
بات من الممكن اليوم رصد تحول فسيولوجي وبنيوي غاية في الخطورة طرأ على مفهوم “الدولة” في عصرنا الراهن. لزمن طويل، استقر الفكر السياسي والسوسيولوجي على تعريف ماكس فيبر الكلاسيكي للدولة، بوصفها الكيان البشري الذي ينجح في ادعاء “احتكار الاستخدام الشرعي للعنف المادي” داخل جغرافيا محددة، وبوصفها الحامي الصارم للحدود بالدم. كانت قدرة الدولة على شن الحرب وتحمل كلفة التعبئة الشاملة وتشييع القتلى هي شرط تشغيل “سيادتها” وإنسانيتها السياسية.
بيد أن الاعتماد الطويل والكامل للأوروبيين، ولمعظم حلفاء أميركا حول العالم، على المظلة الأمنية الأميركية، أحدث تغييراً جذرياً في هذا التعريف التأسيسي. لقد تنازلت هذه الدول طوعاً عن احتكار العنف وعن غريزة حماية الحدود، وتحولت إلى بنى إدارية وتكنوقراطية معقمة، بارعة في إدارة الضرائب وتنظيم السير وتسييل الاقتصاد، لكنها استأصلت من داخل عماراتها المؤسسية خلايا “شن الحروب”. الدولة المعاصرة لم تعد تملك الأهلية النفسية ولا البنية الهيكلية لخوض المعارك؛ لقد نسيت تماماً كيف تفترس. ومن هنا تنبع مفارقة العصابة: أن تعجز دول عظمى وغنية عن ردع ميليشيا أو عصابة صغيرة مشاغبة، لا لنقص في سلاحها، بل لأنها فقدت الأنياب وغريزة الحرب المباشرة، تاركة المهمة بأكملها للحامي والحارس الأوحد.
لكن أميركا، لكونها القوة التي يتم رفدها باستمرار بأسباب المنعة، ما زالت وحدها القادرة على شن الحروب. والأهم من ذلك، أنها لا تريد أن يتحول العالم إلى عالم مسالم يخشى الحروب؛ فجيشها ليس مجرد أداة دفاعية، بل هو في الأصل مورد اقتصادي هائل ومحرك جبار للابتكار والنمو. أميركا تستطيع، بنيوياً، أن تربح من الحروب وتخرج من كل مواجهة أكثر ازدهاراً وقدرة على خلق البدائل لما هو ضروري وحيوي عند الخصم، وأكثر كفاءة في جعل هذا الخصم غير قادر على الانتظام مجدداً في النظام العالمي الذي ترعاه. ولعل إعلان دونالد ترامب اعتزامه تحصيل عشرين بالمئة من قيمة حمولات ناقلات النفط العابرة لمضيق هرمز بحجة أن جيشه هو من يحمي الممر، يمثل لحظة انكشاف نادرة لهذا المنطق. فحتى لو تراجع ترامب عن إعلانه هذا لاحقاً كجزء من مناوراته المعتادة، فإن الموقف ظل بمثابة كشف عارٍ للمستقبل. لقد أرسل ترامب، للمرة الأولى، إشعار الفاتورة إلى العالم. لم يعد الجيش الأميركي يظهر باعتباره حارساً مجانياً للنظام الدولي، بل بوصفه مقدم خدمة يريد تقاضي ثمن الحماية. وحتى لو تراجع عن هذا الإعلان لاحقاً، فقد بقيت الفكرة نفسها معلنة: الأمن العالمي لم يعد عقيدة تضامن، بل خدمة لوجستية قابلة للتسعير.
وفي هذه الخلاصة، نجد تفكيكاً دقيقاً لعقيدة إدارة ترامب في “إطفاء الحروب” التي تدعي إنجازها. إن هذه الحروب تُطفأ، ليس لأن القتل توقف أو لأن الضمير الإنساني قد استيقظ، بل لأن طرفاً من الطرفين المتحاربين في كل معركة جرى تحويله فيزيائياً وعضوياً إلى كائن عاجز، مريض، مقطع الأيدي والأرجل، بلا سكن ولا مكان ومن دون اقتصاد. هذا ما ينطبق اليوم على غزة مثلما أصبح ينطبق على لبنان وإيران، فضلاً عن السعي الحثيث والمركّز لجعله ينطبق على روسيا أيضاً، من خلال استهداف قدرة روسيا على إنتاج النفط، الذي يمكن اعتباره موردها الرئيسي. والحال، بحسب منطق ترامب في إنهاء الحروب، فإنها تنتهي حين يُجرد العدو من أهليته التقنية والوجودية ويُحول إلى ركام معزول خارج التاريخ، بحيث لا يعود يملك القدرة على المشاغبة أو تعطيل انسياب الماكينة العالمية.
