-
ملاذ الزعبي.. المصدر الجمهورية .نت
-
-
-
«بدا لي أنني أرى كائنات بشرية مُعلَّقة من أرجلها في السقف ورأسها إلى الأسفل. فكّرت أن عيني قد غَشيتا لانتقالهما من الظلمة إلى النور. خلال دقيقة ستعود رؤيتي واضحة، وسأجد هؤلاء الأشخاص جلوساً أو وقوفاً. للأسف، لم يكن ما رأيت خطأ أو خديعة، فالصور حقيقية فعلاً، جدُّ حقيقية.
رجال ونساء مقيدون ومعلقون في السقف بكُلّاب حديدي رُبط إلى حبل. وعلى الأرض أطفال يرفعون رؤوسهم نحو أمهاتهم وآبائهم، وهم ينتحبون وقد أضناهم التعب والبكاء. وجوههم الصغيرة متسخة بالدموع، والمخاط يسيل من أنوفهم. لا عمر لهذه الكائنات الصغيرة التي بدت قريبة من الاحتضار، لهؤلاء الأطفال الراكعين أو الجالسين القرفصاء في برك من الدم والقيء».
الفقرتان هاتان منقولتان عن كتاب المعارض والمعتقل المغربي الراحل عبد المؤمن ديوري: قرار اتهام طاغية، بحسب ما هو واردٌ في كتاب الصحافي الفرنسي جيل بيرو صديقنا الملك. [1]
التفاصيل المُفزِعة التي سردها ديوري، وما الاقتباسُ أعلاه إلا لمحة بالغة الإيجاز عنها، كان مَسرحُها الأساس دار المقري، ڤيلا فخمة بطراز معماري تقليدي في العاصمة المغربية الرباط. أَصِلُ إلى القصر الواقع قرب حي التقدم؛ شارعٌ سكني هادئ، ولا يبدو أن ثمة ما يميز المكان. لا يُغادرني الارتباك. أمشي بمحاذاة سور الڤيلا. البوابات مغلقة. أُخرِجُ المحمول من جيبي وأهيئ عدسة الكاميرا. واجهات المبنى مهترئة بعض الشيء، مرّت عليها سياط الزمن. أشعر أنني أرتكبُ جرماً ما. خوفٌ عالمثالثيٌّ يسكنني. أرفعُ الخليوي عالياً وألتقطُ صوراً سريعة من الناصية المقابلة. قطرات عرق متفرقة تنساب على ظهري. لم أخالف أي قانون. لا أحد من المارة القلائل يكترث بالمكان أساساً، وقد بات اليوم مقرَّ الإدارة المركزية للهلال الأحمر (أي مفارقة). في الحقيقة ليس ثمة من خطر على الإطلاق. غير أن فكرة عابرة مُقلقة تبدأ بـ«ماذا لو» تستبد بي. ماذا لو اعتقلتني الشرطة أو المخابرات الآن. ماذا لو تعرضت للإهانة أو الضرب أو حتى التعذيب. ماذا لو أخفيت قسرياً ولو لأيّام.
دار المقري وعلى سورها لافتة الهلال الأحمر المعلومات المتاحة على شبكة الإنترنت عن الڤيلا محدودة. قصر فسيح شُيّدَ أواسط القرن العشرين. سُمِّي على اسم مالكه: التهامي المقري، شخصية مخزنية نافذة ونجلُ محمد بن عبد السلام المقري، أحد أهم رجالات المغرب في النصف الأول من القرن العشرين. شغلَ المقري الأب منصب الصدر الأعظم، وعاصر خمسة ملوك مغاربة، ونسجَ علاقات وثيقة مع سلطات الحماية الفرنسية، أيّدَ الظهير البربري وكذلك نفيَ السلطان محمد الخامس إلى كورسيكا. غادرت فرنسا، والملك العائد محمد الخامس باتَ صانع الاستقلال. جُرِّدَ المقري من حق المواطنة ومن ممتلكاته، قصر ابنه الرباطي بات بيد وزارة الداخلية، وتحولت الفيلا إلى مركز احتجاز وتعذيب. قيلَ إن الجنرال محمد أوفقير أشرف على المركز، ومارس التنكيل بنفسه فيه.
