هل جربت يوما أن تجلس عشر دقائق بلا هاتف، ولا كتاب، ولا موسيقى، ولا فيلم؟ قد يبدو الأمر سهلا، لكن كثيرين يكتشفون أن الدقائق القليلة تتحول إلى عبء ثقيل. وما إن يسود الهدوء حتى تمتد اليد إلى الهاتف، أو يفتح التلفاز، أو يبدأ حديث لا ضرورة له. كأن الصمت فراغ أو جيب يجب ملؤه بأي شيء. لكن الصمت ليس فراغا. إنه لحظة يتراجع فيها ضجيج العالم، أو يتوقف قليلا فتعلو أصوات الداخل. ولهذا لا يخاف الإنسان الصمت لأنه خال، بل لأنه يكشف ما كان الضجيج يخفيه. الناس يخافون مما في دواخلهم ومما يعلمونه من أنفسهم.
ومن جهة أخرى، فقد أصبح الإنسان المعاصر يعيش في بحر من الأصوات. إشعارات الهواتف لا تنقطع، والأخبار تتدفق على مدار الساعة، ومقاطع الفيديو تتوالى بلا نهاية، حتى أصبح الصمت استثناء لا يكاد يعاش. وربما لم يكن ذلك كله مصادفة؛ فالإنسان لا يبحث دائما عن التسلية، بل يبحث أحيانا عن وسيلة تؤجل لقاءه بنفسه. هناك أشخاص لا يستطيعون النظر في المرآة، لا لجرم يشعرهم بالخجل، وإنما لأنهم يشعرون بالخوف من هذه المواجهة. ولذا خدمتنا الأدوار، فالمرء يقضي يومه متنقلا بين أدوار كثيرة: هو أب وطبيب ولاعب كرة، وهو يعمل ويتحدث ويكتب ويخطط، وكل هذا يخلق له صورة عن ذاته، أمام نفسه وأمام المجتمع. لكنه حين يخلو بنفسه، تسقط هذه الأدوار جميعا، ويبقى سؤال واحد يصعب الهروب منه: من أنا عندما لا أفعل شيئا؟ وما الذي يشغلني حقا عندما ينقطع كل ما حولي؟
الصمت هو اللحظة التي تبدأ فيها الأسئلة المؤجلة بالظهور، وهو الزمن الذي تزورنا فيه أشباحنا. ذكريات حاولنا نسيانها، وقرارات أجلناها، وقلق أخفيناه تحت ركام الانشغالات اليومية. لذلك يبدو الضجيج أحيانا أكثر راحة من الهدوء، لأنه يمنحنا فرصة للهروب، بينما يجبرنا الصمت على المواجهة. ولهذا ليس غريبا أن يصبح الانشغال قيمة في حد ذاته. فكلما امتلأ اليوم بالمواعيد والاجتماعات، شعر الإنسان بأنه ينجز شيئا، حتى لو كان يهرب من أهم عمل ينبغي أن يقوم به، وهو أن يفهم نفسه. لقد تحول الانشغال إلى ستار كثيف يحجب الداخل ولم يعد وسيلة لتنظيم الحياة.
غير أن المفارقة تكمن في أن أجمل الأفكار وأكثرها نفعا لا تولد عادة وسط الضجيج. كم من قرار مهم نضج أثناء المشي لمسافات طويلة وحدنا، وكم من مشكلة بدت مستعصية ثم انكشف حلها بعد أن هدأت النفس. ليس لأن الصمت يمنحنا معرفة جديدة، بل لأنه يتيح لنا رؤية ما كان حاضرا في داخلنا، لكنه كان مطمورا تحت أصوات العالم. ولهذا احتل الصمت مكانة خاصة في تجارب الحكماء والفلاسفة والمتأملين عبر التاريخ. فلم يكن عندهم انسحابا من الحياة، بل عودة إليها بوعي أكبر. كانوا يدركون أن الإنسان الذي لا يحتمل الجلوس مع نفسه، يصعب عليه أن يفهم الآخرين أو أن يرى العالم بصفاء. فالفوضى في الداخل تجعل العالم كله يبدو مضطربا.
واليوم يبدو الأمر معكوسا. فالإنتاجية أصبحت معيار النجاح، والانشغال صار دليلا على الأهمية، حتى أصبح الفراغ تهمة يعير بها الإنسان، والهدوء علامة على شخص يضيع وقته. ومع هذا الإيقاع المتسارع، فقد الصمت قيمته، وتحول من فرصة للتأمل إلى شيء نحاول التخلص منه في أسرع وقت، وقد نشعر بالرعب منه. ثمة رعب حقيقي نشعر به عندما لا يكون هناك صوت يتحدث عبر الشاشات المتعددة.
لا يعني ذلك أن المطلوب هو اعتزال الناس أو تمجيد العزلة. فالإنسان يحتاج إلى الحوار كما يحتاج إلى التأمل، ويحتاج إلى المجتمع كما يحتاج إلى الخلوة. ومن المفارقات أن كثيرا ممن يجربون الصمت بعد مقاومة طويلة يكتشفون أنه أقل قسوة مما كانوا يتصورون. فالنفس تشبه ماء عكرا، كلما تركناه يهدأ، ترسبت شوائبه، وأصبحت الرؤية أوضح.
ليست كل الأسئلة تجد جوابا في الصمت، لكنه يمنحها على الأقل فرصة لأن تسمع. وربما لهذا السبب لا ينبغي أن نسأل فقط: لماذا أصبح عالمنا أكثر ضجيجا؟ بل ينبغي أن نسأل أيضا: لماذا أصبحنا عاجزين عن احتمال الهدوء؟ لماذا نخشى لحظة لا يحدث فيها شيء؟
لعل الجواب أن الصمت لا يجاملنا. إنه يجردنا من الأدوار والأقنعة الكثيرة، ويترك الإنسان في مواجهة ذاته كما هي. وهذه المواجهة ليست سهلة، لكنها قد تكون البداية الحقيقية لأي معرفة بالنفس، وأي تغيير حقيقي. لذلك لا يخاف الإنسان الصمت لأنه خال من الأصوات، بل لأنه مليء بالحقيقة. فالضجيج يستطيع أن يؤجل هذه الحقيقة، لكنه لا يستطيع أن يلغيها. وفي النهاية، يبقى الصمت أحد أصدق المرايا التي يرى الإنسان فيها نفسه، إذا امتلك الشجاعة لأن ينظر إليها.
