تباينت الطرق التي دخلت فيها الحرب الأهلية اللبنانية إلى مدارس بيروت. وكان دخولها المدارس الخاصة شبيهاً بالتسلل؛ حيث عملت الإدارات، وإشراف الأهل، والانتماء إلى الطبقتين المتوسطة والثرية، كحواجز لترشيح أجواء الحرب ومنعها من الوصول بكل عنفها وحقيقتها إلى تلامذة ظلُّوا، في أعوام الحرب الأولى على الأقل، يُتابعون دراستهم من دون تأثر مباشر بما يجري خارج أسوار مدارسهم التي بدا أن الزمن توقف عندها. ظلَّ المستوى الأكاديمي مقبولاً في تلك المدارس، وبقي الانضباط وعلاقة التلامذة ببعضهم وبمعلميهم ضمن الأصول التي رسخَت قبل الحرب.

المدارس الرسمية كانت عالماً آخر. لم تعصف الحرب بمبانيها التي تحوَّلت أثناء جولات القتال، إلى مراكز عسكرية ومآوٍ للمهجرين فقط، بل تركت آثاراً عميقة على التلامذة والأساتذة ومناهج التعليم. احتلت الحرب مركز المعلم الأول والأهم خصوصاً في الثانويات الرسمية، حيث كان وعي الطلاب قد اصطدم بالحرب ومشهدها الدموي ووقائع الخطف والقتل والنهب وانهيار الدولة وما تُمثّل من التزام بالقانون والنظام العام، وصولاً إلى النظافة. أصبحت المدارس الرسمية ثكنات لتدريب المقاتلين المقبلين، خصوصاً أن الفئات التي تضرّرت من الحرب وانتقلت إلى جمهرة الفقراء، لم يكن أمامها سوى المدرسة الرسمية للحصول ولو على القدر اليسير من التعليم، الذي شكّل للكثيرين مرحلة انتقالية قصيرة قبل الدخول إلى سوق العمل من أبوابه الضيقة، والبدء من أدنى درجات السلم الوظيفي. هذا الواقع جعل الانتماء السياسي إلى الأحزاب والمنظمات، لبنانية وفلسطينية، تعبيراً عن احتجاج ورفض للمصير الذي ينتظر تلميذ المدرسة الرسمية، الذي ستكون حظوظه ضئيلة في منافسة نظرائه في المدارس الخاصة في الحصول على تعليم نوعي أو وظيفة لائقة.

اليوم الأول

كان يومي الأول في «ثانوية رمل الظريف الرسمية للبنين»، في السنة الدراسية 1977-1978، يوماً عجيباً. ساعة دخولي، كان ملعب المدرسة بأرضيته الإسمنتية يشهد ما ظننته تظاهرة أو أعمال شغب صاخبة من مئات التلامذة الذين كانت أشكالهم وألوانهم تختلف عن تلك التي تعودت عليها في مدرستي السابقة «مار إلياس بطينا» الواقعة في حيّ وطى المصيطبة البيروتي.

صخب وغبار وأولاد يتراشقون بالأحجار في ما يشبه جنّة التلامذة المفقودة، حيث يتمتعون بحريتهم إلى أقصى حدودها وأشدها وحشية، أو ربما يوم القيامة، حيث يُمارِس كل واحد ما يرغب به من ألعاب مهما كانت خشنة وعدوانية في غياب كامل عن رقابة الأساتذة والإدارة. وثمّة هديرٌ يتولَّد في الملعب المزدحم ليُنتج تمازجاً بين آلاف الأصوات وصرخات التشجيع لمباراة في كرة القدم تجري في ناحية من نواحي الملعب، ويفصلها عن لعبة أخرى خطُّ رُسم بالطبشور الأبيض وحجران يُشيران إلى حدود المرمى. في مكان آخر تلامذة يلعبون «الشكّة» وهي عبارة عن سهم حديدي صغير يُلقيه اللاعبون في دائرة مرسومة على فسحة ترابية من الأرض، ويتقاسمون أجزاء الدائرة ليفوز من يستطيع تكوين الدائرة الكاملة. وظلّت «الشكّة» أميرة ألعاب ثانويتنا إلى أن أصاب السهم ذات يوم عين تلميذ واقتلعها، فقرّرت الإدارة يومذاك حظر اللعبة التي اكتسبت مزيداً من الشعبية والانتشار بعد ذلك الحظر. فكلّ محجوبٍ مرغوبٌ، على ما هو معروف.

