
أنس وهيب الكردي…. المدن
مع إعلان جماعة “أنصار الله” (الحوثيين) في اليمن فرض حظر الملاحة البحرية على السعودية، تدخل المنطقة مرحلة جديدة بالكامل.
أعلن الحوثيين هذه الخطوة بعد فشل محاولاتهم ومحاولات قادة في الحرس الثوري الإيراني ثني الولايات المتحدة عن تنفيذ الاتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل، والذي شدد الخناق على حزب الله. وعبر هذه الخطوة التي تستهدف الضغط على السعوديين، يريد أولئك القادة في الحرس الثوري وقادة في جماعة “أنصار الله”، أن يدفعوا الرياض إلى التحرك لدى واشنطن وبيروت وإقناعهما بالتخلي عن الاتفاق. وعلى الرغم من أن الحوثيين أرجعوا خطوتهم إلى الحصار الذي تفرضه السعودية على الأجواء اليمنية، وحادثة الطائرة الإيرانية، لكن من الواضح أن تحركاتهم كانت منصبة على إنقاذ حزب الله من التهلكة التي ألقى إليها نفسه ولبنان.
وقد يكون هناك بعض القادة في الحرس الثوري من الذين أزعجتهم صادرات النفط السعودية عبر البحر الأحمر، وتحول السعودية إلى ممر لوجستي لدول العربية على الخليج العربي، من خلال موانئها على البحر الأحمر، وتفطنوا إلى أن الرياض خرجت من حربهم في الخليج وإغلاقهم مضيق هرمز، رابحةً على الصعيدين الجيو-اقتصادي والجيوسياسي، فأرادوا أن يستلبوها مكاسبها. وهذا مما عودّنا عليه رجالات الحرس الثوري وأنصارهم في المنطقة، الذين يكنون حقداً لا يرتوي على الدول العربية عامةً، والسعودية خاصةً.
بذلك، ارتبط الحصار الحوثي على السعودية في البحر الأحمر، منذ انطلاقته، بمطلب طهران إرخاء وثاق الحصار اللبناني الداخلي عن حزب الله عبر إيقاف تنفيذ الاتفاق الإطار، بعد أن فشلت جهود الحزب ومعه حركة “أمل” في التأثير عليه قيد أنملة، الأمر الذي عكس التراجع الكبير في نفوذ الثنائي وقدراته السياسية.
يساهم الحوثيون والإيرانيون، بفعلتهم هذه، في خلخلة الترتيبات الإيرانية-السعودية التي توسطت لإنجازها الصين عام 2023، وضمنت الاستقرار الهش في اليمن والتهدئة بين السعودية والحكومة اليمنية الشرعية من جهة، وبين الحوثيين وإيران من جهة أخرى. لكن تخلخل هذه الترتيبات، قد يدفع الرياض إلى تعزيز علاقاتها بالولايات المتحدة، وتوثيق تحالفاتها الإقليمية، فضلاً عن تعديل سياستها المتوازنة حيال الحرب الأميركية الإسرائيلية على طهران، وكل ذلك سيكون على حساب المصالح الإيرانية.
أصيب قادة “الحرس الثوري” بالدهشة مع الانخفاض النسبي لقيمة ورقة مضيق هرمز، وتراجع قدرتهم على استخدامه على ابتزاز الولايات المتحدة ودول الخليج العربي، مما دفعهم إلى الانتقال للتلويح بالهجوم برياً على إحدى بلدان الخليج، عبر الأراضي العراقية. وحرصوا على بث الكثير من الأنباء عما نقلوه من عناصر مسلحة وأسلحة هجومية إلى جارتهم الشرقية خلال مراسم تشييع المرشد الأعلى السابق علي خامنئي في العراق. والهدف الذي يحرك أولئك القادة حالياً الضغط على السعودية ودول الخليج، كي تنقذ حزب الله من التطويق الذي يجد نفسه خاضعاً له.
