
تشارك وزارة الثقافة السورية في معرض “ناستكس” الدولي عبر جناح تفاعلي بعنوان “رحلة النسيج السوري… من خيط يولد إلى هوية ترتدى”، يستعرض تاريخ صناعة النسيج ومراحل تطورها، ويبرز مكانة الحرف التقليدية في الهوية الثقافية السورية. ويضم الجناح ورشاً حية، وعروضاً تراثية، ومحطات تفاعلية توثق إرث النسيج السوري وتؤكد أهمية صونه ونقله إلى الأجيال القادمة.
دمشق – تشارك وزارة الثقافة السورية في معرض “ناستكس” الدولي، أول معرض متخصص في صناعة النسيج بالشرق الأوسط، الذي تنطلق فعالياته في مدينة المعارض بدمشق خلال الفترة الممتدة من 18 إلى 21 يوليو الجاري، عبر جناح ثقافي تفاعلي يحمل رؤية متكاملة تسلط الضوء على تاريخ النسيج السوري بوصفه أحد أبرز عناصر الهوية الثقافية الوطنية، وتقدم للزوار رحلة معرفية وبصرية تستعرض مراحل تطور هذه الحرفة العريقة، بدءاً من الألياف الطبيعية وصولاً إلى المنتجات التراثية التي لا تزال شاهدة على براعة الحرفيين السوريين عبر العصور.
وتأتي مشاركة وزارة الثقافة في المعرض ضمن توجه يهدف إلى إبراز الموروث الثقافي السوري وربطه بالصناعات التقليدية التي شكلت على مدى قرون جزءا أساسيا من الاقتصاد المحلي والحياة الاجتماعية، إلى جانب تعريف الزوار بتاريخ صناعة النسيج ومكانتها في الحضارة السورية، وتسليط الضوء على الجهود المبذولة للحفاظ على هذا الإرث ونقله إلى الأجيال الجديدة.
يحمل جناح الوزارة عنوان “رحلة النسيج السوري… من خيط يولد إلى هوية ترتدى”، وهو عنوان يلخص الفكرة الرئيسية التي يقوم عليها تصميم الجناح، حيث يخوض الزائر رحلة متسلسلة تبدأ بالتعرف إلى المواد الخام والألياف الطبيعية المستخدمة في صناعة النسيج، ثم ينتقل إلى مراحل الغزل والنسج والصباغة والزخرفة، قبل الوصول إلى الأزياء والمنتجات التراثية التي شكلت جزءاً من الحياة اليومية في مختلف المناطق السورية.
تجربة تفاعلية تأخذ الزوار في رحلة عبر تاريخ النسيج السوري، من الألياف الطبيعية إلى الأزياء التراثية، احتفاءً بإرث حضاري متجدد
وأكدت رئيسة دائرة التخطيط والبرمجة في إدارة الفعاليات بوزارة الثقافة نور حجار أن المشاركة لا تقتصر على عرض منتجات تقليدية، بل تقدم تجربة ثقافية متكاملة توثق تاريخ الحرفة وتبرز دور الحرفيين السوريين في المحافظة على هذا الإرث، مشيرة إلى أن النسيج السوري يمثل أكثر من مجرد صناعة، فهو سجل حضاري يعكس تطور المجتمع السوري وإبداعه الفني والحرفي عبر آلاف السنين.
وأضافت أن تصميم الجناح يقوم على رؤية تربط الماضي بالحاضر، إذ يتيح للزائر التعرف على مراحل صناعة النسيج بأسلوب تفاعلي يجمع بين العرض التقليدي والتقنيات الحديثة، بما يعزز الوعي بأهمية هذه الحرفة بوصفها جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية السورية.
يستقبل الجناح زواره بفضاء خارجي يحمل اسم “قرية النسيج السوري”، صمم ليستحضر أجواء القرى والأسواق الشعبية القديمة التي اشتهرت بصناعة الأقمشة والمنسوجات. ويضم الفضاء مجموعة من الخيام المستوحاة من أشهر أنماط النسيج السوري، بما في ذلك السدو البدوي، والبروكار الدمشقي، والأغباني، والدامسكو، إضافة إلى الزخارف الحلبية والنقوش الشعبية التي تميز مختلف المحافظات السورية.
وتوفر هذه القرية تجربة بصرية وتراثية تعكس تنوع البيئات السورية واختلاف المدارس الفنية التي ازدهرت فيها صناعة النسيج، كما تمنح الزائر فرصة للتعرف على الخصائص التي تميز كل نوع من هذه المنسوجات، سواء من حيث المواد المستخدمة أو أساليب الزخرفة أو الوظيفة الاجتماعية التي ارتبطت بها.
وتحتضن المنصة الرئيسية داخل القرية عروضاً يومية تشمل عروض الأزياء التراثية والفنون الفلكلورية والندوات الثقافية، إضافة إلى فقرات موسيقية تستلهم أجواء الأسواق السورية القديمة، بما يسهم في تقديم تجربة متكاملة تجمع بين الثقافة والفنون والحرف التقليدية.