في زاوية الملعب الغربية، كُسِرت الأرضية الإسمنتية، وظهر رمل أحمر اللون. وكان التلامذة الأقدم يقولون إن مربض هاون لحركة «فتح» نُصب أثناء حرب السنتين في هذه الزاوية، وكان يجب إزالة الإسمنت حتى يمكن تركيز الهاون. فالمدرسة، بفضل مساحة ملاعبها، وتعدّد طبقاتها، وكثرة صفوفها، وقاعة احتفالاتها الكبيرة، لطالما شكّلت نقطة جذب دائمة عند كل «منعطف تاريخي». فهي تارة مركزٌ لمجموعة مسلحة أو مربضُ مدفعية، وطوراً مركز تجمُّع للاجئين الهاربين من اجتياحات وحروب متنوعة. مهمات عدة كان يؤمنها هذا المبنى الكبير على مدى سنوات الحروب، والتعليم ليس إلا واحداً منها، وربما أقلها أهمية.

يوم القيامة كان يدور أمام ناظري، ليفرض مقارنة مع الهدوء والنظام اللذين يُسيطران على ملاعب «مار إلياس بطينا». أذكر من الأيام الأولى في ثانوية رمل الظريف، حالة دائمة من الصداع بسبب الهدير وكثافة المشاهد. لكنه يوم كباقي الأيام بالنسبة إلى المدرسة صاحبة التاريخ الحافل في الحركة الطلابية اللبنانية، والتي خرجت من أبوابها تظاهرات لا تُحصى لقضايا لم يعد هناك من يتذكرها. القيامة وضجيجها كانا هما القاعدة السائدة فيما يُنذر هدوء الملاعب والصفوف بخطبٍ ما، سيئ في الغالب، كوقوع انفجار سيارة مفخخة في الخارج مثل تلك التي أودت بحياة المسؤول الفلسطيني أبي حسن سلامة، على بُعد شوارع قليلة من مدرستنا، أو اشتباك مسلح بين فصيلين محليين.

انتسبت إلى رمل الظريف تلميذاً في الصف الأول المتوسط، وبقيت فيها إلى أن حصلت على البكالوريا، قسم الرياضيات في 1984، بعد سبع سنوات. لم يكن انتقالي من مار إلياس إلى الظريف حدثاً سعيداً. ذاك أن والدي كان قد فقد قبل الحرب وظيفته كمترجم في وكالة «نوفوستي» السوفياتية، ولم يعثر على عمل آخر يكفي راتبه لتأمين أقساط أولاده الأربعة في مدرسة متوسطة المستوى مثل مار إلياس. فكان أن انتقلنا، أخي الأكبر حسن وأنا، إلى الظريف، وأختي ريما إلى ثانوية المنارة الرسمية في قريطم، وشقيقي الأصغر فداء إلى مدرسة «بيت الأطفال» التابعة لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية، قرب ساحة البربير.

رأينا في الانتقال هذا، نحن الأشقاء، التلامذة الآتين من طبقة متوسطة تعتبر العلم وسيلة لا غنى عنها، ليس للارتقاء الاجتماعي فحسب بل لمجرد العيش والحصول على عمل، انحداراً إلى العدم. وعندما كنّا لا نزال في «مار إلياس» كان من بين أسلحة والدتي في حضّنا على الدراسة التلويح بنقلنا إلى «المعارف» الاسم القديم لمدارس التعليم الرسمي، والأرجح أنه متوارث عن التسمية السابقة لوزارة التربية، «وزارة المعارف».