أفكِّرُ بأوفقير، وجهُ سنواتِ الجمر والرصاص [2] الأبرز، الضابط السادي غريب الأطوار، انتهى هو الآخر صريعَ النظام الذي دافع عنه بشراسة ثم حاول الانقلاب عليه. دفعت عائلته ثمن شهوة رب الأسرة وبناته[3]. عشرون عاماً من الاحتجاز في ظروف مروّعة، بلا أي تواصل مع العالم الخارجي.
حيث يُصنَع الأبطال
أغادر المكان ذا الماضي الثقيل إلى وجهة بحاضرٍ أكثر إبهاجاً. نحو اثنتي عشرة دقيقة بالتاكسي تنقلني إلى أكاديمية محمد السادس لكرة القدم. في منطقة ما بين سلا والرباط.
أكاديمية محمد السادس صخبُ الأطفال واليافعين يبلغُ مَسامعي فور تَرجُّلي. أعبر البهو الخارجي المزين بالكؤوس والدروع متجهاً نحو الملاعب. أتوقفُ متأملاً صور منتخبات مغربية زُيِّنَت بها الجدران. جيلُ السبعينيات ونجمه فراس أحمد الذي بلغ المونديال للمرة الأولى ونال كأس أفريقيا 1976، جيل الزاكي بادو وعزيز بودربالة ومحمد التيمومي ومشاركته الشهيرة في كأس العالم 1986، دفعة التسعينيات بوداعها الحزين لمونديال 98 مع مصطفى حاجي ونور الدين نيبيت وصلاح الدين بصير، وأخيراً أصحاب إنجاز 2022، الأبطال الذين بلغوا نصف النهائي كأول منتخب أفريقي يحقق هذا الإنجاز: ياسين بونو، يوسف النصيري، حكيم زياش، أشرف حكيمي.
كؤوس ودروع في بهو أكاديمية محمد السادس أَصعدُ أعلى البهو، أطلُّ على ملاعب تدريبية يتراكضُ فيها عشرات الصغار في مباريات وتدريبات يشرف عليها مدربون شبّان أو أكبر قليلاً، فتية ومراهقون حالمون بالسير على خطى من سبقهم في هذه الأكاديمية: عز الدين أوناحي وأحمد رضا التكناوتي ونايف أكرد. أفراد من العائلات تتابع أبناءها من مقاعد متفرقة وتحلم بهم نجوماً عالميين. أقرأ على جدار شعاراً بالدارجة: مكنتولدوش أبطال ولكن من الوقت كنوليوها (لا نولد أبطالاً ولكنّنا نصبح كذلك بمرور الوقت).
ملعب في أكاديمية محمد السادس افتُتحت الأكاديمية قبل أكثر من خمسة عشر عاماً. الملك الذي سُمِّيت على اسمه دشّنها بنفسه، وباتت حجرَ أساس في نهضة كرة القدم في هذه البلاد. تنقسم الأكاديمية إلى جزأين، أحدهما مركز تكوين داخلي لأصحاب المواهب الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و 18 سنة. يوقفني الحارس على بوابة المركز، تنغرس على ملامحه نظرات شك مخلوطة باستغراب، ما الذي يفعله سائح غريب هنا. يسألني مُعتذراً عن منعي متابعة طريقي: آش بغيت تشوف؟ أعتذرُ بدوري منه موضحاً أنني لم أكن أعلم أن المركز ممنوع على الزوار، وأعود أدراجي ناحية الملاعب. أُتابِعُ مبتسماً مباريات يخوضها الصغار بكل الجدية والحماس، لا يقتصر الأمر على الأحلام، ثمة ضغوط معنوية تعكسها شعارات أخرى على الجدران: لي ما عطاش كلشي ما عطا والو (منْ لم يقدم كل شيء، لم يقدم شيئاً)، الرابحين كيلقاو الوسيلة، الخاسرين العذر.
منْ لم يقدم كل شيء، لم يقدم شيئاً أزمنة لا تنفصل
أقفز مجدداً إلى الماضي، هذه المرة نحو نقطة أقصى في التاريخ، موقع شالة الأثري؛ آثارٌ رومانية وإسلامية رابضة على كتف تلة مطلة على نهر أبي رقراق، أوابد مرينية ساحرة: خلوة ومسجد ومقبرة ومدرسة وحمّام. عشرات اللقالق تزرع أعشاشها في جنبات المكان وأينما وجدت لنفسها مُرتفَعاً. بين فينة وفينة، تضرب الطيور العملاقة فردتي مناقيرها مصدرة ضجيجاً آسِراً.
