
الروائية البرازيلية باولا فيبي (إنستغرام)
علي عطا.. ناقد. اندبندنت عربية
ملخص
تقدم البرازيلية باولا فيبي في روايتها “مزايا موت أبي” قصة حياة “قاتلة متسلسلة”، عبر التعمق في دوافعها الكامنة، في سلسلة معاناة متصلة من قسوة أبيها الذي كان أول ضحاياها.
لا تدور أحداث رواية باولا فيبي، “مزايا موت أبي”، التي ترجمتها من البرتغالية إلى العربية سارة ساطور (دار العربي)، في سياق بوليسي، فجرائم القتل التي ارتكبتها بطلتها لم يعلم بها أحد أصلاً، ومن ثم لم يجر أي تحقيق في شأنها، ولذلك يأتي الإخبار بها عبر سرد بضمير المخاطب، تتوجه به الممرضة “ديبورا” أساساً إلى أبيها.
تتولى البطلة السرد بضمير المتكلم، لكنه كثيراً ما يتحول إلى ضمير المخاطب، والمخاطب هنا هو الأب الميت، وأحياناً قارئ افتراضي، فهي تكتب عن كيف حول ذلك الأب حياتها إلى جحيم، وكيف جعلها هشة في كل علاقاتها العاطفية، التي دائماً ما كانت تنتهي بسبب عنف الشريك المبالغ فيه، ومع ذلك ظلت مشاعرها تجاهه متأرجحة بين الكراهية والحب الذي هو أقرب إلى التعلّق المرضي.
تتألف الرواية من 53 فصلاً، بعضها تولى السرد فيه، على نحو محايد، راوٍ خارجي تركّز دوره في التعريف بضحايا البطلة، الذين كانوا في الأساس مرضى تتولى رعايتهم، غالباً في نوبات ليلية، وهؤلاء كانوا جميعا ذكوراً، قتلتهم بدم بارد بعد أن قتلت أباها وهو راقد فوق سرير في المستشفى نفسه الذي تعمل فيه، مدعية أن تلك كانت رغبته، بعدما يأس من الشفاء من السرطان.
وعلى النحو نفسه، كانت لا تعدم مُبرراً لقتل كل ضحية من ضحاياها، وأحدهم طفل في الثامنة من عمره، قتلته لأنها، على حد بوحها، لم تعد تحتمل ثرثرته، ولأن الطبيب لم يقرر بعد متى سيسمح له بالمغادرة، وبينهم شيخ تخطى الـ 80 من عمره، تعمدت حقنه بجرعة مضاعفة من المهدئ “فتوقف قلبه على الفور”، وفي السياق السرد الموازي، يخبرنا الراوي العليم بمعلومة عنه لا تعرفها الممرضة، وهو أنه سبق أن دِين بالتحرش بجسد ابنته.
خاضعون لأوامرنا
ترى “ديبورا” المرضى عموماً، “يأكلون ما يُقدم لهم، يحقنون بما يُعطون، هم كالأطفال، ينظرون إلينا، تقصد الممرضين، وكأنهم يبحثون عن قرابة في البطاقات التي تجمّل أسماءنا. خاضعون لأوامرنا”، وبالتالي فإنها لم تكن تجد صعوبة في قتل أي من هؤلاء المرضى، من دون أن تترك وراءها ما يثير الشك.
“كل واحد من مرضاي كان مميزاً بطريقته، وما يمكنني قوله هو أنني شعرت بمودة تجاه كثيرين، لكن كلاً منهم بطريقة مختلفة، كأن تقع في الحب، بعضهم لا يُنسى من النظرة الأولى، ومن ثم لا تحتاج أن تلتقيهم مرة أخرى كي تتذكر التفاصيل” (ص: 145).
معاناتها من أبيها بلغت ذروتها عندما انتهكها جسدياً وهي في عمر الـ 13 سنة، أما أمها فكثيراً ما عانت انشغاله بسيل لا يتوقف من العلاقات النسائية المشبوهة، وفوق معاناتها قسوة الأب ولا مبالاته تجاهها، في مختلف مراحل حياتها، فإن “ديبورا” عانت كذلك عنف الشريك في كل علاقة عاطفية ارتبطت بها، ومنها علاقتها بالملاكم “جيمس” الذي لم يتورع عن تخديرها واغتصابها بداية تعارفهما. ومع ذلك استمرت علاقتهما بعدها لتسعة أشهر، “أعتقد أن حبي لنفسي وُلد خلال تلك الفترة، حتى وإن مات بعد ذلك بوقت قصير” (ص: 94).
ولكن حتى بعدما وصلت إلى هذه الدرجة من الوعي بمأزقها الوجودي، نجدها تخاطب أباها الميت على هذا النحو: “أتذكرك كل يوم، علاقتنا لم تكن سهلة قط، أحببتك بقدر ما كرهتك، ولذلك ما كناه معاً لم يعد له وجود”، ولاحقاً تقر مخاطبة إياه: “رحيلك كان نهاية حبسي العقلي، نهاية الشعور بأنني أسيرة ترتدي كعباً عالياً فوق غربال”، وأيضاً، ولكن هذه المرة توجه الخطاب إلى نفسها: “لطالما شعرتُ بالارتياح تجاه الطريقة التي يعيش بها الرجال حياتهم” (ص: 107)، و”الكراهية سهلة، أما الحُب فهو ما يتطلب شجاعة” (ص: 108).