مدارس المعارف، في قاموس أمي وخالاتي والجارات اللواتي كنّا نحضر مجالسهنَّ، كانت زرائب لنشر الجهل وتقليص عدد الأولاد المشردين من الشوارع وإبقائهم في مكان مقفل. فلا اهتمام فيها باللغات الأجنبية، ولا بالعلوم، ولا بالانضباط والتهذيب. أمّا روادها فهم أولاد أناس أصابتهم نوائب الدهر واستوطنوا في رحاب الفقر. وهذه بالتحديد الميزات التي تشغل بال سيدات الطبقة الوسطى من سُنّة بيروت لتكريسها في الأبناء والبنات أو للحيلولة دون وقوعهم فيها. ولا مشكلة إن جاء تعلم الخضوع لقيم العائلة ورُؤَاها من مدرسة مسيحية، ما دام الطفل/ الطفلة سيحصل على ما يؤهله للانخراط في مجتمعه، المسلم أو المسيحي، لا فرق، بعد تسليحه بالهوية الطائفية المناسبة، والتي لا مهرب منها في أعوام النمو اللاحقة.

ملأت ذهن أمي شكوك عميقة في قدرة مدارس المعارف على أداء هذا الدور، بعدما تبيَّنت عدم قدرة أبي على تأمين المبلغ المطلوب للقسط المدرسي. وبما أن وضع أبي المالي المُتعثر لم يكن قابلاً للعلاج، صعُبَ عليها أن تسلّم بانتقالنا إلى «المعارف» ولم توافق إلا اضطراراً وتسليماً بأمر واقع لا قبل لها بتغييره. الخطوة هذه كانت إشارة لم تفت والدتي حادة الذكاء وعالية الحساسية الاجتماعية، إلى تدني رتبتها عند عائلتها التي ما زالت تحتفظ بإرث تركي- عثماني وبقناعات لا تقبل الجدل حول فضائل «أبناء العائلات» والتربية الحديدية والتهذيب والطاعة وما شاكل. كل ما ومن يقع خارج هذه التصنيفات كان يستحق التجاهل كحد أدنى وصولاً إلى الاحتقار المعلن. المفارقة أن أمي تزوجت رجلاً شيوعياً لم يكن يملك سوى بيته وعمله. عند عرض هذه التناقضات عليها كانت تقول إن «أباكم آدمي» لتخرج بتسوية مقبولة بين معاييرها القديمة وبين زواجها من أبي.

بيد أن «آدمية» والدي، لم تكن تساهم في دفع قسط المدرسة، كما لم يكن لها أثر يُذكر على دفتر ديون دكان السمانة القريب، الذي لم يكن صاحبه يتردّد في تذكيرنا، نحن الأطفال، بضرورة أن يُسدِّد الوالد الديون المتأخرة. وهذا أمر من بين ما جعل أمي ترضخُ لانتقالنا إلى المدرستين الرسميتين، بالنسبة لي ولحسن وريما، ولقبول منحة تعليمية لفداء لتسديد قسط «بيت الأطفال» المقاصدي، الذي سرعان ما كرهه فداء أيما كراهية، لينضم إليّ بعد سنوات قليلة في ثانوية رمل الظريف، وكنّا في ذلك الحين قد فقدنا حسن.

