
إيران لا تدخل التفاوض كي تتخلى عن مشروعها بل لتحميه من الانهيار (اندبندنت عربية)
ملخص
أي تفاهم جديد مع إيران يبقى هشاً ما لم يتعامل مع جوهر المشكلة لا مع أعراضها، ولا يكفي أن تفتح طهران مضيق هرمز إذا بقيت تستخدمه كورقة ابتزاز، أو أن تسمح بتفتيش محدود إذا بقيت تحتفظ بحق المراوغة، أو أن تحصل على أموال مجمدة بحجة الاقتصاد والمواطن الإيراني، إذا كانت بنية النظام نفسها قائمة على تمويل الحرس الثوري وأذرعه في الإقليم.
لا يمكن قراءة التفاهم الأخير بين إيران والولايات المتحدة باعتباره اتفاقاً منفصلاً عن تاريخ طويل من الصفقات الموقتة بين الطرفين، وهو ليس بداية جديدة، بل حلقة إضافية في المسار الذي دأبت طهران وواشنطن على اعتماده، الأولى تُصعد حتى حافة الانفجار، ثم تفاوض عندما تصبح الكلفة عالية، وتقدم الحد الأدنى من الالتزامات مقابل الحد الأقصى من المكاسب المالية والسياسية، أما الثانية ففي كل مرة تصل فيها سياسة الاحتواء أو الضغط إلى حدودها القصوى، تجد نفسها أمام الخيار نفسه، أي العودة للتفاوض، ليس بحثاً عن شراكة، بل سعياً إلى ضبط أزمة لا تستطيع تجاهل تداعياتها.
المفاوضات لإيران حماية لمشروعها
هنا تكمن العقدة الأساسية، فإيران لا تدخل التفاوض كي تغير مشروعها، بل كي تحميه من الانهيار. وحين تضيق العقوبات، تتحدث عن الدبلوماسية، وحين تحتاج إلى أموالها المجمدة، تفتح قنوات خلفية، وحين تتعرض منشآتها أو أذرعها للضغط، تبيع التهدئة الموقتة باعتبارها “انتصاراً سيادياً”. لكنها، في المقابل، لا تتخلى عن جوهر المعادلة أي البرنامج النووي والصواريخ والحرس الثوري وأذرع النفوذ في المنطقة.
والتفاهم الأخير والموقع في الـ17 من يونيو (حزيران) الماضي يعيد إنتاج هذه القاعدة بوضوح، فالمسار لا يقوم حتى الآن على تسوية شاملة، بل على إدارة أزمة مضيق هرمز والأموال المجمدة ووقف التصعيد وفتح قناة تفاوض تقنية. حتى الملف النووي نفسه لا يزال مؤجلاً إلى مفاوضات لاحقة، فيما الخلافات قائمة حول التفتيش ومصير اليورانيوم المخصب وحجم رفع العقوبات وآلية الإفراج عن الأموال، مما يعني أن الاتفاق لم يولد كحل نهائي، بل كترتيب هش لتأجيل الانفجار.
ووفقاً للتقارير الإعلامية فإن المحادثات في الدوحة ركزت على مضيق هرمز والأموال الإيرانية المجمدة، لا على تسوية نهائية مكتملة للملف النووي.
المشكلة إذاً ليست في نص التفاهمات، بل في النية السياسية، فالغرب يريد من الاتفاق أن يكون نهاية للأزمة، بينما ترى إيران فيه إدارة للأزمة، ويبحث الغرب عن تجميد الخطر، فيما تستثمر طهران في هذا الخطر، ويفاوض الغرب على أجهزة الطرد المركزي المستخدمة في تخصيب اليورانيوم، وتفاوض طهران على نظام نفوذ كامل يمتد من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن.
