بغداد / تميم الحسن.. جريدة المدى
لم يكن علي الزيدي يحتاج إلى أكثر من كلمة واحدة من دونالد ترامب كي تفتح ضده جبهة سياسية معارضة في بغداد.
الرئيس الأميركي استقبل رئيس الوزراء في البيت الأبيض ووصفه بـ”البطل” و”الصديق الكبير لأميركا”، ثم قرر إقامة مأدبة غداء لم تكن مدرجة على جدول أعماله بسبب “الانسجام الكبير” بينهما.
لكن ما بدا في واشنطن نجاحاً دبلوماسياً، استُقبل داخل بعض الغرف المغلقة في بغداد بمزيج من السخرية والقلق، وأحياناً بكثير من الحسد.
قوى شيعية داخل “الإطار التنسيقي” تتحدث عن “أحلام الزيدي”، وتعتقد أن الرجل سيعود من واشنطن وهو يحمل مشروعاً أكبر من قدرة العراق على احتماله: شراكة اقتصادية واسعة مع الولايات المتحدة، وتقليصاً للنفوذ الإيراني، وحصراً للسلاح بيد الدولة.
مصادر داخل “الإطار التنسيقي” قالت لـ(المدى) إن التخلص من النفوذ الإيراني “أحلام”، كما شككت بإمكانية سحب السلاح.
وتضيف المصادر، نقلاً عن قيادات في التحالف الشيعي، أن “الولايات المتحدة عجزت خلال 23 سنة عن سحب السلاح، فكيف ستحقق ذلك الآن؟”.
وتستخدم هذه المصادر وصفاً يتداول في الغرف المغلقة بأن الزيدي يمتلك “خيالاً واسعاً” حين يتحدث عن شراكات اقتصادية مع واشنطن بهذا الحجم.
وتقول إن “النفوذ الإيراني لا يزال قوياً، رغم تراجعه، وسيستخدم أدواته لمنع بغداد من الدخول في حضن واشنطن”.
وفي أول هجوم على الزيارة، خرج زعيم حركة النجباء أكرم الكعبي محذراً من الاستثمارات الأميركية، واصفاً إياها بأنها “سرقة جديدة للعراق” تحت عناوين اقتصادية.
ولم يكتفِ بالتحذير، بل رفع سقف التهديد، متعهداً في منشور بأن ما سماها “المقاومة الإسلامية” ستعمل على طرد القوات الأميركية “من الأرض والسماء”، في إشارة إلى أن رحلة واشنطن لن تمر بهدوء في الداخل العراقي.
مخاوف من “انقلاب ناعم”
القلق داخل بعض أوساط “الإطار” لا يتوقف عند حدود زيارة واشنطن ولقاء ترامب.
مصادر سياسية لا تخفي مخاوفها من “انقلاب ناعم” قد يجريه الزيدي بعد عودته من واشنطن، مستفيداً من الدعم الذي أظهره ترامب.
كما تشير المصادر إلى أن الحفاوة التي استقبل بها ترامب الزيدي دفعت بعض القيادات إلى تمني الحصول على دعم مماثل من واشنطن.
ولا يبدو أن إعلان رئيس الحكومة، قبل الزيارة، بأنه لا يطمح إلى ولاية ثانية، ولن يشكل حزباً، ولن يخوض الانتخابات، قد خفف من تلك المخاوف.
أثيل النجيفي، القيادي السني في الموصل، يرى أن الزيدي “حسم موقفه باتجاه بناء علاقات جديدة ومتطورة مع الولايات المتحدة، وألزم نفسه بتوقيتات وآليات لا تتحمل التسويف”.
ويقول لـ(المدى): “تصريح ترامب بأن الزيدي سيبقى رئيساً لفترة طويلة جداً، وأمامه مستقبل سياسي كبير، يثير قلق جميع المنافسين السياسيين الذين كانوا يظنون أن الزيدي مجرد مرحلة عبور وسيتمكنون من تجاوزها قريباً”.
ويضيف: “هاتان الصورتان ستخلقان بالتأكيد منافسين أقوياء للزيدي من داخل الإطار التنسيقي، إما علناً أو بالخفاء. وبالتالي فأنا أرجح أن معركة الزيدي السياسية بدأت الآن”.
“بطل” في البيت الأبيض
وألمح ترامب إلى إمكان إبرام صفقات نفطية كبرى مع العراق.