توزّع الدوام في المدرسة إلى فرعين. الفرع الأول إنكليزي، تكون فيه أيام الاثنين والثلاثاء والسبت قبل الظهر، فيما الأربعاء والخميس بعد الظهر، والجمعة والأحد عطلة أسبوعية. الفرع الثاني، الفرنسي الذي كنت من تلاميذه، يعتمد دواماً معاكساً، ليكون الاثنين والثلاثاء والجمعة بعد الظهر ويوم السبت والأحد عطلة أسبوعية. ليس عسيراً تصور سيئات هذا التقسيم على أولاد في الثانية عشرة من العمر. فالتوزيعُ التقليدي لساعات نشاط التلامذة يفترض النهوض في الصباح الباكر، والتوجه إلى المدرسة، والعودة بعد الظهر للدراسة وإتمام الواجبات قبل الراحة واللهو، من ثم الخلود إلى النوم. دوام بعد الظهر يُلغي هذا التوزيع، ويُضفي الفوضى على ساعات النوم والدراسة، وغالباً ما تكون له آثار غير مباشرة على مجمل حياة الطالب. والنظام هذا ما زال معتمداً في العديد من المدارس الرسمية بسبب الاكتظاظ وعدم توفُّر المقاعد الكافية للتلامذة الآتين من فئات اجتماعية فقيرة ومتوسطة دنيا، خصوصاً أن البلاد تبدو كمن يمرُّ في باب دوار من الحروب وموجات النزوح واللجوء أو الكوارث الاقتصادية، مثل تلك التي بدأت في 2019. الشيء بالشيء يُذكر أن الجامعة التي درست فيها في لينينغراد (سانت بيترسبورغ الروسية) كانت ذات دوامين، نهاري ومسائي، حيث تتبدَّل كل سنة الكليات التي تداوم قبل الظهر أو بعده، في ما بدا كتذكيرٍ قدريٍّ.

المهم أن الفرع الإنكليزي من ثانوية رمل الظريف، ويُسمّى الأول، كان في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي تحت سيطرة التلامذة الفلسطينيين الذين كان أهلهم يُفضِّلون تعليم أبنائهم اللغة الإنكليزية. في حين أن الفرع الثاني، الفرنسي الذي درست فيه، كان ذا أكثرية شيعية ساحقة. لم أكن ضليعاً في ذلك الزمن بالتمييز بين أبناء الطوائف المختلفة. ما يهمني كان أن يكون زميلي مرتباً ومهذباً، وفق القياسات التي تكوَّنت لدي في مار إلياس. وهذا ما جعل تكوين صداقات مهمة بطيئة وصعبة.

من أولى الأحداث التي وقعت في الأشهر الأولى من دراستي في الظريف كان مقتل تلميذ في صف ثانوي أثناء إشكال مسلح. في اليوم التالي، رفضت الإدارة إقفال المدرسة، فتولى ذلك بدلاً عنها مجموعة مسلحة من حزب محلي. وتلقى المدير «توبيخاً» من قائد المجموعة بضرورة الالتزام بالتوجهات الوطنية في مثل هذه الظروف.

شهد عامي الدراسي الأول الاجتياح الإسرائيلي للجنوب في آذار (مارس) 1978. ولم تمضِ أيام إلا وكانت الصفوف قد تحوّلت إلى بيوت مؤقتة للنازحين، وأصبحت قاعة الاحتفالات الكبيرة التي كنّا نشهد فيها مهرجانات خطابية للأحزاب الوطنية والفصائل الفلسطينية، مخزناً للألبسة والتبرعات. وقد شاركتُ في فرز الملابس وتصنيفها باعتباري عنصراً في «كشافة التربية الوطنية» التابعة لوزارة التربية. كانت أكوام الملابس المستعملة التي يُرسلها جيران المدرسة للمهجرين تتراكم في أنحاء القاعة. زاوية لملابس الأطفال. وزاوية للملابس النسائية… وكان المهجّرون يمرون على الأكوام المختلفة لانتقاء الأفضل بين الثياب.