لذلك، أي تفاهم جديد مع إيران يبقى هشاً ما لم يتعامل مع جوهر المشكلة لا مع أعراضها، ولا يكفي أن تفتح طهران مضيق هرمز إذا بقيت تستخدمه كورقة ابتزاز، أو أن تسمح بتفتيش محدود إذا بقيت تحتفظ بحق المراوغة، أو أن تحصل على أموال مجمدة بحجة الاقتصاد والمواطن الإيراني، إذا كانت بنية النظام نفسها قائمة على تمويل الحرس الثوري وأذرعه في الإقليم.
اتفاقات تشتري الوقت لإيران
يقول التاريخ إن طهران لا تلتزم عندما يخف الضغط، بل فقط بقدر ما تخاف من الكلفة، وكل اتفاق لا يربط المال بالسلوك ولا يربط ملفها النووي بالصواريخ ولا يربط التهدئة الإقليمية بسلاح الأذرع وتمويلها، سيكون مجرد نسخة جديدة من الاتفاقات السابقة، يشتري وقتاً لإيران ويبيع وهماً للغرب. ولهذا تحديداً لم تستمر الاتفاقات السابقة، سقطت لأنها كانت بلا تغيير حقيقي في سلوك النظام الإيراني. فاتفاق عام 2015 مثلاً قيّد بعض جوانب البرنامج النووي، لكنه ترك الصواريخ والميليشيات والنفوذ الإقليمي خارج المعادلة، والنتيجة أن إيران حصلت على تنفس اقتصادي وسياسي، بينما بقي مشروعها الإقليمي يعمل بكامل طاقته. وعندما انسحبت واشنطن من الاتفاق عام 2018، عادت طهران لرفع مستوى التخصيب والتصعيد، وكأن الاتفاق كان هدنة تقنية لا تحولاً استراتيجياً.
ومنذ اتفاق الجزائر عام 1981، مروراً بالتفاهمات النووية مع الأوروبيين عامي 2003 و2004، ثم اتفاق جنيف المرحلي عام 2013، وصولاً إلى الاتفاق النووي عام 2015، لم تكُن المشكلة في غياب الاتفاقات، بل في طبيعتها. فكل مرة كان الغرب يتعامل مع إيران كدولة يمكن ضبط سلوكها عبر الحوافز والضمانات، فيما كانت طهران تتعامل مع الاتفاق كاستراحة داخل الصراع، لا كخروج منه.
وعليه، لا توقع طهران الاتفاقات كي تنهي الصراع، بل لتديره، وتشتري الوقت وتفك الضغط وتعيد ترتيب أوراقها. ومنذ 1981 حتى اليوم، كل اتفاق مع واشنطن أو أوروبا انتهى تقريباً بالطريقة نفسها، مكاسب مالية أو سياسية لإيران، والتزامات تقنية قابلة للمراوغة، ثم انهيار أو تجميد أو عودة للتصعيد.
فما هي أبرز الاتفاقات مع المجتمع الدولي التي وقعت عليها إيران؟
اتفاق الجزائر 1981: إنهاء أزمة الرهائن لا إنهاء حال العداء
كان اتفاق الجزائر في الـ19 من يناير (كانون الثاني) عام 1981 أول اتفاق كبير بين طهران وواشنطن بعد الثورة الإيرانية لإنهاء أزمة احتجاز موظفي السفارة الأميركية في طهران. وأشار إلى مجموعة من الالتزامات والتعهدات المتبادلة التي تم التوقيع عليها عبر الوساطة الدبلوماسية الجزائرية في إنهاء أزمة الرهائن الأميركيين المحتجزين في إيران لمدة 444 يوماً. وأُفرج عن آخر 52 رهينة أميركياً كانوا محتجزين داخل السفارة الأميركية في طهران منذ الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 1979، وتزامن ذلك مع تنصيب رونالد ريغان رئيساً للولايات المتحدة. وأُنجز ذلك مقابل ترتيبات مالية وقانونية شملت الإفراج عن أصول إيرانية وتأسيس آلية تحكيم للمطالبات بين الطرفين. وقاد هذه الوساطة الدبلوماسية وزير الخارجية الجزائري آنذاك محمد الصديق بن يحيى، فتُوّجت هذه الجهود بتوقيع “بيان الجزائر”، مما جنب المنطقة تصعيداً عسكرياً واسعاً كان متوقعاً في ذلك الوقت.