وقال خلال استقباله الزيدي في المكتب البيضاوي: “لدينا بطل رائع”، منوهاً بأنه “صديق كبير لأميركا”.
كما لفت إلى أنه قرر إقامة مأدبة غداء مع الزيدي بسبب “الانسجام الكبير” بينهما.
في المقابل، رأى عبد الأمير تعيبان، وهو قيادي شيعي سابق ومستشار حكومي سابق، أن مهاجمة الزيدي بسبب الزيارة تمثل “غباءً سياسياً”.
وقال في مقابلة تلفزيونية إنه مستغرب من الهجوم، خصوصاً أن الزيدي هو مرشح “الإطار التنسيقي”، وأن ممثلين عن التحالف رافقوه إلى واشنطن.
وضم الوفد الحكومي المرافق للزيدي 27 وزيراً ومسؤولاً، وأكثر من 30 رجل أعمال.
سؤال المطار.. والجواب الذي أغضب الجميع
ورغم أجواء الترحيب الأميركي، تعرض الزيدي لانتقادات بسبب تجنبه التعليق على حادثة المطار في عام 2020، حين قتلت واشنطن نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي السابق أبو مهدي المهندس والجنرال الإيراني قاسم سليماني.
كما تعرض لانتقادات بسبب عدم استخدامه أوصافاً قاسية بحق العملية.
لكن المفارقة أن أصواتاً في واشنطن أيضاً لم تكن راضية عن جوابه.
فقد أجاب الزيدي بأنه لم يكن يعمل في السياسة حينها، وأنه يتطلع إلى المستقبل، وهو رد اعتبرته بعض الأصوات الأميركية متساهلاً مع إيران.
وحذرت أصوات أميركية من التعامل مع العراق، معتبرة أن إيران ما زالت تسيطر على الفصائل، وأن الدولار لا يزال يُهرَّب إلى طهران عبر شبكات مرتبطة بها.
ويرى مراقبون أن مشاهد التشييع الضخمة للمرشد الإيراني السابق في العراق، الأسبوع الماضي، قدمت دليلاً جديداً على أن النفوذ الإيراني لا يزال حاضراً بقوة داخل البلاد، رغم الحديث المتزايد عن تراجعه.
واعتبرت مصادر سياسية أن مشاركة شخصيات إيرانية بارزة، يتقدمها إسماعيل قاآني، قائد “فيلق القدس”، حملت رسائل سياسية تتجاوز الطابع الديني والشعبي للمناسبة، وتؤكد استمرار قدرة طهران على الحشد والتأثير داخل العراق.
لكن المفارقة أن بعض القوى الشيعية والفصائلية، ومنها “عصائب أهل الحق”، التي تتطلع إلى العودة إلى الحكومة بعد إعلان نزع السلاح، لم تنظر إلى المشهد بالارتياح نفسه.
وقال أحد قيادات تلك القوى إن التشييع “ألحق ضرراً بالعراق”، بسبب ردود الفعل التي قد يثيرها في الولايات المتحدة، في وقت تحاول فيه بغداد إقناع واشنطن بأنها تمضي نحو تقليص نفوذ الفصائل وإعادة صياغة علاقتها مع إيران.
الفصائل تحرج الزيدي
وفي توقيت لافت، وبينما كان الزيدي يلتقي ترامب، أعلن المسؤول الأمني في كتائب حزب الله أبو مجاهد العساف أن “قوى المقاومة ستشارك بشكل فوري وحازم في حال اندلاع حرب جديدة ضد إيران”.
وأشار في بيان إلى أن ذلك يرتبط بـ”قرار عقائدي لا مساومة فيه”.
وجاء هذا الموقف فيما كانت الولايات المتحدة تشن ضربات جديدة على إيران لليوم الرابع على التوالي، وتستأنف الحصار البحري على موانئها.
وحذر ترامب من أنه سيوسع نطاق الضربات الأميركية على إيران لتشمل محطات الطاقة والجسور إذا لم توافق طهران على اتفاق جديد.
بالمقابل، شنت إيران هجمات على ما وصفته بـ”مواقع أميركية” في الأردن والكويت والبحرين.
وفي بغداد، قالت مصادر أمنية وسياسية لـ(المدى) إن السلطات تتابع منذ أيام تحركات مجموعة محددة من الفصائل، يتراوح عددها بين 7 و10 تنظيمات، يعتقد أنها ترتبط مباشرة بالحرس الثوري الإيراني.