«مدرسة الزعران»

تأسست الثانوية في الستينيات من القرن الماضي ضمن خطة الرئيس فؤاد شهاب لبناء مؤسسات رسمية عصرية. ويقع مبناها الكبير على «أوتوستراد القنال 7»، على اسم محطة التلفزيون التي أصبحت لاحقاً جزءاً من «تلفزيون لبنان» أو شارع الراشدين بحسب تسميته الرسمية، وهو الواصل بين شارعَي الحمراء وكورنيش المزرعة. وكان منزل أهلي يقع مقابل حديقة التلفزيون (‘حديقة المفتي الشهيد حسن خالد’ لاحقاً) التي قَلبها حكم اللصوص في العقد الثاني من الألفية إلى قطعة أرض خالية بعدما حُطّمت مقاعدها وألعابها واقتلعت أشجارها بذريعة إنشاء موقف للسيارات تحت أرضها. ثم تُرِكت خرابة من خرائب لبنان الكثيرة إلى أن ارتأى لصوص آخرون أن يجعلوها قطعةً إسمنتية بشعة تتناسب مع المعايير السائدة في المدينة المنكوبة.

واشتهرت مدرستنا، رمل الظريف، بمشاركتها الدائمة والعنيفة في غالب الأحيان في الحركة الطلابية أوائل السبعينيات. وأذكر أننا مررنا، أبي وأنا، قربها قبل شهور من حرب السنتين، أثناء صدام بين تلامذتها وقوى الأمن. وراح الطلاب يصرخون بنا من فوق سور المدرسة «بدنا حجارة… بدنا حجارة»، آملين أن نلقي لهم ما في الطريق من أحجار كانوا قد قذفوها على عناصر الشرطة، فيما اختبأ وراء سيارة قريبة شرطي جاء لإنهاء الاحتجاج، رافعاً درعه فوق رأسه.

ومن بين الأخبار المتداولة بيننا كان تصريحٌ منسوب إلى الشيخ بيار الجميّل، رئيس حزب الكتائب والشخصية المحورية في السياسة اللبنانية بين الخمسينيات والثمانينيات، أثناء التظاهرات الطلابية الحاشدة أوائل السبعينيات يصف فيه رمل الظريف «بثانوية الزعران». لم أعثر على تصريح الشيخ بيار. لكن يبدو لي أنه تسرّع قليلاً في إطلاقه الصفة هذه. ربما لو صبر بعض الوقت ليرى المسدسات والقنابل اليدوية تدخل وتخرج من قاعات الدرس بدلاً من العصي والحجارة التي كان الطلاب يلقونها على أفراد قوى الأمن الداخلي و«الفرقة 16»، لأدلى بتصريح يتناسب أكثر مع همومنا النضالية. أو ربما كان عليه أن يتابع أوضاع ثانويتنا أكثر ليرى كيف صار كثير من هؤلاء «الزعران» مقاتلين يُغذُّون صفوف المليشيات والتنظيمات المختلفة، لكنها تتشارك في اعتماد أبناء الفقراء لحماً للمدافع.

وتتكوّن المدرسة من ملعبين، صيفي كبير وشتوي أصغر مساحة، وأربع طبقات تضمُّ عشرات الصفوف، فيما تقع المختبرات في جناح شبه مستقل وهي أربعة أيضاً. في السنوات التي أعقبت عامَي الحرب الأهلية الأولين، بدا وكأن هذه المختبرات قد نُهبت ولم يبقَ منها شيء سوى بعض الأنابيب الزجاجية. ولم تكن الأشجار معروفة في رمل الظريف، خلافاً لمار إلياس، التي كانت شجرة جميز ضخمة تحتل ساحتها الرئيسية، إضافة إلى أشجار البرتقال التي كانت في القسم الابتدائي. وفي فصل الربيع يأتي عمال لجمع زهور الليمون المتساقطة وينصبون «كركة» في وسط الملعب لصنع ماء الزهر. روائح مار إلياس، من بخور كنيستها إلى زهور ليمونها وماء زهرها، كانت على نقيض روائح ثانويتي الرسمية بمراحيضها القذرة، وملاعبها المغبرة، وأبخرة عرقنا نحن التلامذة، بحيث كان جميع الأساتذة يُصرِّون على فتح النوافذ عند دخولهم صفوفنا، ولو في عزّ الشتاء. ولا أنسى أنّ معلمة الفيزياء في صف البكالوريا وجَّهت لنا نصيحة «من أخت كبيرة» بضرورة الاستحمام المنتظم وأن الفقر ليس حجة لانعدام النظافة الشخصية وأن الماء والصابون «ليسا مما يعجز أهلكم عن تأمينه».

