ساطع نورالدين..كاتب وباحث لبناني
في خطاب مسائي متلفز دام نحو نصف ساعة، ولم تبثه مباشرة على الهواء كبرى المحطات التلفزيونية الأميركية، إمتنع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن ذكر الحرب مع إيران ومسعاه لتغيير النظام الايراني، ولو بكلمة واحدة، وأعلن بدلاً من ذلك شن حرب جديدة هدفها تغيير النظام في أميركا.. تحت عنوان التدخل الصيني في الانتخابات الأميركية، الذي ساهم في خسارته الرئاسة أمام جو بايدن في العام 2020، ووعد بكشف أدلة ووثائق تدين الصين، التي سبق ان نفت هذه الاتهامات مراراً، مثلها مثل روسيا..
لم يكن الخطاب مجرد ثرثرة يدمنها ترامب، ويألفها الاميركيون، والعالم أجمع، بل منعطفاً حاسماً في مسار الحرب الإيرانية، التي دخلت مسار الاستنزاف البعيد المدى، الذي لا يشغل الجمهور الأميركي ولا يقلقه، ويترك آثاراً جانبية اقتصادية وسياسية واجتماعية، يمكن احتواؤها بسهولة.. وهي لا تصرف النظر عن أهمية معركة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس المقررة في الثالث من تشرين الثاني المقبل، التي يخوضها الجمهوريون والديموقراطيون، بأسلحة سياسية لا تشمل، حتى الان، محاسبة ترامب على فشله في تحقيق أي من أهداف الحرب على إيران.
الخطاب الليلي الذي أثار السخرية والدهشة، واستدرج الكثير من الشتائم بحق ترامب الذي يجد الوقت الكافي لإطلاق معركة الكونغرس، من زاوية مفاجئة، وغير مبنية على حجج كافية، تدور حول دور مزعوم للصين بالتدخل في النظام الانتخابي الأميركي والحصول على بيانات شخصية لأكثر من مئتي مليون ناخب أميركي، بهدف التأثير في خياراتهم السياسية.. التي لم تنجح إيران، كما يبدو في تعديلها او حتى في توجيهها نحو وقف الحرب الخليجية، التي كان يشتبه بأنها يمكن أن تتحول الى حرب عالمية ثالثة، فإذا هي تصبح حرب قراصنة في مياه الخليج العربي.. يمكن أن تصبح من طبائع الأمور في المنطقة الخليجية الملتهبة، ولعقود طويلة مقبلة!
خروج هذه الحرب من لائحة أولويات الناخب الأميركي، بعدما تحولت من مصدر قلق معيشي( الغلاء والبطالة) الى سبب لتحقيق مكاسب اقتصادية وتجارية مهمة تحافظ على شعبية ترامب، لا يلغي حقيقة ان الرئيس الاميركي يجد نفسه في مأزق مؤقت أمام إيران التي ترفض الاستسلام للقوة الأميركية الهائلة، وتصر على القتال ولو بأسلحة بدائية، مهما طال الامر، بعدما نقلت المواجهة من طهران ومدنها الكبرى، الى مضيق هرمز، بوصفه سلاحها الاستراتيجي الأهم، والاقدر على تغيير جوهر الصراع في الخليج، ودوله العربية، وإجبار أميركا على العودة الى طاولة المفاوضات في أقرب وقت ممكن.. تحت ضغط الشارع الأميركي، الذي لم يعد يجد سبباً كافياً للتحرك، ضد حرب يخوضها الجيش الأميركي على بعد آلاف الاميال من الشواطئ الأميركية.
ما يقوله الخطاب هو ان أميركا مستعدة وقادرة على خوض الحرب لفترة غير محددة بأي مهل زمنية، لا بالاشهر ولا حتى بالسنوات، طالما أنها تقتصر على غارات جوية وصاروخية، فقدت جاذبيتها لدى الرأي العام الأميركي، الذي كان يخشى سقوط قتلى أميركيين، أو كان يرفض تورط قوات برية أميركية في المواجهة مع إيران. الاستنزاف المتبادل خيار صائب لطرفي الحرب، أملته الضرورة المستخلصة من الحملة العسكرية الكبرى في شهر شباط فبراير الماضي، ونتائجها المخيبة للآمال الأميركية، وربما التمنيات الإيرانية أيضا. لكنه ليس الخيار الأمثل للدول العربية المتاخمة لإيران، التي تفقد يوماً بعد يوم، مناعتها الوطنية، وبرامجها الاقتصادية، وتفتقد الى بنية إقليمية، خليجية او عربية، توفر لها الأمان الضائع.
ولعل أهم ما يميز حرب الاستنزاف الحالية، هو خروج، أو ربما إخراج إسرائيل من المواجهات العسكرية الراهنة، بقرار أميركي وإيراني مشترك،لا يدع مجالا للشك في أن تحييد القوة الإسرائيلية هو نوع من المراجعة للوظيفة الإسرائيلية في الخليج العربي، التي تبني على الأخطاء الفادحة التي ارتكبتها إسرائيل في الأشهر الخمسة الماضية، قواعد مختلفة للاستنزاف الخليجي المديد.
بيروت في 17 / 7 / 2026