وتجري تحقيقات غير معلنة لمعرفة ما إذا كانت بعض هذه الفصائل قد شاركت بالفعل في هجمات استهدفت مواقع وقواعد أميركية في البحرين والكويت والأردن.
ولا تستبعد المصادر انخراط هذه الجماعات، التي باتت توصف رسمياً في الأوساط الأميركية بأنها تابعة للحرس الثوري الإيراني، في هجمات أوسع إذا واصلت واشنطن استهداف مواقع إيرانية.
وعشية زيارة الزيدي، أعلنت ما يسمى بـ”المقاومة الإسلامية” رفضها المبدئي لرحلة رئيس الوزراء إلى الولايات المتحدة.
هل تستجيب الفصائل؟
يقول النجيفي إن الفصائل “ترفض نزع السلاح سياسياً وتعتمد على ثقلها السياسي، لكنها ستستجيب إذا وجدت إصراراً قوياً من الدولة ومؤسساتها”.
ويضيف: “في النهاية علينا أن نترقب المشهد الجديد واللاعب القادم الذي سيعتمد عليه الزيدي لتعزيز نفوذه السياسي”.
في المقابل، طالب وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث الحكومة العراقية بتأكيد سيادة بلادها من خلال نزع سلاح الميليشيات الموالية لإيران، محملاً إياها مسؤولية مئات الهجمات التي استهدفت الأميركيين.
وقال خلال تصريحات أدلى بها في واشنطن بعد مباحثات مع الزيدي: “الميليشيات العراقية الموالية لإيران مسؤولة عن أكثر من 600 هجوم استهدف أميركيين”.
وتقول مصادر مقربة من الفصائل إن الجماعات المسلحة “تشعر بأن هناك فخاً يريد ترامب أن يوقعنا به من خلال نزع السلاح”.
وذكرت تلك المصادر لـ(المدى) إن هذه الجماعات تشكك أيضاً في “مهلة 30 أيلول التي يفترض أن تنسحب فيها القوات الأميركية بالكامل، وينتهي ملف السلاح في التوقيت نفسه بحسب الزيدي”.
وترى تلك الجماعات أن “ترامب سيخدعنا، فهو يسرع بتسليم السلاح ويعد خطة كبيرة لإسقاط النظام الإيراني”.
وبحسب المصدر، فإن هذا الاعتقاد يدفع الفصائل إلى إبقاء يدها على الزناد، خصوصاً بعد انهيار هدنة الـ60 يوماً وعودة العمليات العسكرية.
بالمقابل، قال ترامب: “لا نعتقد أننا بحاجة إلى وجود عسكري هناك بعد الآن. شركات النفط الأميركية تدخل السوق العراقية وتقيم شراكات واسعة، وهذه العلاقة لا تتطلب وجوداً عسكرياً”.
ووجه رئيس الوزراء علي الزيدي بتشكيل لجنة عراقية للتفاوض مع الولايات المتحدة بشأن شكل العلاقة الأمنية والعسكرية بين البلدين بعد الانسحاب الكامل للقوات الأميركية العاملة ضمن التحالف الدولي لمحاربة تنظيم “داعش”.
“الانتقادات ستستمر”
الباحث والأكاديمي غالب الدعمي يرى أن الانتقادات للزيارة لم تكن مفاجئة.
ويقول لـ(المدى): “سينتقدون أي زيارة يقوم بها رئيس وزراء عراقي إلى أميركا ما دامت الخلافات مستمرة بين طهران وواشنطن”.
ويضيف: “بعض الخلافات نابعة من الموقف الإيراني ولم تخرج من موقف عراقي وطني. نحن بلد مستقل وليس لدينا أي علاقة ببلد آخر، وسياساتنا يمثلها الشعب والحكومة، ولا يجب أن نتأثر بما تصدره الدول الأخرى”.
ويتابع: “بعض المواقف متأثرة بحسابات إقليمية وبعيدة عن الموقف العراقي. هذه الانتقادات كانت قبل زيارة الزيدي وأثناءها وستستمر بعدها”.
ويختم بالقول: “من يتأثر بالمواقف الإقليمية سيستمر بموقفه، أما من ينطلق من مواقف عراقية فسيرى أن الزيارة تخدم الموقف العراقي وتدعم الاقتصاد”.