هالة الطائي…. موقع درج
بحسب تقارير صحافية، تعتمد شركة “المهندس العامّة” على شبكة من الشركات كواجهة لتجنّب العقوبات، إذ تدخل هذه الكيانات بديلة عنها في التعاقدات الرسمية ومن أبرز هذه الشركات: «بلدنا للاستثمارات الزراعية»، ويُعتقد أن دورها يتمثّل في غسل أموال المشاريع الزراعية، و«التكامل الهندسي الدولي»، التي تُحال إليها عقود الكهرباء والطاقة، و«نور الجنوب للمقاولات» و«الرافد العربي للتوريد العامّ»، والأخيرة تستورد معدّات يُشتبه باستخدامها في تصنيع الطائرات المسيّرة.
كان أهالي مدينة السماوة يسهرون كل ليلة لمتابعة أخبار الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران عبر شاشات التلفاز، معتقدين أنها بعيدة عنهم ولا تمسّ حياتهم اليومية، لكن بحلول ليلة الأوّل من آذار/ مارس 2026، حمل الخبر إليهم واقعاً مختلفاً، إذ طالت الأحداث مدينتهم.
استهدف الطيران الأميركي يومها منطقة في المدينة، ممّا أسفر عن مقتل حاتم حنظل الصفراني الملقّب بأبي بتول الولائي، وهو أب لأربعة أطفال. الصفراني انضمّ إلى الفصائل العراقية المسلّحة إبّان الحرب في سوريا، ثم شارك لاحقاً في مواجهة تنظيم “داعش”، كما أُصيب منتسب آخر كان برفقته بجروح خطرة.
وينتمي أبو بتول والمصاب الآخر إلى اللواء 47 التابع لـ”كتائب حزب الله” في العراق، ووقعت عمليّة الاستهداف في منطقة تُعرف باسم أم الخروز ضمن قضاء السلمان، وهي منطقة تضمّ أحد أكبر المشاريع الزراعية التابعة لشركة “المهندس” العامّة في العراق، المرتبطة بـ”الحشد الشعبي”، وتشير معلومات متداولة وكذلك صور ومقاطع فيديو جرى تداولها خلال مراسم التشييع إلى أن الموقع مقسّم بين عدّة فصائل وفق مصادر أمنية، فضّلت عدم ذكر أسمائها.
وتفيد شهادات عدد من أقارب الضحيّتين أنهما كانا يُصنَّفان مقاتلين، ويعملان في الوقت نفسه ضمن مشروع زراعي تابع للشركة، كما تشير بعض هذه الشهادات إلى أن عدداً من العاملين في تلك المواقع تورّطوا في تنفيذ هجمات استهدفت دولاً خليجية، وهو ما جعل الردّ الأميركي يأتي سريعاً.
في المقابل، لم تكن الصورة واضحة لدى سكّان المدينة بشأن ما يجري في البادية، إذ خيّم الغموض وتجنّب كثيرون الخوض في التفاصيل، حتى أولئك الذين لديهم تساؤلات، بسبب حساسية الجهة المستهدفة.
حينها، لم يُصدر «الحشد الشعبي» تعليقاً على الحادثة، لكنّه نفى ما تمّ تداوله بشأن وقوع إنزال جوّي أميركي/ إسرائيلي مشترك قرب موقع الشركة في بادية المحافظة، مؤكّداً أن ما جرى تداوله عبر بعض منصّات التواصل الاجتماعي غير دقيق، كما أوضح أن ما شاهده بعض منتسبي الشركة كان تحرّكاً لبدو رحل ورعاة أغنام، وليس نشاطاً عسكرياً كما أشيع.
شيّاع السوداني وشركة “المهندس”
كان تأسيس شركة “المهندس” العامّة من أوائل القرارات التي اتّخذها رئيس الوزراء السابق شيّاع السوداني بعد تسلّمه المنصب في 27 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2022، إذ صوّت مجلس الوزراء على تأسيسها في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر من العام ذاته.
وجاءت خطوة السوداني بتأسيس الشركة وتسليم إدارتها لـ«الحشد الشعبي» وفاءً لوعده للفصائل مقابل دعمها له في الوصول إلى رئاسة الوزراء، في سياق سياسي شديد التعقيد أعقب انتخابات العام 2021، فقد خاض «الإطار التنسيقي» الذي يضمّ فصائل من «الحشد الشعبي»، صراعاً سياسياً محتدماً مع التيّار الصدري، الذي رغم تحقيقه الفوز الانتخابي، لم يتمكّن من تشكيل الكتلة البرلمانية الأكبر القادرة على تشكيل الحكومة.
ومع انسحاب نوّاب التيّار الصدري من البرلمان، تغيّر ميزان القوى لصالح «الإطار التنسيقي»؛ غير أن المشهد لم يستقرّ سياسياً، إذ تصاعد التوتّر في آب/ أغسطس 2022 إلى مواجهات مسلّحة بين «سرايا السلام» -الجناح العسكري للتيّار الصدري- وفصائل مسلّحة من «الحشد الشعبي»، أسفرت عن سقوط نحو 30 قتيلاً ومئات الجرحى، وهو ما مهّد الطريق لاحقاً لتشكيل حكومة السوداني.
قرار السوداني فُسّر بأسلوبين، الأوّل هو الشركة تهدف إلى تحقيق الاستقلال الاقتصادي لـ”الحشد الشعبي”، بحيث يمتلك موارده الخاصّة التي لا تخضع لسيطرة الحكومة، فضلاً عن حصوله على جزء من الموازنة العامّة، ويأتي ذلك ضمن المساومات السياسية المرتبطة بكون السوداني مرشّح «الإطار التنسيقي»، التحالف الشيعي الذي يضمّ فصائل من “الحشد الشعبي”. التفسير الثاني هو أن السوداني يعتبر منح العقود لشركات تابعة لـ«الحشد الشعبي» خياراً براغماتياً يهدف إلى تجنّب الصدام مع هذه القوى وضمان استقرار حكومته.