لكن هذا الاتفاق لم يفتح باب التطبيع ولا المصالحة، وانتهى عملياً بتبادل الرهائن مقابل أموال وترتيبات قضائية. وخرجت إيران منه وقد ثبتت معادلة خطرة وهي أنها تستطيع خلق أزمة كبرى، ثم تحويلها إلى ورقة تفاوض، أما العلاقة الأميركية-الإيرانية فبقيت علاقة عداء، لا علاقة دولة بدولة.
فضيحة “إيران-كونترا”: التفاوض السري تحت شعار العداء العلني
خلال ثمانينيات القرن الـ20، ظهرت فضيحة “إيران-كونترا” أو “إيران-غيت”، وهي من أشهر الفضائح السياسية التي شهدتها الولايات المتحدة، إبان الحرب الباردة مع الاتحاد السوفياتي، وأشارت لجان تحقيق أميركية حينها إلى تورط الرئيس السابق رونالد ريغان فيها. وهذه الفضيحة عبارة عن صفقة سرية، إذ باعت إدارة ريغان وخلال فترة ولايته الثانية لإيران أسلحة بوساطة إسرائيلية، أثناء حربها مع العراق، على رغم قرار حظر بيع الأسلحة إلى طهران وتصنيف الإدارة الأميركية لها “عدوة لأميركا” و”راعية للإرهاب”، وعلى رغم اعتبار إيران أميركا بمثابة “الشيطان الأكبر”.
وفي المقابل، استخدمت واشنطن أموال الصفقة وأرباحها في تمويل سري لحركة معارضة الثورة المعروفة بـ”الكونترا” التي كانت تحارب للإطاحة بالحكومة اليسارية و”الجبهة الساندينيستا للتحرير الوطني” الحاكمة لنيكاراغوا، وحظيت بدعم من الاتحاد السوفياتي سابقاً وكوبا. ولم يكُن اتفاقاً رسمياً معلناً، لكنه كان دليلاً باكراً على أن طهران تتقن لعبة البابين والخطابين، شتائم في العلن، وصفقات عبر البوابات الخلفية، وأن النظام الإيراني لا يرى في التناقض مشكلة، ويمكن أن يرفع شعار “الموت لأميركا”، وأن يفاوضها عندما يحتاج إلى ذلك. لكن مصير الاتفاق كما هو معلوم، كان فضيحة سياسية في واشنطن من الطراز الأول.
اتفاق 2003 مع “الترويكا الأوروبية”: عندما اشترت إيران الوقت تحت ضغط الخوف من النموذج العراقي
لم يأتِ اتفاق طهران مع “الترويكا الأوروبية” عام 2003 من فراغ، بل وُلد في لحظة إقليمية استثنائية كانت فيها إيران أمام واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ عام 1979. فالولايات المتحدة، الخارجة من هجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) 2001، كانت أسقطت نظام “طالبان” في أفغانستان شرق إيران، ثم أطاحت بنظام صدام حسين في العراق غربها. ووجدت طهران نفسها محاصرة بقوات أميركية على حدودها، وإدارة في واشنطن تعتبرها جزءاً من “محور الشر”، مما جعل احتمال انتقال الضغط الأميركي إلى إيران هاجساً حقيقياً داخل مراكز القرار الإيرانية.
