توجّه هؤلاء المتنكّرون إلى الميناء حيث رست ثلاث سفن تابعة لشركة الهند الشرقيّة، الذراع التجاريّة الوثيقة الصلة بالتاج البريطانيّ، وعلى متنها أربعون طنًّا من أوراق الشاي كانت الشركة تنوي بيعها في المستعمرات البريطانيّة بأميركا الشماليّة. اقتحم الرجال السفن، وكسروا الأقفال، وألقوا الصناديق في المياه، فابتلع الوحل شحنةً تُقدَّر قيمتها اليوم بأكثر من مليون ونصف مليون يورو، بينما تفرّج المئات من سكّان المدينة على المشهد من الشاطئ، وقد أدرك معظمهم أنّهم ليسوا أمام غارةٍ لجماعاتٍ أصليّة، بل أمام احتجاجٍ دبّرَه المستوطنون أنفسهم.
كان تجّار بوسطن قد ضاقوا ذرعًا منذ أشهر بقانونٍ أصدره البرلمان البريطانيّ يمنح شركة الهند الشرقيّة احتكار تجارة الشاي، فقرّروا التمرّد. وشكّلت حادثة “حفلة شاي بوسطن” شرارةً صعّدت التوتّر بين المستوطنين والحكومة في لندن، ولم يمرّ عامان حتّى تبادلت ميليشيات المستوطنين والقوّات البريطانيّة إطلاق النار، لتبدأ بذلك حرب الاستقلال الأميركيّة.
ثمّة سؤالٌ كثيرًا ما يُغفَل في سرد هذه الواقعة: لماذا اختار مثيرو الشغب في بوسطن أن يتنكّروا تحديدًا بزيّ “الهنود” حين هاجموا السفن؟ يكشف هذا الاختيار عمق الالتباس الذي طبع علاقة المستوطنين البريطانيّين بالسكّان الأصليّين في القرن الثامن عشر، فلم يعودوا يرَون فيهم مجرّد “برابرة” يمكن استغلالهم وطردهم ومحاربتهم فحسب، بل رأوا فيهم أيضًا “متوحّشين نبلاء” يعيشون حياةً حرّة بامتياز، ويقدّمون النموذج الحيّ على أنّ الجماعة البشريّة قادرةٌ على العيش من دون ملك.
| قادة قبيلة أوتو |
وتشي هذه الواقعة بأمرٍ أعمق: أنّ تاريخ الأفكار المتّصل بتأسيس الولايات المتّحدة، أوّل ديمقراطيّة في العالم من الناحية الشكليّة، أكثر تعقيدًا ممّا هو شائع. إذ تشير أبحاثٌ حديثة إلى أنّ الآباء المؤسّسين استلهموا أيضًا من جماعاتٍ قبليّةٍ مجاورة حين صاغوا رؤيتهم لحكمٍ شعبيّ يعيش فيه جميع المواطنين أحرارًا ومتساوين.
فحين بدأت السفن الأوروبيّة تتقاطر إلى سواحل أميركا الشماليّة مطلع القرن السادس عشر، كان يعيش على أرض الولايات المتّحدة الحاليّة أكثر من خمسة ملايين إنسان، موزّعين على ما يزيد على خمسمائة جماعةٍ قبليّة تتحدّث أكثر من ثلاثمائة لغة، وتحيا أنماط حياةٍ شديدة التباين: فبعضهم كان يتتبّع قطعان البيسون عبر السهول صيفًا بخيامه، ويبني أكواخًا طينيّة في أودية الأنهار شتاءً لزراعة اليقطين والذرة؛ وآخرون سكنوا بيوتًا طويلةً من الخشب تتّسع لمائة نسمة؛ وفريقٌ ثالث شيّد أهراماتٍ ترابيّة مسطّحة أقام فوقها المعابد والقصور.
وتباينت الأنظمة السياسيّة بقدر تباين أنماط السكن، ففي بعض الجماعات، عاش أفرادٌ قلائل في مساواةٍ تامّة، وفي جماعاتٍ أكبر كان ممثّلون منتخَبون يعقدون مجالس تتشاور حتّى يبلغ النقاش حدّ التوافق، وفي جماعاتٍ أخرى حكمت نخبٌ كهنوتيّة أو حكّامٌ مطلقون أطلقوا على أنفسهم لقب “الشمس العظيمة”.
