
من الفيلم الأرجنتيني “إكس إكس واي” حول الثنائية الجنسية (ملف الفيلم)
ملخص
لعل “ثنائية الجنس” من أقل القضايا حضوراً في السينما العالمية، مقارنةً ببقية القضايا الإنسانية. وهو ما يعكس التهميش الذي تعرضت له هذه القضية، والخلط بينها وبين العبور الجنسي. في حين يجد ثنائي الجنس نفسه مرغماً على إجراء جراحة لانتقاء عضو واحد وتحديد هويته.
على رغم هذا الاختلاط، شكلت هذه التيمة محوراً لعدد محدود من الأفلام التي قاربت أسئلة هوية الجسد؛ مثل الفيلم الارجننتيني “إكس إكس واي” (XXY) وفيلم “Both” أو “كلاهما” الأميركي، أما عربياً فهناك الفيلم التونسي “الإبرة” بتناول معاناة أسرة تجبر على اتخاذ قرار مصيري بشأن تحديد جنس مولودها الجديد.
وفي فيلم “آنستي العزيزة” (Mi querida señorita) يعيد المخرج الإسباني فرناندو غونثاليث مولينا إحياء إحدى كلاسيكيات السينما الإسبانية، مستلهماً برؤية معاصرة شخصية بطلة حكايته “آديلا” من الفيلم الذي يحمل العنوان نفسه. وقد أثار الفيلم بعد عرضه في مهرجان مالغا السينمائي؛ نقاشاً واسعاً بين النقاد، تماماً كما فعل العمل الأصلي عند عرضه عام 1972، حين أصبح أول فيلم إسباني يتناول قضية ثنائية الجنس والهوية الجندرية في ظل رقابة نظام فرانكو. هذا قبل أن يرشح لاحقاً لجائزة الأوسكار في دورتها الخامسة والأربعين ضمن فئة أفضل فيلم أجنبي.
يناقش الفيلم أزمة التباس الهوية ومعاناة الاغتراب عن الجسد من خلال شخصية آديلا؛ الشابة الثنائية الجنس أو ما يعرف عربياً بالـ “خنثى”. وهي حالة بيولوجية ترافق الإنسان منذ لحظة ميلاده، بحيث يجمع الجسد بين سمات الذكورة والأنوثة معاً. مما يبقي صاحبه ممزقاً أمام سؤال الهوية، فلا يعرف هل يعيش كذكر أم كأنثى.
آديلا: جسد ذكر يحمل ملامح أنثى
تنطلق أحداث فيلم “آنستي العزيزة” في مدينة بامبلونا عام 1973، بحوار غامض بين والدين عن ابنتهما الرضيعة. يظهر الأب قلقاً وهو يتساءل إذا كانت ابنته تتألم، فتجيبه الأم بحدة بأنه وحده من يتألم لأنه يشعر بالخزي، وأن عليه أن يتعلم كيف يحب ابنته، ثم تعود لتطمئنه بعد ذلك كما لو أنها تطمئن نفسها أيضاً، بأنهما سيفعلان ما نصحهما به الطبيب في أقرب وقت ممكن، لتعيش الطفلة حياة طبيعية ومثالية، ولن يعرف بهذا السر أحد غيرهما.
يتقدم الزمن بعد ذلك إلى عام 1999، في مرحلة الشباب من حياة آديلا، لنتعرف إلى شابة تنتمي إلى أسرة محافظة، تعمل في متجر والدها للتحف القديمة، كذلك تقدم للأطفال دروساً عن التعاليم المسيحية. ومن المشاهد الأولى، يبدو واضحاً من لغة جسدها أنها تعيش اضطراباً داخلياً، إذ تظهر ارتباك من يعاني عقداً نفسية، فتترك انطباعاً عن شخصية خجولة وانطوائية، تتجنب الملامسة وتبدو غير مرتاحة في جسدها، تظهر برأس يميل إلى الانحناء، وكتفين مشدودين، وتتحدث بصوت من الصعب تحديد جنس صاحبه. أما ملامحها فتتناقض مع هيئة جسدها، فهي تتميز بوجه يوحي بالرقة والطيبة بينما يتسم جسدها بالطول والنحافة، ما يجعلها عرضة للتنمر والتجريح عندما يشبهها بعض الفتيان بالحصان.
كل هذه الصفات المتباينة في شخص واحد، تخدم الحبكة الدرامية في صميم موضوعها، كما تمنح الممثلة إليزابيث مارتينيز مساحة لتجسيد دور قد يكون أحد أصعب أدوارها وأكثرها تعقيداً، فهي لا تعتمد على التنكر بالأزياء أو المبالغة في وضع المساحيق لتقمص الشخصية، إنما توظف هذه التفاصيل بقدر من البساطة والهدوء مؤدية شخصية تبدو واقعية وحاضرة بكامل استعدادها النفسي والجسماني.