خُصِّص للشركة رأس مال ضخم بقيمة نحو 100 مليار دينار عراقي (ما يعادل 76 مليون دولار أميركي)، 90% منه من تحويلات لأصول وممتلكات حكومية نُقلت إليها، ما يشير إلى أن منح الأراضي والأصول الحكومية، من مبانٍ وسيّارات وغيرها، جرى عبر نقل موارد الدولة إليها دون مقابل.
لكنّ تأسيس «المهندس»، كان المحاولة الثالثة لـ«الحشد الشعبي»، إذ أُحبطت المحاولتان الأولى والثانية، تحت تسمية «المعتصم» و«الرشيد»، في عامَي 2018 و2020 بسبب الضغوط الدولية، فضلاً عن معارضة حكومة رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي.
وحتى قبل تأسيس «المهندس العامّة»، سعى «الحشد الشعبي» إلى نقل تبعية الأراضي والأصول الحكومية التابعة لشركتَي «المعتصم» و«الرشيد» من وزارة الإعمار والإسكان، وجرت محاولات لتحقيق ذلك في عامَي 2021 و2022، لكنّها فشلت، إلى أن تولّى السوداني رئاسة الحكومة، حيث قرّر مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة بتاريخ 24 كانون الثاني/ يناير 2023، دمج الشركات التابعة لوزارة الإعمار والإسكان والبلديات العامّة، وشمل القرار دمج «الرشيد العامّة للمقاولات الإنشائية» مع «آشور العامّة للمقاولات»، ودمج «المعتصم العامّة للمقاولات الإنشائية» مع «حمورابي العامّة للمقاولات الإنشائية» بدعوى أنها شركات خاسرة على مدى السنوات الماضية، واستناداً إلى أحكام المادّة (31/ ثانياً) من قانون الشركات العامّة رقم (22) لسنة 1997، تحوّلت «المهندس» سريعاً بعد تأسيسها إلى أحد أكثر الكيانات استحواذاً على العقود الحكومية الضخمة والأراضي الممنوحة، ويشير القانون الذي أقرّت بموجبه حكومة السوداني تأسيس الشركة إلى إعفائها من الضرائب وفواتير الماء والكهرباء والوقود وغيرها.
يركّز هذا التحقيق على أسباب غياب البيانات المالية، وبقاء الشركة خارج الرقابة، بالإضافة إلى إثارة تساؤلات قانونية بشأن مدى مشروعية امتلاك تشكيل عسكري لشركة ربحية عامّة.
غموض بيانات شركة “المهندس”
يكتنف تلك الشركة العامّة الكثير من الغموض، في ظلّ غياب أيّ بيانات رسمية عنها، أو موقع إلكتروني يمثّلها ويعرّف بأعمالها، ما جعل المعلومات المتداولة بشأنها تتأرجح بين الحقائق والظنون، إلا أن الصراع الإيراني الأميركي كشف بعض ملامح دور الشركة وطبيعة الأنشطة المرتبطة بها.
كان الدعم الرسمي أوضح من أن يخطئه أحد، ففي 6 كانون الأوّل/ ديسمبر 2022، أعلنت وزارة الزراعة إحالة مليوني دونم (نحو 4999 كيلومتراً مربّعاً) في بادية السماوة للاستثمار لصالح «المهندس»، وجاء ذلك قبل عشرة أشهر من تأسيسها رسمياً، وفي 30 نيسان/ أبريل 2024، باشرت الشركة تنفيذ مشروع استثماري زراعي في صحراء قضاء الشنافية، شمل استثمار 26 ألف دونم لزراعة أشجار النخيل ومحاصيل زراعية، وهو ما عُدّ الأكبر من نوعه في المحافظة.
وفي هذا السياق، كشف النائب السابق سجّاد سالم أن شبّاناً يُفترض أنهم مقاتلون في «الحشد الشعبي» يعيشون في أوضاع أقرب إلى العمل القسري، إذ يُشغَّلون كعمّال في الشركة بمجالات لا تمتّ بصلة إلى اختصاصهم أو صفتهم الرسمية، كما أشار إلى أن مقاتلي «الحشد الشعبي» لا تُدرج أسماؤهم الحقيقية في النظام الوظيفي العراقي، بل يُسجّلون بأرقام رمزية، ما يجعلهم عرضة للطرد في أيّ وقت ويحرمهم الأمان الوظيفي.
وأوضح سالم أن شكاوى منتسبي «الحشد الشعبي» تتوالى، وتفيد بأنه «إذا لم يعمل المنتسب كعامل في الشركة العاملة في بادية المثنّى يتمّ فصله، وتختلف آليّة الفصل لديهم عن السياقات القانونية للدولة التي تتطلّب تقديم استقالة رسمية يجري على إثرها حذف الدرجة المالية من قِبل وزارة المالية، أما في الحشد، فيتمّ الفصل بشكل مباشر عبر سحب بطاقة (الكي كارد) وإجبار المنتسب على المغادرة».
وفي مقابل الخطاب الرسمي الذي يروّج لهذه المشاريع باعتبارها دعماً للإنتاج المحلّي الزراعي ومكافحة التصحّر، تطرح المعطيات الميدانية تساؤلات واسعة حول مدى ملاءمة حجم الإنتاج في الأسواق مقابل المساحة الممنوحة، وسنوات العمل، وحجم الدعم المادّي الحكومي الكبير.
وذكر مسؤول محلّي رفيع في محافظة المثنّى، طلب عدم الكشف عن اسمه، أن شركة «المهندس»، عبر شركتي «الفردوس» و«الصلصال»، زرعت نحو 45 ألف دونم من الحنطة ضمن خطّتها الزراعية للموسم الماضي، من أصل مليوني دونم مُنحت لها، فيما أوضح أنه لا يملك أيّ إحصائية بشأن الموسم الحالي.