في تلك اللحظة، اختارت طهران فتح المسار الأوروبي كخط دفاع دبلوماسي، وفي أكتوبر (تشرين الأول) عام 2003، دخلت في مفاوضات مع وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا وألمانيا، عُرفت لاحقاً باسم “الترويكا الأوروبية”، وكان الهدف الأوروبي منع أزمة نووية جديدة في الشرق الأوسط بعد العراق، فيما كان هدف إيران الأساس كسر العزلة وتخفيف احتمالات المواجهة.
وكان أن قدمت إيران سلسلة تعهدات، أبرزها التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والتوقيع على البروتوكول الإضافي الذي يسمح بعمليات تفتيش أكثر توسعاً، إضافة إلى تعليق تخصيب اليورانيوم بصورة “طوعية وموقتة”. لكن هنا كانت نقطة الخلاف التي حملت بذور انهيار الاتفاق منذ اليوم الأول، فأوروبا تعاملت مع التعليق باعتباره خطوة أولى نحو ضمانات طويلة الأمد تمنع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية، بينما تعاملت طهران معه باعتباره إجراءً سياسياً قابلاً للتراجع وليس تنازلاً استراتيجياً.
بمعنى آخر، لم تتخلَّ إيران عن حقها في التخصيب، بل جمدته لحظة كانت فيها موازين القوى ضدها. وخلال فترة التهدئة، نجحت طهران في تجنب العزلة الدولية وكسب الوقت وإبعاد شبح المواجهة العسكرية، لكنها بقيت متمسكة ببنيتها النووية. ومع تراجع زخم الحرب الأميركية في العراق وتحولها إلى استنزاف طويل لواشنطن، تغيرت حسابات إيران، ولم تعُد تشعر بالضغط نفسه، وبدأت تعتبر أن مرحلة الخطر المباشر انتهت.
ومع وصول الرئيس محمود أحمدي نجاد إلى السلطة عام 2005، أعلنت طهران استئناف بعض أنشطتها النووية، وانهار عملياً المسار الأوروبي. وكان ذلك دليلاً بالنسبة إلى الغرب على أن إيران استخدمت التعليق للمناورة، أما بالنسبة إلى طهران فكان الاتفاق قد أدى وظيفته، أي عبور مرحلة الخطر. لذلك بقي اتفاق 2003 نموذجاً باكراً لطريقة إيران في إدارة المواجهة مع الغرب، فعندما ترتفع الكلفة على الداخل تذهب إلى التفاوض، وعندما يتراجع الضغط تعود لتوسيع هامش الحركة.
اتفاق باريس 2004: حين اصطدمت الضمانات الأوروبية بمنطق إيران في كسب الوقت
جاء اتفاق باريس في نوفمبر 2004، امتداداً مباشراً لتفاهم طهران مع “الترويكا الأوروبية” عام 2003، لكنه كان محاولة أكثر تنظيماً لتحويل التهدئة الموقتة إلى إطار سياسي طويل الأمد. فقد أدركت أوروبا أن تعليق التخصيب الذي أعلنته إيران بعد اتفاق طهران لا يكفي وحده لضمان سلمية البرنامج النووي، وأن المطلوب لم يعُد مجرد تهدئة للأزمة، بل إيجاد صيغة تمنع تحول إيران إلى دولة على عتبة امتلاك قدرة نووية عسكرية. وكانت المعادلة واضحة، أوروبا تريد ضمانات طويلة المدى، وطهران تريد اعترافاً بحقها في امتلاك دورة نووية كاملة مع تجنب العقوبات والعزلة.
وبموجب اتفاق باريس، وافقت إيران على استمرار التعليق الطوعي لكل الأنشطة المرتبطة بتخصيب اليورانيوم، بما يشمل تصنيع واختبار أجهزة الطرد المركزي، طوال فترة المفاوضات مع بريطانيا وفرنسا وألمانيا. وفي المقابل، تعهد الأوروبيون بالتفاوض على حزمة تعاون واسعة تشمل الملفات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية، ودعم حصول إيران على التكنولوجيا النووية السلمية. لكن، كما في اتفاق طهران 2003، بقيت المشكلة في تفسير الالتزامات، إذ إن أوروبا اعتبرت التعليق جسراً نحو اتفاق نهائي يفرض قيوداً طويلة الأمد على البرنامج الإيراني، بينما رأت طهران أن التعليق ليس سوى إجراء موقت لبناء الثقة، ولا يعني التخلي عن حقها في التخصيب.