إلى يمين المدرسة يقع مشتل زهور، ووراءه معمل للرخام والبلاط. كانت أصوات آلات النشر الهادرة تتدخل في كثير من الأحيان لمقاطعة شرح الأساتذة، الذين يلزمون الصمت إلى أن تنتهي ضجة المناشير الكهربائية الضخمة، أو يغلقون النوافذ المفتوحة دائماً. وبسبب الدوام المسائي، كنّا في حاجة ماسة إلى الإضاءة التي توفرها لمبات فلوريسانت، قبل أن تختفي مع مجيء نازحي اجتياح 1978. تلت ذلك شهور كنّا نعود خلالها إلى المنازل قبل وقت الانصراف الرسمي بسبب عتمة الصفوف. وعمدت الإدارة إلى تركيب مصابيح عادية لتجاوز هذه الحالة. ولم يمضِ وقت طويل قبل أن تتحطم في مباريات بين التلامذة حول من يصيب المصباح الكهربائي بدقة بحجر صغير يأتي به من الملعب…

في مواجهة المدرسة لناحية الشرق يقف «سجن النساء» الذي اقتحمه المسلحون في المرة الأولى بعد شهور قليلة من اندلاع الحرب، على غرار السجون الأخرى في بيروت، والتي كان أكبرها سجن الرمل، حيث تقوم اليوم كلية الهندسة التابعة لجامعة بيروت العربية. ومع نهاية حرب السنتين، رُفعت لافتة كبيرة على مدخل السجن كُتب عليها «سجن بيروت». وظلّ السجن هذا يستقبل النزلاء بتقطّع فرضته جولات القتال والاجتياح الإسرائيلي إلى أواسط الثمانينيات عندما تحوّل إلى مخفر لقوى الأمن الداخلي، ومن ثم إلى مقر لوحدة عسكرية من الجيش اللبناني.

لم يُشكِّل التقابل بين السجن والمدرسة مشكلة فلسفية أو نفسية لنا. «السجن مطرح الجنينة» بحسب أغنية الثنائي أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام، أو مقابل المدرسة في حالتنا، كان أمراً غاية في العادية، ربما لم يلفت انتباه أحد. وهو بطبيعة الحال، لم يُحرِّك احتجاجات أهل التلامذة الذين كانت تشغلهم أمورٌ أخطر شأناً، كتدبر لقمة العيش. وبالمناسبة، لم تكن هناك لقاءات دورية بين الأهالي والمعلمين، مثل تلك التي تعرّفت عليها في مدرسة ابنيَّ. وكانت العقوبة القصوى للتلميذ تستدعي إحضار «ولي أمره» في اليوم التالي، وغالباً ما كان التلامذة يتجاهلون الطلب هذا.

ثم ظهرت ملصقات على جدران ثانويتنا تعتبر «الإمام الخميني ولي أمر المسلمين»، ما زودنا بمادة إضافية للتفكير العميق في كيفية التهرب من طلب إحضار ولي الأمر في حال وقعت علينا العقوبة.

