سوزان موسى درة.. كاتبة سورية
منذ اشهر رَمَت سورية توجسها من الوحوش بعد أنينٍ طويل، و إن صح التعبير؛ رصيدها من الألم مَكَّنَها من تحقيق ذلك لنفسها.
من صميم ذلك عرفت كم خلطت بين وحوش الحكايات الطفولية، والدراما، وغفلت عن وحوش الواقع، فما بين وحش الحكاية ذو الشكل المخيف، الذي يتعلم الحب ثم يستعيد إنسانيته، ووحش الواقع الذي هو بهيئة إنسان يفقد إنسانيته عندما يتخلى عن الرحمة والضمير؛ صار الأدب يحذرها من الحكم على المظاهر، بينما الفلسلفة تحذرها من الاطمئنان إلى أي سوري.
فتشت مؤخراً في السجلات، و قالت:” هناك خيط رفيع يجمع بين الحسناء والوحش، و الشخصيات التي أدّت ادوار اليهود و الاسرائيليين في رأفت الهجان، و منطق نيتشه”
إن الوحش ليس شخصية بل رمز لما نخفيه، و نخشاه، او لما لم نتصالح معه في أنفسنا، و إن الشر لا يمكن إثباته بتجسيده على صورة إنسان قبيح وجهه كالعفريت وأذنيه كالشيطان، لكنه يمكن أن يرتدي وجه الإنسان العادي عندما تغيب الحدود الأخلاقية.
لقد علمتنا الطفولة ان الوحش يعيش في القلاع المهجورة ، وانه يحتاج أميرة تحبه حتى نكتشف أن قلبه ارق بكثير من مظهره، وعندما كبرنا اكتشفنا ان القلاع هي نفوس البشر، وان
الوحش هو الغضب عندما يتحول إلى انتقام، والطموح عندما يتحول إلى استبداد، والخوف عندما يتحول إلى قسوة، وحب الذات عندما يبتلع كل إحساس بالآخرين ، إنه تلك اللحظة التي تتغلب فيها رغبتنا بالقوة على ضميرنا. و تجعل مقاومتنا للظلم بدافع نبيل تُبرر لنا الظلم باسم العدالة، او تجُرّنا لنمارس القسوة بإسم الاصلاح، والمصلحة العامة، وهنا لب القضية.
الوحش السوري لم يعد احتمالاً لكن يُخشى ان يصبح قدراً محتوماً، فالإنسانية انكمشت، و ظل الوحش فينا يكبر كأنه ينتظر فرصة.
الوحش الذي ينتظر فرصة، موجود من أصغر متر على أرض كنعان، إلى اكبر مساحة يمكن ان تُحتل، و في الإنسان الذي يعيش في مجتمع تحكمه القوانين، فما بالكم بسورية بعد سطوع من امتلكوا سلطة مطلقة، إن شعروا انهم لن يحاسَبوا على أي فعل، بهذا لن يولد الوحش من العدم، و التاريخ مليء بالأمثلة.
سورية الحالمة لم تنقذ الوحش لأنها انكرت وجوده، بل لأنها تمنت رؤية الإنسان الذي يقاتل ليخرج من خلفه، و هذه هي المعركة العظيمة التي يمكن ان يخوضها كل واحد منا مع نفسه كي يختار الإنسان الذي في داخله كلما حاول الوحش أن يرفع رأسه.