وأضاف أن مواقع هذه المشاريع تقع قرب الحدود السعودية، مشيراً إلى أنه حين زارها وجدها أشبه بمعسكر أمني مغلق، حتى إن شبكة الهاتف المحمول تتغيّر هناك كأنما المنطقة خارج البلاد، كما لفت إلى وجود أكثر من 3000 شخص يتناوبون العمل كل أسبوعين، إذ يغادرون إلى أهاليهم ليحلّ محلّهم 3000 آخرون، مؤكّداً أن جميعهم مدرَّبون عسكرياً.
وأوضح المسؤول أن هذه الأراضي تُعدّ من المناطق الصعبة جدّاً زراعياً، رغم توفّر إمكانيات كبيرة لاستثمارها، مؤكّداً أن الوحدات المحلّية المعنيّة لا تمتلك معلومات دقيقة عن طبيعة هذه المشاريع أو حجم إنتاجها وعائداتها، باستثناء ما تعلنه هيئة “الحشد الشعبي”.
وتذهب تقارير أخرى إلى أبعد من ذلك، إذ تفيد بأن مشروع استثمار صحراء السماوة يُستخدم فعلياً لأغراض غير زراعية، من بينها تخزين صواريخ وتجميع طائرات مسيّرة. كما تشير إلى أن الموقع استُخدم خلال الفترة بين 2021 و2022 لإطلاق طائرات مسيّرة باتّجاه السعودية والإمارات.
وبحسب تصريح نائب رئيس هيئة استثمار المثنّى يوسف سوادي، فإن أكثر من 150 شركة استثمارية زراعية أنتجت مجتمعة نحو 30 ألف طن من الحنطة خلال هذا الموسم فقط، وكان مشروع «المهندس» من بين الجهات المنتِجة.
شراكات دولية
لم تقتصر أنشطة الشركة على القطاع الزراعي فقط، بل توسّعت إلى مجالات اقتصادية وخدمية أخرى. فقد وقّعت مذكّرة تفاهم مع شركة (CMEC) الصينية، في أوّل اتّفاق معلن مع شركة دولية، شمل مجالات الإعمار والبناء والتجارة والخدمات ومشاريع الطاقة.
كما دخلت الشركة قطاع الاتّصالات؛ حيث ذكرت مجلّة «ذا أتلانتيك» في تقرير نُشر بتاريخ 28 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2025، أن وزارة الاتّصالات العراقية منحت شركة «المهندس» عقوداً -دون مناقصة- لصيانة مسارات شبكة الألياف الضوئية الوطنية، وحفر ومدّ مسارات أخرى، وذلك وفقاً لتعليمات تنفيذ العقود الحكومية النافذة.
ويُشار إلى أن هذه العقود لن تُنشر في الجريدة الرسمية (الوقائع العراقية) إذ إنها مخصّصة حصراً لنشر التشريعات، والقوانين، والأنظمة، والمراسيم، وبيانات تأسيس الشركات، مثل بيان تأسيس شركة «المهندس» المنشور في العدد (4711) للعام 2023.
وأشارت «ذا أتلانتيك» إلى أن هذه العقود قد تتيح تحقيق أرباح غير قانونية، وربما تمنح جهات مرتبطة بالشركة القدرة على مراقبة الاتّصالات داخل العراق، خاصّة في ظلّ وجود عقود لم يُكشف عنها سابقاً. في المقابل، نفت وزارة الاتّصالات هذه الادّعاءات، مؤكّدة أن العقد يقتصر على أعمال الصيانة ولا يشمل إدارة الشبكة الوطنية.
وخلال السنوات الأخيرة، ارتبط اسم الشركة بعدد من العقود الحكومية الكبرى، شملت مشاريع بنى تحتية وتأهيل طرق وأعمالاً في قطاع الاتّصالات. ووفقاً لتقارير إعلامية، حصلت «المهندس» بين عامي 2022 و2024 على أكثر من 27 عقداً رسمياً مع وزارات مختلفة، بقيمة إجمالية تتجاوز 2.3 مليار دولار. ومن أبرز هذه العقود مشروع تبليط قناة الجيش التابع لوزارة البلديات والإعمار، بقيمة 1.2 مليار دولار، إضافة إلى مشروع إعادة تأهيل مداخل بغداد التابع لأمانة بغداد، بقيمة 480 مليون دولار.
وبحسب تصريحات المعاون التنفيذي لهيئة “الحشد الشعبي” أبو علي الكوفي لوسائل إعلام، فإن شركة “المهندس” العامّة باشرت وبشكل فعلي تنفيذ مشاريع في محافظات الديوانية وميسان والمثنّى وصلاح الدين، وبعض مناطق العاصمة بغداد، موضحاً أن الشركة تسلّمت «أكثر من 60 مشروعاً خدمياً.
هل يحقّ لتشكيل عسكري تأسيس شركة ربحية؟
يبدأ الإشكال القانوني في تأسيس شركة “المهندس العامّة” من طبيعة الجهة المؤسّسة، إذ تخالف بذلك قوانين عراقية، وفي مقدّمتها قانون الشركات العامّة رقم 22 لسنة 1997.
وفي هذا الصدد، يرى الأكاديمي والباحث في الشأن السياسي الدكتور عقيل عبّاس أن تأسيس الشركة يتعارض مع قانون تأسيس “الحشد الشعبي” رقم (40) لسنة 2016، الذي ينصّ على التزام هيئة “الحشد الشعبي” بضوابط وزارة الدفاع، مشيراً إلى أن المؤسّسات العسكرية لا يحقّ لها امتلاك شركات عامّة ذات طابع اقتصادي ربحي، كما يوضح أن البعض قد يبرّر ذلك بأن وزارة الدفاع تمتلك شركات، غير أن هذه الشركات خدمية تُعنى بتوفير احتياجات المؤسّسة العسكرية، مثل تصنيع الذخيرة أو تجهيز الغذاء والملابس، في حين تكمن إشكالية «المهندس» في أنها لا تؤدّي دوراً خدمياً في إدامة “الحشد”.