لم يُبدِ المستوطنون الإنكليز، الذين استقرّوا اعتبارًا من عام 1607 فيما يُعرف اليوم بولاية فرجينيا، اهتمامًا يُذكَر بهذا التنوّع بادئ الأمر. فقد أُقيمت مستوطنتهم “جيمس تاون” في أراضي اتّحاد “باوهاتان” القبليّ، المؤلَّف من نحو ثلاثين جماعة يترأسها زعيمٌ واحد. وتعايش القادمون الجدد مع أهل الأرض في بادئ الأمر، إذ استفاد الطرفان من التبادل التجاريّ، فقد نجا الإنكليز على الأرجح بفضل ما حصلوا عليه من الذرة والديوك الرّوميّة ولحم الصيد، فيما سُرّ الباوهاتان بما نالوه من فؤوسٍ وخرزٍ ونحاس.
غير أنّ هذا الوئام لم يدم طويلًا، إذ طالب المستوطنون بأن يخضع السكّان الأصليّون للتاج الإنكليزيّ، بينما لم يكن الباوهاتان مستعدّين للاعتراف بالوافدين كـ”قبيلة” في أرضهم إلّا إذا خضعوا لزعيمهم ودفعوا الجزية. وتشبّث كلا الطرفين بنظامه السياسيّ، فاندلع العنف: نهب الإنكليز مخزون الذرة عند السكّان الأصليّين وتوسّعوا في أراضيهم، وكلّما قاوم الباوهاتان أحرق المستوطنون قراهم ودمّروا حقولهم.
وفي عام 1622، قتل السكّان الأصليّون في انتفاضةٍ أكثر من ثلاثمائة مستوطن، أي نحو ثُلث عدد المستعمرين، فقطع الإنكليز كلّ أمل في التفاهم؛ وكتب أحد الشركاء في “شركة فرجينيا”، المكلَّفة باستعمار أميركا، قصيدةً وصف فيها السكّان الأصليّين بـ”الحثالة” ودعا إلى “إبادتهم”. وكانت هذه اللغة القاسية معبِّرةً عن نظرةٍ شائعة لدى كثيرٍ من الإنكليز، فبوصم سكّان العالم الجديد بالبربريّة، بدا الاستيلاء على أرضهم وطردهم وقتلهم أمرًا “مبرَّرًا”، واستمرّ هذا النهج العنيف، مع فتراتٍ متقطّعة، حتّى النهاية غير الرسميّة لِـ”حروب الهنود” بمجزرة “الركبة الجريحة” عام 1890.
لم يكن الإنكليز القوّة الاستعماريّة الوحيدة في القارّة، إذ طالب التاج الفرنسيّ منذ عام 1634 بأجزاءٍ واسعة من كندا الحاليّة وعمق ما سيصبح لاحقًا الولايات المتّحدة، لكنّ عدد الفرنسيّين الذين قدِموا إلى العالم الجديد ظلّ محدودًا، إذ لم يتجاوز الألفَي مستوطن حتّى منتصف القرن السابع عشر. ونظر الفرنسيّون إلى السكّان الأصليّين بوصفهم شركاء أقرب منهم إلى الأعداء، إذ سعوا إلى استمالة حلفاء يكبحون توسّع الإنكليز، واستفادوا في الوقت ذاته من تجارة جلود القندس المرغوبة في أوروبا.
وتوغّل ما يُعرف بـ”عدّائي الغابة” في البراري لمقايضة الفراء مع الجماعات القبليّة، فشهدوا عن قربٍ أنماط حياة السكّان الأصليّين، وافتُتن كثيرٌ منهم بما لمسوه من حرّيةٍ ومساواةٍ داخل هذه الجماعات. فقد أمضى الفرنسيّ إتيان بريلي أربع سنواتٍ بين “الويندات” (المعروفين أيضًا بالهورون)، وارتدى ملابسهم المصنوعة من جلود الحيوانات، بينما تزوّج آخرون من نساء تلك الجماعات.