تصدع عاطفي
وفي موضع آخر، تكشف عن جانب من أزمتها المتمثلة في تصدعها عاطفياً، بسبب التباس مشاعرها تجاه الأب حين تخاطبه: “أنا مرهقة من تعميد جسدي في شيء لا يمكن العودة منه، أنا بحاجة أن أحب أحداً بسرعة، فالوقت ليس في مصلحتي. يجب أن أحب. ينبغي أن أحب. لا أحد أحبني بقدر ما أحبتني أكاذيبك” (ص: 141).
أحياناً تخاطب قارئاً افتراضياً، وفي أحايين أخرى تدخل مع نفسها في مونولوجات، بعضها يشرح شغفها بوضع حد للوجود الفيزيقي لأناس لا تربطهم بها سوى علاقة المريض بممرضه، لكن يظل الأب محور السرد، “عندما جاء الوقت لأغني لك، قلت لي إن صوتي فظيع، وإنه يجب أن أركز على شيء يمكنني أن أكون جيدة فيه إذا تدربتِ، وإن الغناء ليس واحداً منها” (ص: 84).
كانت تجد في مهنة التمريض تشابهاً مع إعداد وجبة التوفو على الطريقة اليابانية: وضع أسماك صغيرة حيّة في قدر ممتلئ بالماء، مع قطعة من التوفو، ثم تُشعل النار من تحته، فتدخل الأسماك في قطعة التوفو لكنها لا تتمكن من الخروج، فتموت، وهنا يكون الطبق جاهزاً لتقديمه للزبائن.
تخاطب أباها: “لو كنت حياً لحاولتُ إعداد هذا الطبق في البيت كي نتذوقه معاً” (ص: 135)، أما الموت فترى أنه “أمر رائع ومخيف في آن، والتفكير فيه لا يثير فيّ هذا الخوف على نحو زائد عن الحد، لأنني أتعامل معه كنوع من الفولكلور، أو ربما هو لعبة”.
وتخاطب أباها الميت: “لم ترد يوماً أن تسهل شيئاً عليّ، قلت لي إن كل شيء يجب أن يكون صعباً. أعلم أن أمي نظرت إليّ بحب حين ولدتُ، لكن لا أعرف كيف نظرت أنت إليّ، ربما كمجموعة من الفواتير. نعم أعلم أننا كنا متشابهيْن، لكن موتك قربنا أكثر”، وبعدما مات وعمره 58 سنة: “أنت لم ترد البقاء، أليس كذلك؟ أكتب لأعبر عن السعادة التي شعرتُ بها عند موتك، وأذكر بعض الخيبات التي أصابتني في حياتك: التدخين بشراهة والإفراط في شرب الخمر وممارسة الجنس في مقابل المال”.
رحلة الكتابة
بعد موت الأب تجد البطلة نفسها مولعة بتذكر محطات من حياته، على نحو يشي بتعلقها به، على رغم معاناتها العميقة من قسوته معها ومع أمها، فهي لم تشعر بالذنب بعدما أخضعته لما يسمى بالقتل الرحيم، وبعدما قتلت بدم بارد آخرين، قُدّر لهم أن يكونوا تحت رحمتها في المستشفى الذي تعمل فيه، ولم يشغلها إلا احتمال أن يكتشف أمرها، فتحرم من مواصلة القتل.
تقول الكاتبة في ملحق جاء في نهاية الكتاب بعنوان “رحلة الكتابة”، إنها تعمدت في هذه الرواية أن تعارض الأنا الأعلى، “أن أفند الذكورة في شكلها الأكثر بدائية، على رغم التناقض القائم بين ما نريده من الرجال، وما يجب علينا في الوقت نفسه تفاديه. جعلتُ منه شهادة مكشوفة لشخص يتأرجح بين ما يشعر به وما يعجز عن الشعور به، لأنه مصاب بتصدع عاطفي ناتج من غياب البنية. إنها شخصية تدرك العالم، لكنها لا تتصل بشيء خارجه تقريباً، بسبب مشكلات متجذرة في العائلة وبخاصة، كما هو متوقع، بسبب الأب”.
وتضيف أنها جعلت الراوي يملك رغبة خفية في فهم هؤلاء الذين قتلتهم الممرضة، على رغم حكمه عليهم، أما “ديبورا” الشريرة الضحية، فهي تقحمهم في الأماكن التي تختارها كي ترضي رغبتها في القتل، “الرجال يتوقفون عن كونهم بشراً، يصبحون ذريعة”.
وتختم بالقول “عندما انتهيت من الكتاب، شعرتُ وكأنني خرجت للتو من مباراة ملاكمة، وآثار اللكمات لا تزال محفورة على وجهي” (ص: 244).
باولا فيبّي (1983) كاتبة وصحافية برازيلية عُرفت، بحسب ناشر الترجمة، بقدرتها على مزج الرعب النفسي بالخيال والبعد الاجتماعي والصحافة، وهو ما انعكس بوضوح في كتاباتها التي تتناول الهواجس الإنسانية، والصدمات العاطفية، وما هو مظلم في النفس البشرية.