ويبيّن عبّاس أنه لو كانت الشركة خدمية تُعنى بتوفير العتاد أو الإمدادات لكان وجودها مبرّراً، أي أن شرعيتها ترتبط بالدور الوظيفي والإدامة التقنية ضمن الإطار المؤسّسي، على غرار بعض تشكيلات وزارة الدفاع العراقية. غير أن أنشطة شركة “المهندس”، بحسب قوله، لا تندرج ضمن الإدامة المؤسّسية لهيئة “الحشد”، بل تمارس نشاطاً اقتصادياً مستقلاً ينافس الآخرين في مجالات الزراعة والصناعة وغيرها، ممّا يجعل الغرض منها هو التربّح.
ويشير إلى أنه حتى في حال عدم وجود نصّ قانوني صريح يمنع المؤسّسات العسكرية من تأسيس شركات ربحية، فإن هناك مبادئ دستورية حاكمة، إذ تنصّ المادّة (9) من الدستور على حياد المؤسّسات العسكرية، وهو ما لا يقتصر على الحياد السياسي فقط، إنما يشمل عدم امتلاك مصادر اقتصادية تمنحها القوّة والنفوذ.
وفي هذا السياق، يميل التفسير القانوني إلى اعتبار تأسيس الشركة غير قانوني بالنظر إلى الغرض من إنشائها؛ إذ يُفترض بالمؤسّسات الرسمية أن تعمل ضمن إطار محدّد، لا خارج نطاق الاقتصاد العامّ للدولة، خاصّة مع وجود وزارات مختصّة، ويشرح الخبير القانوني محمّد جمعة ذلك تفصيلاً بالقول إن تأسيس أي شركة عامّة يجب أن يقوم على أهداف تتناسب مع المصلحة العامّة ومع طبيعة الجهة المؤسّسة، وهيئة “الحشد الشعبي” بوصفها مؤسّسة عسكرية، لا تمتلك صلاحيات تأسيس شركات، إذ ينصّ قانونها على أنها تشكيل عسكري، ولا يوجد نصّ قانوني يتيح للمؤسّسة العسكرية ممارسة الأعمال الربحية والأعمال التجارية، إذ تقتصر مهامها على حماية البلد.
ويضيف جمعة: «المادّة (9) جاءت على سبيل التحديد، وبالتالي فإن عدم وجود نصّ يجيز للمؤسّسة العسكرية الدخول في الأعمال الربحية يعني أن ذلك محظور»، مشدّداً على أن ممارسة أيّ صلاحية يجب أن يكون منصوصاً عليها في القانون، وأن «المهندس» تُعدّ شركة مقاولات عامّة، في حين أن المؤسّسات العسكرية لا تتدخّل في هذا المجال، لوجود جهات متخصّصة مثل وزارة الإعمار والإسكان ووزارة الصناعة، فالأمر يشبه أن تقوم وزارة الثقافة بتأسيس شركة مقاولات.
ويوضح جمعة أن قانون الشركات العامّة، حين أشار إلى عبارة «جهة غير مرتبطة بوزارة»، فإن المقصود به الجهة التي تتقدّم بطلب تأسيس شركة ضمن اختصاصها. وفي حين تنصّ المادّة (2) من قانون الشركات العامّة على تحقيق أعلى مستويات النمو وكفاءة استثمار الأموال العامّة، عرّفت المادّة (1) الشركة العامّة بأنها كيان يعمل وفق أسس اقتصادية. لذلك جاء قرار تأسيس «المهندس» مخالفاً بشكل صريح، إذ مُنحت الشركة صلاحيات العمل في قطاعات متعدّدة تشمل المقاولات والزراعة والصناعة والخدمات الهندسية، وهو نطاق فضفاض نادراً ما يُمنح لشركة عامّة.
ويضيف أن القوانين العسكرية لا تتيح لـ«المهندس» المشاركة في الأنشطة التجارية أو الربحية، مشدّداً على أن القوانين والدستور واضحان، إذ يُلزم العسكري، عند رغبته في خوض الانتخابات، بتقديم استقالته، ما يعني عدم جواز انخراط المؤسّسة العسكرية في العمل المدني أو الربحي.
ولا يتوقّف الأمر عند مخالفة الدستور، بل يمتدّ أيضاً إلى مخالفة قانون الشركات العامّة، إذ اشترط تحديد أهداف الشركة ونشاطها بما يحقّق فائدة اقتصادية، ويتساءل: «ما الجدوى الاقتصادية من دخول الحشد الشعبي في قطاع الزراعة؟ وهل يجوز لقوّات مسلّحة أن تتدخّل في مجالي الصناعة والزراعة، في حين توجد وزارات مختصّة بهذه القطاعات؟”،
وفي معرض الردّ على المقارنات التي تُشير إلى تداخل الجيوش في اقتصاديات بعض البلدان، يفنّد جمعة ذلك بالقول إن السلطة العسكرية في العراق تخضع للسلطة المدنية، وإن هدف القوّات المسلّحة هو الحياد والدفاع عن البلاد. وعليه، فإن ممارسة أنشطة اقتصادية وربحية لصالح جهة معيّنة أو شخصية معيّنة يؤثّر في حياد المؤسّسة، فمثلاً، إذا مارست أعمال مقاولات لصالح محافظة أو جهة محدّدة، فإن ذلك يخلّ بمبدأ الحياد.