وكنّا نرى في ساعات الانصراف المسائية نزلاء السجن يقفون عند نوافذ غرفهم. والحق أن ما من إجراءات أمنية تُذكَر كانت تحيط بالسجن، باستثناء جدار متوسط الارتفاع يعلُوه سلك شائك حديدي متهالك، وبعض الحراس من قوى الأمن الداخلي. هذه البساطة من ناحيتَي المكان على تخوم شارع الحمراء القريب، وشبه انتفاء الحراسات المشددة، كانت تُعطي الانطباع أن السجن يؤدي دوره ضمن اتفاق عام أهلي وحزبي بعد 1975، يقضي بالحفاظ على مظاهر الدولة والسلطة مهما كانت هزيلة. الدليل على ذلك أن السجن كان يتعرض للهجوم، ويُطلَق سراح نزلائه في كل مرة يهتز فيها التوافق العام على مهمات السلطة، في 1976 و1982 و1984 (‘انتفاضة 6 شباط’).

على يمين المدرسة كانت أرض خلاء تتخللها أشجار الكينا المعمرة. وتصل مساحة الأرض هذه إلى مبنى وسينما الكونكورد. بعد الحرب، بيعت الأرض وبُني عليها المقر الرئيس لمصرف كبير، وصُودر قسم من ملعبنا لتمر عليه طريق فرعية. وفُتح باب إضافي للمدرسة على الطريق هذه.

في سنواتي السبع في رمل الظريف، عشت الاجتياح الإسرائيلي الأول والثورة الإيرانية، التي كانت حدثاً محبوباً عندنا؛ لأنها أعفَتنا من الدروس لأسابيع عدة أمضيناها في الملعب، نمارس ألعاب الكرة و«الشكة» فيما كان المتحدثون من الصفوف الثانوية يصرخون بشعارات عن المستضعفين والطاغوت والاستكبار العالمي. كذلك كانت «أيام الأرض» الفلسطينية وتأسيس مختلف الفصائل الفلسطينية واللبنانية مناسبات سعيدة للتحرّر من الدوام المدرسي. ندوات ومهرجانات كانت تجري في القاعة الكبيرة في الطابق الأرضي بكثافة يصعب تصوُّرها اليوم. أمّا الملصقات السياسية فتغطي جدران الثانوية وتتبدل وفقاً للمناسبات الوطنية. جمال عبد الناصر كان ينظر إلينا عابساً في ذكرى النكسة، باسماً في موعد ميلاده. يُحيينا رافعاً يده في ذكرى الوحدة. محاطاً بأقواله الخالدة. ودارت منافسة قاسية بين التنظيمات الناصرية حول من يُلصق العدد الأكبر من الصور في بيروت بأسرها، ومدرستنا بطبيعة الحال. «الاتحاد الاشتراكي العربي- التنظيم الناصري» أو «حركة الناصريين المستقلين – قوات المرابطون» كانا التنظيمين الأبرز في هذه المسابقة. «قوات ناصر» و«اتحاد قوى الشعب العامل» لم يُظهرا البراعة ذاتها، أو لعلَّ بُعد مكاتبهما في حي العرب، منطقة الحرش بالنسبة إلى الأول وبرج أبي حيدر بالنسبة إلى الثاني (وهما الشارعان اللذان يقع فيهما منزلا زعيمي التنظيمين عصام العرب وكمال شاتيلا، على التوالي)، كان يحولُ دون اطلاعنا على نتاجهما في فن الملصقات الناصرية.