سر الجسد
تعد انطوائية شخصية آديلا، أحد العوامل التي حرمتها من فهم هويتها والتعرف إلى جسدها، فهي تلاحظ غرابة بعض الصفات فيها غير أنها لا تصل إلى تفسير كاف، كما لو كان الخوف يحتم عليها تقبل هذه الغرابة التي خلقت بها من دون التوغل في التفاصيل والأسباب. تتناول آديلا حبوب الاستروجين بتوصية من طبيب العائلة، ولا تعرف لماذا تلتزم بها ما دامت لا تحيض وغير قادرة على الإنجاب. وتبقى كل الأسئلة التي تواجه بها والدتها معلقة، بلا ردود مقنعة، الأمر الذي يفاقم أزمتها الداخلية ويزيد من هشاشة علاقاتها الاجتماعية. فهي من جهة لا تشعر بالارتياح في التقرب من الرجال، ومن جهة أخرى لا تفهم سبب انجذابها إلى صديقتها.
يبدو كل ما يحدث مع آديلا غامضاً وغير مفهوم، ولا تعبر عن هذه الحيرة سوى بمزيد من التهرب والانطواء، حين تعجز عن شرح وضعها للآخرين ما عجزت عن فهمه بنفسها. يستمر هذا الصراع الصامت داخلها إلى غاية عامها السادس والعشرين، عندما تحسم أمرها بتغيير طبيب العائلة، والتوجه إلى طبيب نساء وتوليد من اختيارها. وهناك تكتشف الحقيقة الصادمة بأنها امرأة ثنائية الجنس، ولدت بلا رحم، وخضعت في طفولتها لأكثر من جراحة من دون علمها، لتجميل العضو وإزالة الخصيتين، لتكون بالجسد النهائي الذي هي عليه اليوم. ويمثل هذا الحوار مع الطبيب نقطة تحول في المسار الدرامي، إذ يقسم الفيلم إلى جزءين، ما قبل اكتشاف سر الجسد وما بعده.
مقاربة سيكولوجية لـ”آنستي العزيزة”
حين يتطرق الفن إلى قضايا حساسة أو صادمة فإن المعالجة الدرامية هي ما يحدد التلقي وتؤطر السياق كي لا ينفلت إلى التسطيح والابتذال. وهذا ما يمكن ملامسته أثناء مشاهدة فيلم “آنستي العزيزة” الذي يقدم مقاربة سيكولوجية للتعمق في حالة ثنائي الجنس، منذ الميلاد وصولاً إلى بلوغه الجسدي ونضجه الفكري، فيأخذنا في رحلة نفسية داخل ذهن الشخصية لفهم مشاعرها ووعيها بذاتها ولاستيعاب انفعالاتها وتفاعلها مع الآخرين، مما يجعل خياراتها التالية مفهومة ومبررة.
في حين نجد هذا الفهم غائباً خارج صالات السينما، خصوصاً في المجتمعات العربية المحافظة التي تمارس قدراً كبيراً من التمييز والنبذ والاحتقار، إذ يتعامل كثيرون مع النتيجة النهائية من دون العودة إلى الأسباب، فكثيراً ما يعامل ثنائي الجنس على أنه متحول، اختار التمرد وقرر تغيير جنسه، إرضاءً لميوله لا باعتباره إنساناً يحاول تصحيح عيب خلقي ولد به ولا يمكنه الاستمرار به.
ويطرح فيلم “آنستي العزيزة” قضية مختلفة نادراً ما تتناولها السينما بهذا العمق النفسي، كاشفاً حجم المعاناة النفسية والاجتماعية التي قد يعيشها ثنائي الجنس، وما يرافقها من حالات تيه وإنكار واغتراب حتى عن نفسه وجسده. يعمل صناع العمل على تجسيد حكاية آديلا في صورة واقعية تميزها العناية بتفاصيل الشخصية، لغة جسدها وملابسها المحتشمة، ونبرة صوتها وانطوائيتها ونظراتها والحوارات التي تعكس هواجسها. فهي تعاني من خوف دائم على جسدها من الأذى والانتهاك، كل هذه العناصر قد تعيد صياغة نظرة المتلقي وتقربه من فهم وضع إنسان ولد ثنائي الجنس، لا ذنب له ولا خيار في ذلك.
نهاية تحرف سياق الفيلم
في نهاية الفيلم، تأخذ الأحداث مساراً مختلفاً عن بدايته مع التوصل إلى حل العقدة المتمثلة في تيه البطلة وتشتتها. إذ تتعلم آديلا التعامل مع أزماتها، لتصل أخيراً إلى معرفة ذاتها وماذا تريد أن تكونه، وهو ما يتيح لها تجاوز صراعها النفسي وتقبل اختلاف جسدها. غير أن الفيلم ينتهي على نحو يناقض بدايته القوية، إذ تميز في نصفه الأول بالغموض والتعمق النفسي في الشخصية وأبعادها، كذلك تطورت الأحداث في مسار متدرج وبإيقاع هادئ يناسب هذا النوع من الأعمال. لكن الدقائق الأخيرة باحتفائها بمجتمع LGBT وبالعلم الملون، تحرف الفيلم عن سياقه وقضيته الحقيقية، وتبعده عن طابعه النفسي والدرامي الذي انطلق به، ليبدو في خاتمته مباشراً أكثر وتلقينياً، يسعى إلى أدلجة المتلقي وتوجيهه.