من يراقب شركة “المهندس”؟
ينصّ القانون أن الشركات العامّة تخضع لتدقيق شامل من قِبل ديوان الرقابة المالية، ويشمل التدقيق حساباتها الختامية، والمصروفات، وعمليّات التعاقد، والأعمال المنفّذة، فضلاً عن كفاءة الإنتاج وتقييم الإدارة، ولا يقتصر التدقيق على الجوانب المالية فقط، بل يمتدّ إلى كل ما يتعلّق بأداء الشركة، حسبما يقول رئيس هيئة ديوان الرقابة المالية لفروع محافظات جنوبية، طلب عدم ذكر اسمه.
ويضيف أن التقارير بعد استكمالها تُرفع إلى الوزارات المرتبطة بها تلك الشركات، كما يُعدّ الديوان تقارير دورية، فصلية أو نصف فصلية (كل أربعة أشهر)، تتضمّن المخالفات الجسيمة، وتُحال إلى مجلسي الوزراء النوّاب لاتّخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
ويوضح أن التجاذبات السياسية وطبيعة الوضع العامّ في البلاد، فضلاً عن الخلافات والسيطرة الحزبية، كلها عوامل تعيق تنفيذ مضامين تقارير الديوان، مشيراً إلى وجود ضغوط تُمارس على المؤسّسة، حتى على مستوى قياداتها العليا، ويقول إنه لا تتوفّر لديهم معلومات عن تلك الشركة، مرجّحاً أن يكون لدى ديوان الرقابة المالية الاتّحادي تقارير بشأنها، بحكم أن مقرّ الشركة يقع في بغداد.
وبالاستناد إلى قانون الادارة المالية رقم (6) لسنة 2019 -الذي ينصّ على ضرورة تحويل جميع الإيرادات الحكومية الناشئة عن الشركات العامّة إلى الخزينة العامّة وإدارتها وفق قانون الموازنة- فإن الفصل العاشر من قانون الإدارة المالية يُلزم جميع «وحدات الإنفاق»، أي الشركات العامّة بنشر تقاريرها المالية على مواقعها.
إلا أن هذا الالزام القانوني لم يُطبّق حتى الآن على «المهندس» إذا لا يتوفّر لديها موقع إلكتروني، وأمام هذا تطلّ تساؤلات جوهرية: من يراقب إيرادات شركة “المهندس”؟ وهل تُحوَّل فعلياً إلى الموازنة العامّة؟
ويشير جمعة إلى أن قانون الشركات العامّة واضح في إخضاع جميع الشركات لرقابة ديوان الرقابة المالية، إلا أنه لا توجد تقارير صادرة عن الديوان بشأن شركة “المهندس”، إذ لم تُذكر أساساً. كما أن هيئة “الحشد الشعبي” لا تقوم بإدخال إيرادات إلى خزينة الدولة، خلافاً لما يفرضه قانون الموازنة العامّة، الذي يلزم بتقديم الجداول المالية وتوثيقها ضمن تقارير وزارة المالية.
ويشدّد في ختام حديثه على أن عدم إدخال إيرادات الشركة إلى الموازنة العامّة، وعدم خضوعها للرقابة المالية، يُعدّ مخالفة صريحة لقانون الشركات العامّة، ما قد يترتّب عليه اتّخاذ إجراءات قانونية تصل إلى حلّ الشركة لعدم التزامها بالمهام المنصوص عليها.
بدوره، يقول رئيس حزب “الاستقلال” النائب البرلماني السابق سجّاد سالم إن شركة “المهندس” لا تخضع للنظام المالي العراقي، ولا تدخل ضمن نطاق الأجهزة الرقابية، رغم أن لديها تعاقدات حكومية وأعمالاً خاصّة، مؤكّداً أن الجهات الرقابية لا تمارس دورها في متابعتها أو تدقيق نشاطها، ويضيف: «ديوان الرقابة المالية لا يقترب من هذه الشركة».
ويُرجع سالم ذلك إلى أن موازين القوّة في العراق تفرض نفسها على مؤسّسات الدولة، حيث توجد جهات تمتلك قراراً أمنياً وسياسياً خارج إطار الدولة، وتفرض إرادتها على مختلف الأجهزة، بما فيها الأجهزة الرقابية المالية، التي تعجز بسبب هذه الموازين عن مراقبة هذه الجهات أو إصدار تقارير بشأنها، «سلطة السلاح هي العامل الحاسم في ذلك»، يقول سالم.
ويوضح أنه تعرّض شخصياً لضغوط بسبب مواقفه، تمثّلت في إقصائه مبكراً من اللجنة المالية، ومحاولات رفع الحصانة عنه، واستبعاده من الانتخابات مرّتين، فضلاً عن تعرّض مكتبه للمهاجمة والإغلاق، مشيراً إلى أنه طوال فترة عضويته في مجلس النوّاب، لم تصل إلى اللجنة المالية أيّ تقارير رقابية أو مالية تتعلّق بشركة “المهندس”.
ويضيف سالم أن هيئة “الحشد الشعبي” بشكل عامّ، لا تتوفّر لديها تقارير مالية لأنها لا تخضع للنظام المالي العراقي، ما يشكّل مخالفة قانونية واضحة، مبيّناً أن القوانين النافذة، ولا سيّما قوانين: «الشركات العامّة»، و«الموازنة والدين العامّ»، و«الرقابة المالية»، تنصّ على ضرورة خضوع الجهات الحكومية للتدقيق والرقابة وتقديم تقارير سنوية، إلا أن هذه المؤسّسات تبقى خارج الرقابة بالكامل، وذلك بسبب ارتباطها بهيئة “الحشد الشعبي”.