يعتمد الجناح على مسار تفاعلي يمر عبر ثماني محطات رئيسية، تبدأ بمحطة “من الألياف إلى الخيط”، حيث يتعرف الزوار على أبرز المواد الطبيعية التي اشتهرت بها سوريا مثل القطن السوري والصوف ووبر الإبل وشرانق الحرير، إلى جانب أدوات الغزل التقليدية التي استخدمت عبر مئات السنين.
وتليها محطة النول الخشبي التي تقدم عروضاً حية لعملية النسج التقليدي، بما يتيح للزائر مشاهدة المهارات اليدوية التي ما زالت تمارس حتى اليوم، والتعرف على تفاصيل هذه الحرفة التي تتطلب خبرة ودقة وصبرا جميلا.
كما تستعرض المحطات اللاحقة أشهر الأقمشة السورية، وفي مقدمتها البروكار الدمشقي الذي اكتسب شهرة عالمية، والأغباني المعروف بتطريزاته اليدوية، والدامسكو، والصاية، والسدو، والبسط، والسجاد، إلى جانب مجموعة واسعة من الزخارف والنقوش التراثية التي تميز المنسوجات السورية وتمنحها طابعها الفني الفريد.
ولا تقتصر الرحلة على عرض الأقمشة فحسب، بل تمتد لتشمل الأزياء الشعبية التي تمثل مختلف المحافظات السورية، حيث يتعرف الزائر على تنوع الأزياء التقليدية واختلافها تبعاً للبيئة والعادات الاجتماعية، إضافة إلى عرض معلومات عن الأسواق التاريخية التي لعبت دورا محوريا في ازدهار تجارة النسيج، مثل سوق الحميدية، وسوق مدحت باشا، وخان الحرير، وسوق المدينة في حلب.
ويخصص جناح وزارة الثقافة مساحة واسعة للورش الحية التي تتيح للجمهور متابعة عمليات الغزل والنسج والتطريز والطباعة بالقوالب وصناعة الإكسسوارات التقليدية، بما يوفر تجربة مباشرة للتعرف على المهارات التي يتطلبها إنتاج المنسوجات اليدوية.
كما تتضمن المشاركة عددا من الأنشطة التفاعلية التي تمنح الزوار فرصة للتعامل مع الخامات الطبيعية ولمسها، ومشاهدة العروض الحية على النول التقليدي، والتقاط الصور بالأزياء التراثية، فضلاً عن المشاركة في لوحة تفاعلية بعنوان “احكِ عن نسيج محافظتك”، والتي تتيح للزوار مشاركة معلوماتهم وذكرياتهم المرتبطة بالحرف التقليدية في مناطقهم.
وتعزز المؤثرات السمعية والبصرية والروائح المستوحاة من بيئة الحرف التقليدية واقعية التجربة، حيث يعيش الزائر أجواء الورش والأسواق القديمة، بما يجعل الزيارة رحلة حسية وثقافية في آن واحد.
ويرافق المعرض برنامج ثقافي متنوع يضم سلسلة من الندوات المتخصصة التي تتناول تاريخ صناعة النسيج السوري، ودور سوريا في طريق الحرير، وأهمية الحرف التقليدية في الحفاظ على الهوية الثقافية، إضافة إلى عروض فلكلورية وأزياء تراثية تمثل مختلف المناطق السورية.
ويختتم البرنامج بعرض بصري يجمع أزياء المحافظات السورية في لوحة واحدة، تعكس التنوع الثقافي الذي تتميز به البلاد، وتبرز في الوقت نفسه وحدة الهوية الوطنية التي شكلت صناعة النسيج أحد أبرز ملامحها عبر التاريخ.

وترى وزارة الثقافة أن مشاركتها في معرض “ناستكس” تتجاوز إطار التعريف بصناعة تقليدية، لتشكل رسالة تؤكد أهمية صون الحرف التراثية بوصفها جزءاً من الذاكرة الوطنية، وتشجيع الأجيال الجديدة على التعرف على هذا الإرث والمساهمة في استمراره.
وأكدت نور حجار أن النسيج السوري يمثل سجلاً حضاريا يحمل في خيوطه تاريخ الإنسان السوري وإبداعه، مشيرة إلى أن الوزارة تسعى إلى تعزيز حضور هذا الموروث في الفعاليات الثقافية، وإبراز قيمته بوصفه أحد أهم عناصر الهوية الثقافية السورية، ورمزا لقدرة الثقافة الوطنية على التجدد والإبداع رغم تغير الأزمنة.
ويقدم جناح وزارة الثقافة في معرض “ناستكس” نموذجا يجمع بين الأصالة والابتكار، من خلال توظيف الوسائل التفاعلية الحديثة في عرض الحرف التقليدية، بما يتيح للزوار خوض تجربة معرفية متكاملة تعكس عمق تاريخ النسيج السوري، وتؤكد أن هذه الحرفة ما زالت حية وقادرة على مواصلة حضورها في المشهد الثقافي والاقتصادي، باعتبارها إرثا حضاريا يستحق الحماية والتطوير ونقله إلى الأجيال المقبلة.