وعلى خُطى التجّار، جاء المبشّرون؛ فتعلّم رجال الدين لغات القبائل سعيًا لكسب السكّان الأصليّين إلى المسيحيّة، وناقشوهم في تصوّراتهم السياسيّة، ووصفوهم في تقاريرهم بالفطنة وحسن البيان. وكتب الأب اليسوعيّ لو جون عن جماعة “الإينو” التي سكنت شمال شرق كندا الحاليّة أنّه ما من أحدٍ منهم إلّا وهو قادرٌ على التحدّث والجدل ببراعةٍ فائقة في مسائل المعرفة، مستخدمًا العبارات المناسبة لذلك.
| جبال سان فرانسيسكو |
وأدهش المراقبين الأوروبيّين مدى النقد الذي كان يوجّهه السكّان الأصليّون للسلطة؛ فقد كتب لو جون أنّهم يعتقدون أنّهم وُلِدوا وبحوزتهم حقّ التمتّع بحرّيةٍ أشبه بحرّية “مُهور الحمير البرّيّة”، وأنّهم عيّروه مرارًا لأنّهم يخشون قادتهم، بينما يسخر هؤلاء الهنود من قادتهم ويستهزئون بهم. وفي المقابل، أزعج التفاوت الاجتماعيّ الأوروبيّ كثيرًا من السكّان الأصليّين؛ إذ روى المبشّر الفرنسيسكانيّ غابرييل ساغار أنّ الويندات، حين سمعوا بوجود أعدادٍ كبيرةٍ من المتسوّلين المعوزين في فرنسا، عزَوا ذلك إلى نقص التراحم بين الفرنسيّين، ولاموهم على ذلك لومًا شديدًا.
وذاعت هذه التقارير القادمة من العالم الجديد في أوروبا، وقرأها مفكّرون على غرار جان جاك روسّو ومونتسكيو، فأثبتت لهم أنّ البشر قادرون على العيش أحرارًا ومتساوين من دون سلطةٍ مركزيّة. وقد ملأ الفيلسوف الإنكليزيّ جون لوك، كما بيّنت المؤرّخة آن تالبوت، دفترًا كاملًا بملاحظاتٍ حول تقارير الرحّالة، ووجد في كتابات الفرنسيسكانيّ ساغار أمورًا رأى أنّها “جديرة بالاقتداء”، من مسائل عمليّةٍ كصيد السمك في الجليد، إلى حرّية التعبير والمبادئ الديمقراطيّة والضمان الاجتماعيّ. وتساءل لوك: ربّما عاش البشر في كلّ مكانٍ بهذا القدر من الحرّية والمساواة في الماضي، فمن أين جاءت السلطة السياسيّة؟ وعلامَ يقوم الحكم؟ وماذا يعني ذلك لشرعيّة ملوك باريس ولندن؟
ودفع الضابط الاستعماريّ الفرنسيّ لوي أرمان دو لوم دارس، المعروف بالبارون دو لاهونتان، هذا التفكير إلى أقصاه؛ فقد جاب منطقة البحيرات العظمى بين عامَي 1683 و1689، وتعلّم لغة الويندات. وبلغ كتاب رحلته، الصادر عام 1703، ذروته في حوارٍ مع الزعيم “أداريو”، الذي هاجم فيه المجتمع الفرنسيّ بلا هوادة: فالباروكات وسراويل الحرير التي كانت موضة تلك الحقبة، بدَت له زيّ “مهرّجين”؛ ونبلاء بلاط فرساي “حفنة أوغادٍ وقحين” لا يملكون سوى الألقاب والميراث؛ ورهبان اليسوعيّين “جماعة قصّاصي حكاياتٍ ضعفاء وحمقى”؛ أمّا الملك الشمس لويس الرابع عشر فسخر منه بوصفه مجرّد “قائدٍ كبير”. وكانت خلاصة نقد أداريو أنّ نظام العالم القديم الاجتماعيّ يجرّد البشر من حرّيتهم ويشقيهم، وأنّ الفرنسيّين جميعًا، باستثناء الملك، ليسوا سوى “عبيد”، خلافًا للويندات الذين عاشوا أحرارًا متساوين في وئامٍ مع الطبيعة والعقل.