وخلال تلك الفترة، استخدمت طهران المسار الدبلوماسي لتجنب نقل الملف سريعاً إلى مجلس الأمن، ولمنع تشكل جبهة دولية موحدة ضدها. ومنحت المفاوضات الأوروبية إيران هامشاً سياسياً مهماً، في مرحلة كانت لا تزال فيها تداعيات الغزو الأميركي للعراق حاضرة، وكانت القيادة الإيرانية تخشى أن تكون الهدف التالي للضغط الأميركي. لكن مع مرور الوقت، بدأ الاتفاق يفقد قوته، واعتبرت إيران أن العروض الأوروبية لا تمنحها ما يكفي من المكاسب ولا تعترف عملياً بحقها الكامل في التخصيب، بينما رأى الأوروبيون أن طهران لا تقدم ضمانات حقيقية بأن برنامجها سيبقى سلمياً.
ومع وصول محمود أحمدي نجاد إلى السلطة عام 2005، تغير الخطاب الإيراني من سياسة التهدئة الحذرة إلى المواجهة المفتوحة، وأعادت إيران تشغيل منشأة تحويل اليورانيوم في أصفهان، وبدأ الانهيار الفعلي لمسار باريس، لينتقل الملف لاحقاً من التفاوض الأوروبي إلى مجلس الأمن الدولي والعقوبات.
اتفاق جنيف 2013: استراحة تحت ضغط العقوبات قبل العودة لتثبيت النفوذ
جاء اتفاق جنيف عام 2013 في لحظة كانت فيها إيران تواجه واحداً من أقسى الضغوط الاقتصادية منذ الثورة، بعدما بدأت العقوبات الدولية تضرب قطاع النفط والنظام المصرفي وتنعكس مباشرة على الداخل الإيراني. ومع وصول الرئيس حسن روحاني إلى السلطة، اختارت طهران العودة للدبلوماسية ليس من موقع التخلي عن مشروعها، بل من موقع الحاجة إلى تخفيف الكلفة وإعادة فتح قنوات التواصل مع الغرب.
وبالنسبة إلى واشنطن، كان الاتفاق محاولة لمنع تحول الأزمة النووية إلى مواجهة عسكرية، والانتقال من سياسة عزل إيران إلى محاولة ضبط برنامجها عبر التفاوض. أما بالنسبة إلى طهران، فشكل فرصة لكسر العزلة والحصول على متنفس اقتصادي، من دون تقديم تنازلات تمس جوهر قوتها الاستراتيجية. لكن لم يكُن اتفاق جنيف نهاية للأزمة، بل محطة انتقالية نحو اتفاق 2015، إذ نجح في تجميد التصعيد لكنه لم يعالج الخلاف الأعمق المرتبط بدور إيران الإقليمي وبرنامجها الصاروخي وأذرعها العسكرية. ومرة جديدة تكررت المعادلة نفسها، أي إن الغرب كان يبحث عن احتواء الخطر الإيراني، بينما كانت طهران تبحث عن تخفيف الضغط مع الاحتفاظ بأوراق القوة التي صنعت هذا الخطر.
الاتفاق النووي 2015: أكبر صفقة ووهم
في الـ14 من يوليو (تموز) عام 2015، وُقع الاتفاق النووي بين إيران والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي، ونص على قيود على تخصيب اليورانيوم وأجهزة الطرد والمخزون النووي، مقابل رفع عقوبات أممية وأوروبية وأميركية مرتبطة بالملف النووي. ودخل حيز التنفيذ في الـ16 من يناير 2016 بعد تحقق الوكالة الدولية للطاقة الذرية من تنفيذ إيران التزاماتها النووية الأساسية.
