بحكم عملي أستمع إلى كثيرين ممّن ينتقدون أماكن عملهم ويعتبرونها غير مُنصِفة بحقّهم. ينتقدون المدير والمدخول وظروف العمل وما شابه. في أحيان كثيرة ومتكرّرة أعود فألتقيهم فأسمعهم يردّدون العبارات ذاتها، ويعبّرون بالطريقة نفسها عن عدم رضاهم عن عملهم هناك. أكثر من مرّة سألتُ الشاكي: “ولماذا تبقى هناك كلّ هذا الوقت وأنتَ غير راضٍ عن الوضع”؟ الأجوبة ليست واحدة، لكن الطابع الغالب عليها هو أنّها غير مُقنعة وهي من مثل: “هلّق مرَق العمر ما بقى محرزة”، “الشغل قريب من البيت”، “الدوام كتير كويّس”، وغيرها من العبارات. لكن كلّ هذه العبارات غير دقيقة. الجواب الحقيقي الّذي نادراً ما يعترف به المرء هو أنّ هذه المؤسّسة بالذات وهذا العمل بالذات هما “الأنسب” لي.
هناك أشخاص يسهلُ عليهم الحصول على باسبور كندي أو فرنسي بفضل عيش أولادهم أو إخوتهم في المهجر. تراهم يختارون البقاء في لبنان على كلّ علّاته. لماذا؟ لأنّ لبنان في رأيهم هو “الأنسب” لهم وليس لأنّه “أفضل” بلد في الدنيا. لعلّهم يشعرون بأنّ العيش في لبنان أكثر أماناً لأولادهم، وربّما تجذبهم الحياة الاجتماعيّة هنا، فيفضّلونها على العيش في مكان يرونه خَطِراً على أولادهم، أو جافّاً إجتماعيّاً بحسب رأيهم.
أعود إلى الشخص الّذي ينتقد كلّ شيء في مكان عمله والّذي لا يستقيل. أقول له: “أنتَ تعطي انطباعاً سيّئاً عن نفسك”. كأنّك تقول من حيث تدري أو لا تدري: “مع كِل علّات المطرح يلّلي أنا فيه، وبالرغم مِن إنّي بستاهل أحسن، ما لقيت حدا أحسن ياخدني”. لا مصلحة لكَ في الإيحاء بذلك لأنّك لو وجدتَ مكاناً “أنسب” لتركتَ منذ زمن بعيد.
لذا شيء من التقليل من انتقاد المكان، وشيء من الامتنان لما وهبَكَ الله إيّاه في ذلك المكان، يجعلانك أكثر قبولاً لما يجري وأكثر إيجابيّة بالتعاطي مع التحدّيات الّتي تواجهها. في ذلك فقط فرصة لتحسين ما تختبره من انزعاج أو مشاعر سلبيّة قد تكون محقّة في جانب منها.
نحن نختار Package “الأنسب” في كثير من قراراتنا، وإذا كنا أذكياء نتمتّع به وكأنّه “الأفضل” لنا إلى أن نرى خياراً “أنسب” لنا ممّا نحن فيه.
هل تريد أن تكتفي بالنق أم تريد أن تكون إيجابيّاً في محاولة إدارة المشاكل الّتي تواجهك؟