ويرجّح سالم أن الشركة قد لا تحصل على تعاقدات حكومية كبيرة، مشيراً إلى عدم وجود مؤشّرات على ذلك، خاصّة في ظلّ الأزمة المالية الحالية، لكنّه يلفت إلى أن الجهات المسلّحة في العراق تعتمد غالباً على «شركات ظلّ» تعمل تحت أسماء وعناوين مختلفة، بهدف التمويل أو التغطية على أنشطة متعدّدة.
ويرى أن استفادة «الحشد الشعبي» من هذه الشركة تكمن في كونها شركة عامّة، إذ يمنحها القانون أولوية في المناقصات والعقود الحكومية، إلى جانب ما توفّره صفة «الشركة العامّة» من مزايا، مثل الرواتب والامتيازات، كما يشير إلى غياب المعلومات الدقيقة عن عدد موظّفيها بسبب غيابها عن النظام المالي، على الرغم من معرفة القيادات والشخصيّات التي تديرها.
ويؤكّد أن إنشاء مثل هذه الشركات يعكس تناقضاً في توجّه الدولة؛ التي اتّجهت سابقاً إلى حلّ الشركات العامّة غير الربحية أو دمجها، باعتبارها خاسرة وعبئاً على الاقتصاد، في حين تلفّ الضبابية وانعدام الرقابة عمل الشركة حالياً.
يقول البرلماني السابق: «في كل قوانين الموازنة ينصّ على أن الحكومة تحلّ الشركات التي لا تحقّق ربحية»، مضيفاً أن مجلس النوّاب لا يمارس دوراً فعّالاً في الرقابة أو المحاسبة، كونه خاضعاً لكتل سياسية «متخادمة» في هذا المسار.
ويختم حديثه بالإشارة إلى أن المشكلة الأساسية في العراق هي وجود سلاح خارج إرادة الدولة، وما يترتّب عليه من تداعيات مالية واقتصادية، إذ يمنح هذا السلاح نفوذاً واسعاً، ويُستخدم في إنشاء أدوات تمويل، من بينها شركة “المهندس”، التي يُخطّط لها أن تكون رافداً مالياً مهمّاً للفصائل.
لا يُعدّ الإفلات من الرقابة والتجاوز على النصوص القانونية، أمرين جديدين في منظومة “الحشد الشعبي”، إذ يعزّز ذلك ما أشار إليه سالم بشأن تعرّضه للتهديد، وهو الموقف ذاته الذي واجهه أيضاً رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي عندما حاول تدقيق رواتب منتسبي “الحشد”.
وكان العبادي قد ذكر في تصريحات صحافية في 4 نيسان/ أبريل 2018 أنه أصدر قراراً أسماه «نظام الحشد» بهدف مساواة رواتب عناصره برواتب منتسبي وزارة الدفاع، ونقل العبادي حينها عن مدير مالية هيئة “الحشد الشعبي” قاسم ضعيف الزبيدي، قوله: «إن هناك أعداداً لا تزال تتقاضى رواتب باسم الحشد، رغم أنها ليست ضمن تشكيلاته الفعّالة، بسبب وجود فاسدين يستحوذون على هذه الأموال دون وجه حقّ».
وأضاف العبادي في حينه أنهم أبلغوه برفضهم التدقيق في الرواتب أو التحقّق من الأعداد الفعلية، مشيراً إلى أنه حاول التواصل مع بعض المسؤولين في «الحشد الشعبي» دون ذكر أسمائهم، خاصّة بعد حادثة سابقة تمّ فيها تعنيف أحدهم لمجرّد تعاونه مع رئاسة الوزراء، مستذكراً ردّه عليهم: «أريد أن نُدقّق فقط».
أما الزبيدي، الذي اغتيل لاحقاً، فقد قدّم روايات تفصيلية عن تجاوزات على المال العامّ، مؤكّداً أن بعض الجهات في «الحشد الشعبي» كانت تستولي على الأموال وتتصرّف بها دون ضوابط، وتوضيحاً لتبعات ذلك، يستذكر العبادي الحادثة قائلاً: «أيعتقدون أنه بقتل الشهيد قاسم ضعيف سيُخيفونني؟».
من جانبه، يقول عضو مجلس النوّاب وعضو اللجنة المالية السابق جمال كوجر إن المشكلة تكمن في أن موارد الدولة «مسيّبة»، ولا توجد خطوات حقيقية لتحويل الوزارات من جهات مستهلكة إلى جهات منتجة، لا سيّما وأن الشركات العامّة موزّعة على عدد من الوزارات وغياب التقارير عن أيّ شركة عامّة يعني غالباً أنها خاضعة لسيطرة حزب أو جهة سياسية.
ويتابع كوجر أن ديوان الرقابة المالية يُصدر تقارير دورية، إلا أن الاستفادة منها ضعيفة جدّاً في الدولة العراقية، إذ تدخل هذه التقارير في ما يشبه «مثلّث برمودا» فتختفي دون متابعة أو محاسبة لاحقة، فلا توجد مؤسّسة تتولّى البناء على هذه التقارير أو متابعة توصياتها.
ويتذكّر كوجر أنه في عام 2016 جاء إلى اللجنة المالية أبو مهدي المهندس، وكان مسؤولاً عامّاً لـ«الحشد الشعبي»، وطلب إضافة 30 ألف عنصر آخر، وقال بصريح العبارة: «أنتم تعطونا 120 ألف راتب، في حين الموجود عندنا 150 ألفاً».
ويضيف أنه قال له: «هذولي لـ120، 60 ألف منهم فضائي»، فردّ عليه: «هذا الكلام ما مقبول»، ويوضح أنه قال له: «هذا مو كلامي، إنما كلام العبادي، و120 ألف ما تاخذوها على قوائم، تاخذوها طوب»، كما أوضح له: «هذا ليس كلامي إنما صدر من الكادر المتقدّم في وزارة المالية، في جلسة عامّة في مجلس النوّاب»، وقالوا: «إننا ليس لدينا قوائم»، ويكمل: «صار لي باللجنة المالية ثلاث دورات، ما شايف لا تقرير ولا تفصيل عن هذه المؤسّسة بالكامل، الحشد بالكامل، ليس فقط الشركة».
