ساطع نورالدين… كاتب وباحث لبناني
لم تكن الصدفة وحدها، بل ربما الحظ هو ما منّ على لبنان بصداقة الرجل الأقوى في العالم الذي لا يمكن التنبؤ بسلوكه، ولا يمكن الاطمئنان الى موقفه، والذي لم يكن يعرف شيئاً عن البلد الصغير إلا من خلاله نخبته اللبنانية الأميركية، التي ساهمت في تشكيل وعيه ومعرفته، وكانت كما يبدو المساهم الأكبر في انتزاع لبنان من الفك الإسرائيلي وتحريره من القبضة الإيرانية.
قال الرئيس دونالد ترامب خلال الاجتماع مع الرئيس جوزف عون، في مديح لبنان، ما لم يقله أي رئيس أميركي او أوروبي او حتى عربي من قبل. وجزم في ان البلد الصغير الذي كان قبل أشهر، بل أسابيع ، يقف على حافة الهاوية ويستعيد كوابيس الحرب الاهلية والتقسيم، والفشل النهائي، استعاد شرعيته الدولية ومشروعه الوطني، وحصل على فرصة ذهبية للخلاص، برعاية أميركية (سعودية)حاسمة ومباشرة.
لم يعد مهماً السؤال عن مصدر تلك الصداقة وذلك التقدير وذاك الود، الذي عبر عنه رجل بنى تجربته الرئاسية على حقيقة أن أحداً لا يستطيع ان يتوقع خطواته، أو ان يتكهن بأقواله. المهم ان لبنان نال فرصته، في أصعب ظرف يمر به منذ تأسيسه. وحصل على تعهد أميركي صريح بأنه لن تُساء معاملته بعد اليوم من أحد، لا من إسرائيل ولا من إيران ولا حتى من سوريا. ما يشكل إنقلاباً جوهرياً في سياسة أميركا التي سبق ان تورطت مباشرة في إساءة معاملة لبنان عندما أهدته مرة لسوريا ومرات لإسرائيل وأخيرا لإيران.. مع الإشارة الى أن ترامب تراجع أمام الرئيس عون عن فكرة تقديم هذه الهدية مجدداً الى حكام دمشق الاسلاميين الجدد، ونزل بها من مرتبة الاقتراح الى مرتبة “المفهوم”..بعدما سمع اعتراضات شديدة من “النخبة” السياسية اللبنانية والأميركية على حد سواء.
لا حاجة الان لمثل هذه المراجعة ولا مصلحة لبنان تحديداً بأن يفتح تلك الصفحة البائسة من تاريخه، بالاعتماد على “الهبة” السياسية والأمنية التي تلقها من رئيس أميركي، بات يمكن ان يدرج إسمه في سجل الضامنين لوقف الحرب الإسرائيلية على العاصمة بيروت، وفي سجل الساعين والمشرفين على إعادة نشر الجيش الإسرائيلي خارج الحدود الدولية اللبنانية، بالتدريج وعلى مراحل، يرجى ان تُختتم قبل خروج ترامب من البيت الأبيض في نهاية ولايته الحالية بعد عامين ونيف.
لكن الرئيس جوزف عون الذي نال واستحق هذا الثناء الأميركي الفريد، باق في الرئاسة حتى العام 2031، ولن يكون من الصعب التكهن، بأنه سينال من الرئيس الأميركي المقبل، ثناءً مماثلاً، يبنى على التجربة التي لم يعد أحد يستطيع ان يوقفها، سوى ترامب نفسه، إذا انقلب مزاجه الشخصي، أو حسابه السياسي الذي كان هو الاخر مؤثراً في تحديد الخيار الأميركي الجديد تجاه لبنان.. والذي لم يُبن فقط على ذلك المزاج، بل أولا وأخيراً، على استنتاج أميركي دقيق، بان الغالبية الشعبية اللبنانية، ومن مختلف الطوائف من دون استثناء، هي ضد الحرب مع إسرائيل، ومع انهاء حالة العداء..ومع الالتحاق بأميركا، حتى ولو حصل هذا الاختيار على قاعدة تفضيل السيء على الأسوأ.
وفي هذا المعنى يكون لبنان قد استفاد من التباعد الأميركي الإسرائيلي الراهن حول سبل إدارة الحرب مع إيران، وعاد الى حضن أميركا التي ألزمت بإسرائيل فعلا، بتقليص حملتها العسكرية على واحدة من الحصص الأميركية في المنطقة..والتلميح على سبيل المجاملة للرئيس عون، الى احتواء شيعة لبنان، والثناء على الرئيس نبيه بري، والاستعداد للتحاور مع حزب الله، الذي يخشى ان يكون قد صدّق ترامب، وبدأ الاستعداد لتشكيل وفده للقاء مع الرئيس الأميركي، او مع قائد القيادة الأميركية الوسطى الجنرال براد كوبر!
عندها يكون الحزب قد أساء التقدير مجدداً، ولم يفهم أن الغرض الرئيسي من قمة واشنطن، هو توسيع المظلة الأميركية على لبنان، وفك ارتباطه نهائياً بإيران، التي لن يكون من السهل على طيرانها المدني-العسكري، أن يجد يعد اليوم مدرجاً للهبوط في مطار بيروت الدولي الذي سيعج برحلات شركات الطيران الأميركية، حسب تعليمات الرئيس ترامب التي تلقاها وزير النقل الأميركي شون دافي، وأدى تحية الالتزام الفوري.. بقرار يفوق كل التوقعات التي سبقت الإعلان عن الحلف الأميركي اللبناني الجديد.
بيروت في 22 / 7 / 2026