارق بين الأمرين هو بين بناء نظام دستوري جديد وإعادة إنتاج النموذج الذي حكم سورية عقوداً. فالدول لا تتغير عندما يتغير شاغلو المؤسّسات، وإنما عندما تتغير وظيفة المؤسّسات نفسها. وإذا لم يصبح مجلس الشعب سلطة حقيقية قادرة على تقييد السلطة التنفيذية ومساءلتها، فلن يكون اكتمال تشكيله بداية لعهد سياسي جديد، كما يأمل السوريون، بل مجرد فصل آخر في تاريخ طويل من البرلمانات التي وُجدت لتزكية السلطة، لا لمراقبتها، وهذه المسؤولية تقع كليّاً على عاتق البرلمانيين الجدد.