يعتقد أن السبب الكامن خلف تأسيس الشركة يعود إلى أن تسريب معلومات عن تدخّل وضغط أميركي لتقليص موازنة «الحشد»، لذلك قرّروا أن البحث عن خيار يوفّر بدائل تمويل، وتتيح هذه البدائل تدفّق الأموال إليهم بطرق غير مباشرة عبر إدماجها في النظام المالي الدولي، وتحديداً نظام التحويلات العالمي «سويفت» (SWIFT)، من خلال مشاريع توفّر سيولة مالية ذات غطاء قانوني، على غرار أيّ شركة أخرى تأخذ المناقصات والمشاريع، وتكمن ميزة الاستفادة من هذه الشركة في أن الحكومة تمنح الأولوية في إرساء العقود والمشاريع للشركات التابعة للدولة سواء أكانت حكومية بالكامل أم بالشراكة مع القطاع الخاصّ، ممّا يضمن لها تدفّقاً مالياً مستداماً تحت مظلّة النظام الداخلي للحكومة.
عند الاستفسار من ديوان الرقابة المالية حول «المهندس» رفض التعليق، فيما تساءل مسؤولون رفيعو المستوى: هل «المهندس» شركة حكومية؟ وبينما أشاروا إلى أنها ليست مؤسّسة خاضعة لقانون الشركات العامّة رقم (22)، بل كيان تابع لهيئة “الحشد الشعبي”، أكّدوا في الوقت نفسه وجود ضبابية في هذا الشأن.
كيف سُجّلت الشركة؟
يقول المدير العام لدائرة تسجيل الشركات رشاد خلف هاشم، إن الوزارة التي ترغب في تأسيس شركة ترفع طلباً إلى مجلس الوزراء، توضح فيه الأهداف والغايات واسم الشركة، على أن ينسجم نشاطها مع طبيعة عمل الوزارة، إذ تنصّ المادّة (3) من قانون الشركات العامّة على أن تُقدّم الوزارة طلباً إلى مجلس الوزراء لتأسيس شركة عامّة، مشفوعاً بدراسة تتضمّن المسوّغات الاقتصادية والفنّية لتأسيسها. فعلى سبيل المثال، تؤسّس وزارة الصناعة شركات صناعية، ولا يمكنها تأسيس شركات ذات نشاط تجاري، لأن ذلك لا يتلاءم مع طبيعة عملها.
ويوضح هاشم أنه بعد موافقة رئيس الوزراء، وعند صدور قرار التأسيس وتحديد رأس مال الشركة، يُعدّ بيان التأسيس، وهو بمثابة دستور الشركة، إذ يحدّد أهدافها ونشاطها، ثم يُرسل إلى دائرة مسجّل الشركات لإصدار شهادة التأسيس، وبعدها يُنشر بيان التأسيس في جريدة الوقائع العراقية، لتباشر الشركة نشاطها رسمياً.
ويضيف أن دائرة مسجل الشركات هي جهة إجرائية، فيما يكون القرار بيد الوزارة المعنيّة ومجلس الوزراء. وعند تأسيس أيّ شركة، يُموَّل رأس مالها التأسيسي من وزارة المالية، ثم تتحوّل لاحقاً إلى التمويل الذاتي عبر نشاطها الاقتصادي، وينصّ قانون الشركات العامّة على أن 45% من أرباح الشركة تُحوّل سنوياً إلى وزارة المالية، وكأنها شريك في كل شركة عامّة، إلا أن مجلس الوزراء أصدر مؤخّراً قراراً برفع هذه النسبة إلى 80%.
وبناءً على ذلك، تقدّم وزارة المالية تقاريرها إلى مجلس الوزراء بشأن الشركات التي لم تحوّل حصّة الخزينة، ويوجّه مجلس الوزراء بدوره الوزير المختصّ لإلزام الشركات بتحويل هذه الحصّة، مشيراً إلى أن دور وزارة المالية يقتصر على متابعة وصول حصّتها من الأرباح إلى الخزينة، دون أن يكون لها دور رقابي مباشر.
ويوضح هاشم أن العديد من الشركات العامّة أصبحت خاسرة بعد العام 2003، مشيراً إلى أن ما يُدرج ضمن «المنافع الاجتماعية التي تستفيد منها الشركات العامّة» يشمل الهبات والتبرّعات، مثل تخصيص سيّارات أو إنشاء مستودعات، وتُسجّل ضمن الموازنة بهذا العنوان، كما تُمنح بعض الشركات قروضاً من وزارة المالية لمساعدتها على دفع الرواتب والنفقات الأخرى.
ويؤكّد أن القانون ينصّ على أنه في حال بلغت الخسائر 50%، فإنه يجب رفع تقرير إلى مجلس الوزراء لتحديد مستقبل الشركة، والذي قد يصل إلى التصفية، فيما يقتصر تدخّل الدائرة بعد التأسيس على القرارات المتعلّقة بالنشاط أو رأس المال أو دمج الشركات.
ويتابع هاشم أن هيئة “الحشد الشعبي” تُعدّ جهة حكومية يجيز لها القانون تأسيس شركة عامّة متعدّدة القطاعات، موضحاً أن ذلك لا يُعدّ مخالفة، طالما تمّ بموافقة رئيس الوزراء، وحدّد نشاط الشركة بما يتلاءم مع طبيعتها، شريطة عدم وجود اعتراض من الوزارات المختصّة بهذه القطاعات، ويشدّد: «هذا متعلّق بالوزارة المعنيّة ومدى تحفّظها».