يوازى هذا التجويف العضوي للخصوم تقدم هائل في مأسسة الجيش الأميركي وتطوره اللامتكافئ مقارنة بمؤسسات الدولة الأخرى. فبينما يعيش البوليس في أميركا، والوزارات الخدمية والبيروقراطية الأخرى، على تقنيات وآليات تعود إلى الستينيات من القرن الماضي، فإن المؤسسة العسكرية تجاوزت عمالقة وأعتى شركات التكنولوجيا في السيليكون فالي بمراحل ضوئية، والله وحده يعلم ما الذي يخبئه هذا الجيش في مستودعاته السرية من أسلحة الذكاء الاصطناعي الفائق. وإذا كانت الصواريخ والمنظومات التي دمرت البنية العسكرية الإيرانية وعطلت الآلة الروسية هي مجرد أسلحة مصنوعة منذ عقود ومخزنة في المخازن (أي فضلات تقنية قديمة)، فإن المستويات التي بلغتها الأسلحة الحديثة غير المفصح عنها قد تتجاوز قدرة العقل البشري على التصديق.
لقد تجلى هذا الانفصام التقني الصادم في الحروب الأخيرة. حيث برزت قدرة الخوارزميات والذكاء الاصطناعي العسكري على معالجة البيانات وتوليد الأهداف بمعدلات ثورية غير مسبوقة. ففي الحروب الكلاسيكية السابقة، كان الجهد البشري وأقسام الاستخبارات التقليدية تعجز عن إنتاج وتدقيق أكثر من أربعين إلى خمسين هدفاً عسكرياً في اليوم الواحد تحت الضغط. أما اليوم، وفي الحرب الأخيرة على إيران، تكلفت الأنظمة الرقمية والمؤتمتة بحوسبة الموت لتحدد بدقة فائقة نحو ألف هدف يومياً وبشكل تلقائي. الموت هنا كفّ عن أن يكون قراراً حماسياً أو مواجهة بالمفهوم الفيبري والتقليدي؛ بل تحول إلى عملية معقمة وجافة لتدقيق البيانات وتسييل الإبادة ببرود خلف الشاشات الرقمية.
إن المصير الذي يطمح لتقديمه الجيش الأميركي اليوم، والوظيفة التي يستقر عليها، تتجاوز حدود الدفاع عن جغرافيا الولايات المتحدة لتمس جوهر الوجود الكوكبي. إنه يتحول رسمياً إلى المؤسسة والركيزة التي لا يمكن الاستغناء عن وجودها، حتى لو لم تؤدِ أي وظيفة قتالية مباشرة. لقد أصبح الجيش الأميركي بمثابة “سور” للبشرية برمتها وليس لأميركا وحدها. مرفق عام كوني يشبه في ضرورته القصوى حقول النفط العالمية، وشبكات الكهرباء العابرة للقارات، وثورة الذكاء الاصطناعي. إنه يتحول رسمياً إلى الضامن الأخير لاستمرارية النظام العالمي، ليس لأنه يحمي البشر، بل لأنه يحمي البنية التحتية التي تقوم عليها حياتهم المعاصرة: حقول النفط، كابلات البيانات، وممرات التجارة. ليس مرفقاً عمومياً بقدر ما هو درع النظام، الذي يقف فوق ركام الدول التي لم تعد ضرورية، ليضمن أن تدفق السلع والبيانات لا ينقطع، مهما كان ثمن ذلك من دماء أو سيادة.
ربما نحن نشهد لحظة انتقال العالم من عصر كانت فيه الدولة تحتكر العنف، إلى عصر يحتكر فيه الجيش الأميركي الحماية ذاتها. إذ، لم يعد هذا الجيش مجرد مؤسسة وطنية، بل أصبح طامحاً ليكون البنية التحتية الأمنية التي يقوم عليها النظام العالمي كله.