لقالق في موقع شالة الأثري أَستقلُّ سيارة أجرة مرة أخرى، أطلب من السائق التوجه إلى قبر محمد السادس، احمرارُ وجه السائق واصفراره واخضراره وصمته وجفاف ريقه جعلني أتنبّه فوراً إلى زلة لساني الحمقاء، أُصحِّحُ ما ارتكبت على وجه السرعة: ضريح سيدي محمد الخامس، الأب الروحي لاستقلال المغرب.
بناءٌ هندسي بديع تتكثف فيه هوية المغرب المعمارية والتاريخية؛ قاعدة مربعة يتوسطها المَرقد الرخامي للملك الراحل، الزليج المغربي يكسو الجدران، أسقف خشبية منقوشة مستوحاة من تحف معمارية خلّفها السعديون وراءهم. أطوفُ بالشرفة المطلة على المرقد: هنا صفحة حية من تاريخ البلاد. خط لا تخطئه عين يجمع الملك العلوي لا بمن حكم من أجداده فحسب، بل بتلك السلالات التي مرّت على هذه الأرض: أدارسة ومرابطون وموحدون ومَرينيون وسعديون.
ضريح محمد الخامس وما يزيدُ هذا التواصل مع الماضي وضوحاً موقعُ المدفن، على طرف صومعة حسان، المئذنة الشامخة التي تُذكِّرُ بازدهار دولة الموحدين وسلطانها الأعظم يعقوب المنصور.
منطقة صومعة حسّان وفي الخلفية برج محمد السادس قرب مدخل الصومعة، أجدُ لنفسي مقعداً مستظلاّ بفيء شجرة، قُبالتي المسرح الملكي الضخم بتصميمه المميز الذي وضعته المعمارية البريطانية العراقية الراحلة زها حديد. على يمينه ناطحة السحاب الأعلى في المغرب: برج محمد السادس. الاسمان يُحيلان إلى المَلَكية، الركيزة الثالثة في شعار «الله – الوطن – الملك»، والذي تُمكِنُ رؤيته عملاقاً مخطوطاً بالجير الأبيض على تلال تطل على الطرق السريعة الواصلة بين المدن. المكان هادئ. أُخرِجُ رواية طائر أزرق نادر يحلق معي [4] ليوسف فاضل من حقيبتي. يُعيدني الإهداءُ إلى الماضي الثقيل الذي انطلقت منه: «إلى شهداء معتقلات الإبادة في تزمامارت، أكدز، قلعة مكونة، سكورة، مولاي الشريف، الكوربيكس، الكومبليكس، دار المقري، الأحياء منهم والأموات».
المسرح الملكي * * * * *
المغرب.. تواريخ أساسية من العصر الحديث:
1912: المغرب يصبح محمية فرنسية تحت إدارة مقيم عام فرنسي.
1921 – 1926: ثورة الريف في جبال الريف بقيادة عبد الكريم الخطابي.
1956: حصول المغرب على الاستقلال، والسلطان محمد بن يوسف (محمد الخامس) يتولى العرش بعد عام بلقب «ملك».
1971: عملية انقلاب الصخيرات للإطاحة بالملك الحسن الثاني تنتهي بنجاة الملك والنظام بأعجوبة.
1972: عملية انقلاب أخرى عبر محاولة إسقاط طائرة البوينغ الملكية العائدة من برشلونة.. الملك ينجو بأعجوبة مجدداً.
1975: المسيرة الخضراء: الحسن الثاني يوجه بعبور 350 ألف مدني نحو الصحراء.
1999: وفاة الحسن الثاني. محمد السادس يتولى العرش.
2005: «هيئة الإنصاف والمصالحة» المكلفة بالتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان خلال عهد الحسن الثاني تعلن أن 592 شخصاً قُتلوا في الفترة ما بين عامي 1956 و1999. التقرير يثير اعتراضات وانتقادات واسعة.
*****
-