ويشير إلى أن تأسيس هيئة “الحشد الشعبي” لشركة مقاولات ليس أمرأً غير مسبوق، مستشهدأً بوزارة الحربية في مصر التي تمتلك مراكز تجارية وتمارس أنشطة اقتصادية، معتبرأً أن هذا التوجّه قد يكون طبيعياً في العراق أيضاً، بهدف تقليل الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل.
ويختتم بالقول إن عدد الشركات العامّة قبل العام 2003 كان يبلغ 137 شركة، لكنّه تقلّص حاليأً إلى 43 شركة فقط، ومعظمها شركات خاسرة، نتيجة التحوّل إلى اقتصاد السوق المفتوح، بعد أن كانت هذه الشركات تحتكر النشاط سابقاً، الأمر الذي أفقدها الميزة التنافسية أمام القطاع الخاصّ الذي يتمتّع بمرونة أكبر وانفتاح أوسع في تطبيق التشريعات.
الأميركيون يعاقبون «المهندس»
سعت الأحزاب السياسية إلى تشريع قانون هيئة “الحشد الشعبي”، وكان مشروعه أحد أبرز حملاتها الانتخابية للعام الماضي، وبالفعل نجحت في دفع مجلس النوّاب نحو إجراء القراءة الثانية للقانون. وقد نصّ المشروع على العديد من الفقرات، من أهمّها تأكيد «الاستقلال المالي للهيئة»، وذُكر في المادّة السادسة، بالنصّ الصريح اسم شركة “المهندس العامّة”، ما يمنحها شرعية أكبر ضمن هيئة “الحشد الشعبي” التي ستصبح، وفق القانون، مؤسّسة أشبه بكيان مستقلّ ذي صلاحيات كاملة.
ويثير إدراج الشركة ضمن مشروع القانون جدلاً قانونياً، إذ ينظر إليه على أنه يخالف الإطار القانوني للقوّات المسلّحة، فيما عارضت الولايات المتّحدة هذا التشريع بشدّة، إذ قالت وزارة الخارجية الأميركية: «ندعم السيادة العراقية الحقيقية، وليس التشريعات التي من شأنها أن تحوّل العراق إلى دولة تابعة لإيران»، وعقب هذه الضغوط، سحبت الحكومة مشروع القانون قبيل التصويت عليه.
في 9 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2025، فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على شركة “المهندس العامّة”، ووصفتها بأنها الذراع الاقتصادية لـ«الحشد الشعبي»، متّهمةً إيّاها بالاستفادة من الفساد وغسل الأموال، ودعم تهريب الأسلحة لصالح “كتائب حزب الله”، أحد أبرز فصائل «الحشد الشعبي» والحرس الثوري الإيراني، تحت غطاء الأنشطة الزراعية والإنشائية، كما طالت العقوبات شركة “بلدنا” للاستثمارات الزراعية، بوصفها واجهة تجارية لشركة “المهندس العامّة”.
وكانت هيئة استثمار المثنّى أعلنت في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2022 مواصلة العمل في مشروعي «الصلصال» و«الفردوس»، وهما من أكبر المشاريع الاستثمارية الزراعية على مستوى العراق، وفق عقود استثمارية باسم شركتي «الفردوس» و«الصلصال»، بإشراف هيئة “الحشد الشعبي”، وذلك قبل أن يصدر مجلس الوزراء قرار تأسيس الشركة المهندس العامّة رسمياً، حيث أوضحت هيئة الاستثمار أن المشروعين يُنفَّذان من قِبل إحدى الشركات المحلّية في بادية المثنّى الجنوبية، (لم يذكر اسمها)، بهدف الاستفادة منهما كمورد اقتصادي وبيئي يسهم في تثبيت التربة في المنطقة.
ويُفهم من ذلك أن مشروع الاستثمار الزراعي في بادية المثنّى بدأ في مرحلة مبكرة تحت اسم شركتي «الصلصال» و«الفردوس»، ثم أصبح بعد التأسيس الرسمي يُنفَّذ باسم «شركة المهندس العامّة».
وبيّنت الوزارة أن الشركة يسيطر عليها القيادي في “الكتائب” عبد العزيز المحمداوي (أبو فدك)، رئيس أركان «الحشد الشعبي»، الذي «استغلّ عقوداً حكومية لتحويل الأموال من مؤسّسات الدولة إلى واجهات تجارية، بهدف تمويل أنشطة الفصائل المسلّحة في العراق وإيران».
وبحسب تقارير صحافية، تعتمد شركة “المهندس العامّة” على شبكة من الشركات كواجهة لتجنّب العقوبات، إذ تدخل هذه الكيانات بديلة عنها في التعاقدات الرسمية ومن أبرز هذه الشركات: «بلدنا للاستثمارات الزراعية»، ويُعتقد أن دورها يتمثّل في غسل أموال المشاريع الزراعية، و«التكامل الهندسي الدولي»، التي تُحال إليها عقود الكهرباء والطاقة، و«نور الجنوب للمقاولات» و«الرافد العربي للتوريد العامّ»، والأخيرة تستورد معدّات يُشتبه باستخدامها في تصنيع الطائرات المسيّرة.
في المقابل، أعربت الحكومة العراقية عن انزعاجها من قرار الولايات المتّحدة فرض عقوبات على «المهندس» التابعة لقوّات “الحشد الشعبي”، وقال المتحدّث باسم الحكومة باسم العوادي في بيان رسمي، إن هذه الإجراءات «أحادية ومؤسفة للغاية»، كما أعلن عن تشكيل لجنة وطنية عليا لمراجعة القضيّة، تضمّ ممثّلين من وزارة المالية، وديوان الرقابة المالية، وهيئة النزاهة، والبنك المركزي، على أن تقدّم توصياتها خلال 30 يوماً.
وحتى لحظة كتابة هذا التقرير، لم تُعلن نتائج عمل اللجنة في هذه القضيّة.