وكأن ذلك لم يكن كافياً، إذ عمد قياديو الحرس الثوري الإيراني إلى توتير العلاقات مع تركيا وسوريا، أيضاً. سبق لأنقرة أن عقدت تفاهمات أمنية مع طهران، امتنعت بموجبها إيران وحلفاؤها في لبنان والعراق عن استهداف البنية التحتية السورية أو المواقع التابعة للجيش السوري خلال الحرب الدائرة بينها وبين الولايات المتحدة، ومقابل ذلك اتخذت دمشق وأنقرة موقف الحياد حيال حزب الله في حربه مع إسرائيل، شريطة أن يمتنع عن استخدام الأراضي السورية كممر لتهريب أسلحته. إلا أن تساقط الصواريخ الإيرانية على منطقة التنف شرقي سوريا مرتين خلال أيام، أوحى بأن طهران تهز العصا لدمشق وأنقرة معاً، وأنها لن ترضى، بعد الآن، بالحياد السوري التركي، وإنما تريد من الدولتين فتح ممرات تهريب السلاح إلى لبنان على مصارعيها، لإنقاذ الحزب المحاصر على كافة الصعد.
تؤكد التحركات الإيرانية في المنطقة أن قادة الحرس الثوري يعتبرون أن نظامهم لم يعد مهدد بعد فشل الحملة الأميركية في اقتلاعه. لذلك، يمكنهم تهديد دول المنطقة بجرأة أكبر، وإجبارها على تجرح كأس السم الإيراني، المتمثل في السير خلف ركاب طهران الساعية إلى استعادة نفوذها الإقليمي كما كان قبل عملية “طوفان الأقصى” وربما أكبر من ذي قبل.
وإن كان “الحرس الثوري الإيراني” يعمل على ابتزاز السعودية عبر ذراعه اليمني، وتركيا عبر التلويح باستهداف الحكم القائم في سوريا، فالأرجح أن يغازل قريباً نيودلهي وكابول لإثارة هواجس إسلام آباد. إن العقلية التي تحكم قيادات الحرس مشبعة بالعداء لدول المنطقة، ولذلك يظل الصراع معه مستمراً بغض النظر عن الحرب الدائرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وكما تترنح الترتيبات الإيرانية التركية حول سوريا ولبنان، والتفاهمات بين طهران والرياض حول أمن اليمن، يجاهر قياديون في حزب الله، بعزمهم نسف التهدئة بين إيران والسعودية حول لبنان، والتي كان من ثمارها، استقرار بلاد الأرز وانطلاق عهد الرئيس جوزاف عون وتشكيل حكومة نواف سلام. كما يسعى الحرس الثوري الإيراني، إلى زعزعة استقرار الحكومة العراقية الجديدة ومنعها من المضي قدماً بدعم أميركي في حصر السلاح، كي يظل جنرالاته قادرين على استخدام الفصائل الولائية والأراضي العراقية في هجماتهم على دول المنطقة عامةً، ودول الخليج خاصةً، وصولاً إلى تهديدها علانية بالاجتياح البري.
سعت السعودية وغالبية دول الخليج، إلى جانب تركيا، إلى تجنيب إيران تجرع كأس الحرب، كما رفضت بعد اندلاعها طلبات واشنطن للاشتراك بها، وأحبطت محاولات رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو لجرها إلى تلك الحرب التي لا ناقة لها فيها ولا جمل. والأمر المثير للدهشة أن الإيرانيين كانوا هم من سعوا إلى توريط تلك الدول وقصفها في الجولة الأولى التي انطلقت يوم 28 شباط/فبراير الماضي، واليوم يعملون على نسف الترتيبات التي بنوها معها لحفظ شيء من الاستقرار في المنطقة. هكذا، تترنح الترتيبات الإيرانية السعودية حول لبنان واليمن، والتفاهمات بين أنقرة وطهران بشأن سوريا ولبنان، والقواعد الأميركية الإيرانية لإدارة الشأن العراقي، الأمر الذي يوحي بتفجر صراع إقليمي واسع النطاق، لا يريده أحد إلا نتنياهو.