وكان النموذج الحقيقيّ لشخصيّة “أداريو” زعيمًا من الويندات يُدعى كونديارونك، عاش في تلك الحقبة عند البحيرات العظمى، واشتهر بدهائه السياسيّ. ولا يزال الباحثون منقسمين حول مقدار ما يعود من هذا الحوار إلى كونديارونك نفسه، وما اختلقه لاهونتان. فقد ذهب الأنثروبولوجيّ ديفيد غرايبر وعالم ما قبل التاريخ ديفيد وينغرو في كتابهما الأكثر مبيعًا “البدايات” (2022) إلى أنّ “جوهر الحجج” يعود بالفعل إلى الزعيم الويندتيّ، فيما رأى منتقدوهما أنّ لاهونتان استخدم “المتوحّش النبيل” أداريو أساسًا كصوتٍ ينطق باسم نقده هو لمجتمعه.
ويرى الباحث روبرت تويس من جامعة تورونتو أنّ الحقيقة تقع في الوسط، فأداريو يطرح أفكارًا كانت شائعةً بالفعل بين الجماعات الأصليّة في غابات الشمال الشرقيّ، غير أنّ كونديارونك الحقيقيّ لم يزر فرنسا على الأرجح، وبالتالي يصعب أن يكون قد عرف عن مجتمعها ما يكفي لينتقده بهذا التفصيل. ويخلص تويس إلى أنّ الحوار “منتَجٌ هجين” وُلِد في “منطقة تماسٍّ” بين الثقافتين.
| منظر طبيعي بالقرب من بويبلو دي سانتو دومينغو |
والثابت أنّ “حوار المتوحّش أداريو” أحدث صدًى واسعًا لدى الجمهور، فصدرت له طبعاتٌ عدّة، وتُرجم إلى الإنكليزيّة والإيطاليّة والألمانيّة. وسرعان ما أخذ فلاسفةٌ أوروبيّون يبتكرون حواراتٍ خياليّةً مماثلةً مع “متوحّشين” آخرين، كحوارٍ مع فارسيّ (مونتسكيو)، وتاهيتيّ (ديدرو)، وشخصٍ نصفه ويندتيّ ونصفه فرنسيّ (فولتير)؛ حتّى غدا “حوار المتوحّش النبيل” جنسًا أدبيًّا قائمًا بذاته، ووسيلةً لمواجهة المجتمعات الأوروبيّة بمرآة انحطاطها المزعوم.
وبالطبع لم يستند فلاسفة التنوير الأوروبيّ إلى هذا النقد الأصليّ وحده، فقد أسهمت في تلك الثورة الفكريّة أيضًا نصوص العصور القديمة المستعادة، ونقد الفيلسوف الهولنديّ باروخ سبينوزا للدين، وثورة العلوم الطبيعيّة، وظهور الصحافة، وكلّها عواملُ ألهمت لاحقًا الآباء المؤسّسين للولايات المتّحدة. ومع ذلك، يبدو أنّ بعض الأفكار الأصليّة عادت إلى العالم الجديد عبر أوروبا بطريقٍ غير مباشر، فقد نقل توماس جفرسون في ديباجة إعلان الاستقلال الشهيرة فقراتٍ كاملةً تقريبًا من كتابات الفيلسوف الإنكليزيّ جون لوك، الذي كان بدَوره قد قرأ بتمعّنٍ تقارير الرحّالة من أميركا واستمدّ منها بعض حججه المركزيّة.
وبينما كان علماء أوروبا يحرّكون عجلة التنوير، لم يتوقّف العنف في العالم الجديد؛ فرغم أنّ المستعمرين البريطانيّين والفرنسيّين تعاونوا أحيانًا مع جماعاتٍ قبليّةٍ بعينها، وتاجروا معها، بل أبرموا معها تحالفاتٍ عسكريّةً مؤقّتة، ظلّ اندفاع الأوروبيّين نحو التوسّع أقوى من أيّ رغبةٍ في التعاون، فتقدّمت مستوطناتهم غربًا وعبرت جبال الأبالاش على حساب السكّان الأصليّين المقيمين هناك.
وفي فترات السلم والتحالف، تعمّق المستوطنون في فهم التنظيم السياسيّ لبعض الجماعات الأصليّة، وبرز في هذا السياق اتّحاد “الهوديونوساوني”، المعروف أيضًا باسم “الإيروكوا”، الذي استقرّ شرقيّ البحيرات العظمى في منطقةٍ عازلة بين المستعمرتَين الفرنسيّة والبريطانيّة. وتحت وطأة الضغوط الخارجيّة، اتّحدت خمس جماعاتٍ ثمّ ستّ لاحقًا في فيدراليّةٍ من أعضاءٍ متساوين، من دون زعيمٍ واحدٍ يحتكر القرار السياسيّ، بل عبر نظامٍ تمثيليّ يرسل فيه كلّ عشيرةٍ ممثّلًا منتخَبًا إلى الجمعيّة الكبرى التي تبتّ أساسًا في شؤون الحرب والسلم.