شكل الاتفاق النووي عام 2015، المعروف باسم “خطة العمل الشاملة المشتركة”، ذروة المسار التفاوضي بين إيران والمجتمع الدولي بعد أكثر من عقد من المواجهة حول برنامجها النووي. وجاء الاتفاق بعد سنوات من العقوبات الاقتصادية القاسية التي أرهقت الاقتصاد الإيراني، وبعد قناعة غربية بأن سياسة العزل وحدها لم توقف تقدم البرنامج النووي. ومع وصول إدارة الرئيس باراك أوباما، انتقلت واشنطن من منطق إسقاط قدرة إيران النووية بالكامل إلى محاولة ضبطها واحتوائها عبر القيود والرقابة الدولية.
أما طهران التي كانت تبحث عن رفع العقوبات واستعادة مليارات الدولارات المجمدة وإعادة فتح اقتصادها، فدخلت الاتفاق من دون التخلي عن البنية الأساسية لقوتها. وكانت الصفقة قائمة على معادلة واضحة، قيود على البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع تدريجي للعقوبات وعودة إيران للأسواق الدولية. واعتبرته واشنطن وسيلة لمنع إيران من الوصول إلى السلاح النووي، بينما قدمته طهران داخلياً كاعتراف دولي بحقها في امتلاك برنامج نووي ونجاح في انتزاع المكاسب من دون الاستسلام للضغط. لكن نقطة الضعف الكبرى في الاتفاق أنه فصل الملف النووي عن بقية عناصر القوة الإيرانية.
وعالج الاتفاق أجهزة الطرد المركزي ومستويات التخصيب والرقابة الدولية، لكنه لم يشمل برنامج الصواريخ الباليستية ولا دور الحرس الثوري ولا شبكة النفوذ الإيرانية الممتدة في المنطقة. وخلال الأعوام التي تلت توقيع الاتفاق، اعتبر منتقدوه أن إيران استفادت من الانفتاح الاقتصادي والسياسي لتعزيز موقعها الإقليمي، بينما بقيت ملفات سوريا والعراق ولبنان واليمن خارج أية قيود حقيقية، وخرجت إيران بأموال وشرعية واعتراف بدورها التفاوضي، من دون أن تدفع ثمناً إقليمياً حقيقياً. لذلك لم يصمد الاتفاق أمام تغير الحسابات السياسية في واشنطن، فعام 2018 انسحبت إدارة الرئيس دونالد ترمب منه، معتبرةً أنه اتفاق ناقص لأنه أجّل المشكلة النووية ولم يعالج مصادر التهديد الأخرى، أي إنه لم يردع برنامج الصواريخ ولا أنشطة إيران الإقليمية، وأعادت فرض العقوبات.
وردت إيران لاحقاً بتقليص التزاماتها تدريجاً ورفع مستوى أنشطتها النووية. وهكذا تحول الاتفاق الذي كان يُفترض أن يؤسس لمرحلة جديدة، إلى هدنة موقتة داخل الصراع الطويل بين إيران والغرب. فالخلاف لم يكُن فقط حول كمية اليورانيوم أو عدد أجهزة الطرد المركزي، بل حول سؤال أكبر، هل الهدف هو ضبط أدوات القوة الإيرانية أم تغيير السلوك الذي يستخدم هذه الأدوات؟ وهنا تحديداً فشل اتفاق 2015، كما فشلت اتفاقات سابقة، لأنه عالج جزءاً من المشكلة وترك جوهرها قائماً.