ووصف أحد الآباء اليسوعيّين، بعد حضوره إحدى هذه الجمعيّات، ما رآه بـ”حشدٍ من الرجال القذرين يجلسون على مؤخّراتهم على الأرض، متكوّرين كالقرود حتّى تكاد ركبهم تلامس آذانهم”، لكنّه أثنى، رغم انتقاده الشكليّ هذا، على الطريقة التي عالجوا بها شؤون الدولة بـ”هدوءٍ وجدّيّة”. وفي عام 1744، كان بنيامين فرانكلين، سفير الولايات المتّحدة لاحقًا، حاضرًا حين ألقى ممثّلٌ عن الإيروكوا خطابًا أمام مندوبي مستعمرات نيو إنغلاند، نصحهم فيه بأن يتّحدوا على غرار الهوديونوساوني في فيدراليّةٍ تصون حقوق كلّ عضوٍ فيها، وتظهر في الوقت ذاته موحَّدةً أمام الخارج.
وأُعجب فرانكلين بالخطاب أيّما إعجاب حتّى دوّنه فورًا وطبعه، وكتب لاحقًا لأحد أصدقائه متسائلًا كيف يُعقل أن تكون ستّ قبائل من “المتوحّشين الجهلة” قادرةً على صياغة اتّحادٍ كهذا وتطبيقه بنجاحٍ استمرّ أجيالًا وبدا غير قابلٍ للانهيار، بينما يتعذّر على عشر أو اثنتَي عشرة مستعمرةً إنكليزيّة أن تحقّق اتّحادًا مماثلًا.
وانشغل آباءٌ مؤسّسون آخرون بالهوديونوساوني أيضًا، لا سيّما أنّهم كانوا حلفاء بريطانيا في حرب “الفرنسيّين والهنود” بين عامَي 1754 و1763. وزار جون آدمز وجورج واشنطن، أوّل رئيسَين للولايات المتّحدة لاحقًا، جماعة “الموهوك” الفرعيّة، وأُعجبا بما لمساه من حقوق الحرّية الفرديّة عندهم.
ويرى الإثنولوجيّ كارل هاينتس كول، في كتابه “تسع قبائل” (2024)، أنّه من المرجَّح أن يكون اتّحاد الهوديونوساوني أحد النماذج التي استُلهم منها دستور الولايات المتّحدة لعام 1787، إلى جانب اطّلاع الآباء المؤسّسين في كتاباتهم على تحالفات المدن اليونانيّة القديمة، والاتّحاد الكونفدراليّ السويسريّ، وجمهوريّة الأقاليم المتّحدة السبع الهولنديّة. ويبدو أنّ “مناطق تماسٍّ” تشكّلت بين أفكارٍ متعدّدة، استقى منها واضعو الدستور وأعادوا صياغتها لغاياتهم الخاصّة.
وهكذا، فإنّ الديمقراطيّة والحرّية، من هذه الزاوية، لهما جذورٌ متعدّدة، لا تقتصر جميعها على أوروبا كما يُشاع أحيانًا.
أمّا عن دوافع المتنكّرين في “حفلة شاي بوسطن”، فقد فسّر أحد المشاركين لاحقًا ارتداء زيّ “الهنود” والتلطّخ بسواد الفحم برغبتهم في التخفّي، لكنّ مجرّد التنكّر كان كافيًا لتحقيق هذا الغرض. ويرجّح الباحثون اليوم أنّ الزيّ الأصليّ استُخدم أيضًا كرمز، فقد سبق للمستوطنين أن تنكّروا بزيّ “الهنود” احتجاجًا على قوانين لندن غير المرغوبة، وكانت صورة “المتوحّش النبيل” الثائر على انحطاط العالم القديم وسيلةً معتادةً في الرسوم الكاريكاتوريّة للتعبير عن السخط من الحكم البريطانيّ.
ويبدو جليًّا أنّ المحتجّين الذين أغرقوا صناديق الشاي في مياه الميناء لم يريدوا أن يُرَوا إنكليزًا، بل أميركيّين أحرارًا.