تفاهمات 2026: إدارة الانفجار لا إنهاء للصراع
وتأتي تفاهمات عام 2026 بين واشنطن وطهران كحلقة جديدة في المسار نفسه الذي حكم العلاقة بين الطرفين منذ أربعة عقود، ضغط يصل إلى حدود المواجهة، ثم عودة للتفاوض لمنع الانفجار، لكنها، كما الاتفاقات السابقة، لا تبدو حتى الآن تسوية تاريخية بقدر ما هي محاولة لإدارة الأزمة وشراء الوقت. فالولايات المتحدة عادت للطاولة ليس لأنها اقتنعت بتغير سلوك النظام الإيراني، بل لأن استمرار التصعيد بات يحمل كلفة إقليمية ودولية كبيرة، من أمن الطاقة وحركة الملاحة وصولاً إلى احتمال توسع المواجهة العسكرية.
أما طهران، فجاءت إلى المفاوضات بعد ضغوط سياسية واقتصادية وأمنية، لكنها دخلت وهي تحاول الحفاظ على أوراق القوة التي بنتها خلال العقود الماضية. وأصلاً، يقوم جوهر التفاهم على المعادلة القديمة نفسها، تخفيف الضغط مقابل ضبط التصعيد، أي إن إيران تبحث عن متنفس اقتصادي وعن تحرير جزء من أموالها وإعادة فتح بعض قنواتها التجارية، فيما تبحث واشنطن عن منع الانزلاق نحو حرب واسعة وضمان قيود على البرنامج النووي وخفض مستوى التوتر الإقليمي.
لكن تبقى نقطة الضعف الأساسية التي تهدد هذا التفاهم هي ذاتها التي أسقطت الاتفاقات السابقة، أي الخلاف حول معنى الاتفاق، فواشنطن تريد منه أن يكون بداية لتغيير قواعد اللعبة، بينما تتعامل معه طهران كوسيلة لإعادة ترتيب أوراقها. والسؤال ليس عن اليورانيوم أو العقوبات، بل عن منظومة النفوذ التي بنتها إيران عبر الحرس الثوري وحلفائها في المنطقة. ولهذا، يبقى مصير تفاهمات 2026 مرتبطاً بالسؤال نفسه الذي لاحق اتفاقات 2003 و2015، هل ستتحول التهدئة إلى تغيير فعلي في السلوك الإيراني، أم ستكون مجرد مرحلة جديدة تستخدمها طهران لالتقاط الأنفاس قبل جولة مواجهة أخرى؟
والاختبار الحقيقي ليس توقيع الاتفاق، بل ما يحدث بعده، فتاريخ العلاقة بين إيران والغرب أظهر أن طهران تتقن استخدام لحظات التفاوض للخروج من الضغط، بينما يبقى التحدي أمام واشنطن، كيف تمنع أن يتحول الاتفاق الجديد إلى نسخة أخرى من اتفاقات اشترت الهدوء موقتاً، لكنها لم تمنع عودة الأزمة.
وحتى هنا، لا تزال المشكلة نفسها، يريد الحرس الثوري الاحتفاظ بأوراق القوة، وتريد الدولة الإيرانية المال، أما الغرب فيريد التهدئة، بمعنى أن التفاهم ليس سلاماً، بل إدارة موقتة لانفجار مؤجل، وما يجري ليس تحولاً إيرانياً، بل محاولة جديدة لضبط المشهد قبل السقوط في الحرب.
في المحصلة، كل الاتفاقات مع طهران انتهت إلى قاعدة واحدة، إيران لا تدخل التفاوض كي تتخلى عن مشروعها، بل كي تحميه من الانهيار، أي إنها حين تكون محاصرة، تفاوض، وحين تحصل على المال والوقت، تناور، وحين يتراجع الضغط، تعود لسياستها الأساسية، وحين يُطلب منها تغيير السلوك، تعود للتصعيد.
لهذا، فشل الغرب مراراً لأنه تعامل مع إيران كدولة تبحث عن تسوية، بينما هي في العمق نظام يستخدم التسوية كمرحلة داخل الصراع، لا كخروج منه.