ثم جاءت صور الإمام الخميني بحاجبيه الكثيفين ولحيته البيضاء ووجهه دائم التجهُّم، على نقيض عبد الناصر الحليق والباسم وحاسر الرأس. ملصقات الخمينيين، الذين لم يكونوا قد غادروا «حركة أمل» في ذلك الحين، حملت بعضاً من أقواله التي تُركِّز على الطاغوت والمستضعفين والغدة السرطانية إسرائيل، كما سلف. «لا شرقية ولا غربية» قال ملصق على الباب الحديدي لثانوية رمل الظريف الرسمية للبنين. وكمّله ملصق آخر بعد اندلاع الحرب الإيرانية مع العراق: «على كل مسلم أن يتعلم ركوب الدراجة النارية». ذاك أن الدراجات النارية أدت دوراً مهماً في الحرب بسبب افتقار إيران إلى الآليات العسكرية المصفحة. وبفضل سرعة وخفة الدراجات يمكنها أن تحمل رامي «آر بي جي» وراء السائق ما يكفل تسديد ضربة بالسلاح المضاد للدروع العراقية. أستاذ اللغة العربية قال لنا مرة إن هذا الشعار تحديداً يرمي إلى استدراج «الشبان الذين في مثل أعماركم وإغرائهم بالدراجات النارية من أجل تجنيدهم في صفوف الخمينيين». بعد شهور ظهرت عبارة أخرى للخميني «لو سكب كل مسلم دلواً من الماء لجرفت إسرائيل السيول»… هذه الجملة تعرّضت «للتفكيك» في الملعب الصيفي، إذ وقفنا، أنا وزملائي، نحسب عدد المسلمين والدلاء التي بحوزتهم، وكمية الماء التي يمكن أن يحتويها مليار دلو يتسع كل منها لعشرين لتراً من الماء، وما سيفعله هذا المقدار إذا صُبَّ دفعة واحدة على إسرائيل، وكيفية وقوف مليار مسلم حول الحدود معها، وما شابه ذلك من المسائل التقنية. غني عن البيان أننا لم نصل إلى نتيجة حاسمة في ما إذا كان مليار دلو من الماء كفيلاً بإزالة العدو الغاشم من أرضنا المحتلة.

وقبل الاجتياح الإسرائيلي الثاني في 1982 ببضعة شهور، حجَبَت الجدران ملصقات كبيرة «للجبهة الشعبية – القيادة العامة». لعلها أُلصقت في ذكرى تأسيس «القيادة العامة» أو غير ذلك. المهم أن واحداً من الملصقات كان لصورة راجمة صواريخ يخرج من إحدى فوهاتها صاروخ يتبعه شهاب ناري. فيما يظهر في ملصق آخر مدفع 130 ملم يشدُّ حبل إطلاقه جندي وسط غبار ودخان كثيفين. وقيل يومها إن ليبيا أعطت «القيادة العامة» هذه الأسلحة للتصدي لكل هجوم إسرائيلي محتمل.

وبما أن الأمر لا يمكن أن يمرّ من دون أن تلاحظه عيون عناصر حركة «فتح» الساهرة على مدرستنا، لم يطُل الأمر حتى اختفت ملصقات جبهة أحمد جبريل تحت ملصقات «فتح» التي أنبأتنا بلهجة لا تدعُ مجالاً للشك أن «فتح ملح الأرض والعاصفة شعلة الكفاح المسلح». و«العاصفة»، كما هو معلوم، هي الجناح العسكري لـ«فتح». ولم يكن الأخ ياسر عرفات قد صاغ قولته الخالدة بعد، عن أنّ «شاء من شاء وأبى من أبى واللي مش عاجبه يشرب من بحر غزة» إذ كان منكباً في تلك الأعوام على ترداد عبارة «حرب الأوكورديون» التي تشنها إسرائيل في الجنوب و«القوات اللبنانية» في الشمال ما يضع القوى الوطنية والتقدمية ومنظمة التحرير في حالة تشبه آلة الأوكرديون الموسيقية.

وأثناء إحدى ساعات الدراسة سمعنا الانفجار الذي أودى بحياة أبي حسن سلامة، المسؤول الأمني الفلسطيني، في شارع متفرّع من فردان، قريب من الثانوية. بداهة، أننا لم نعرف ما جرى قبل عودتنا إلى المنازل. كما سمعنا رشقات الراجمات الأولى التي استهلت جولة 1981 بين الجيش السوري و«القوات اللبنانية». وكنّا في الصف الذي اهتز بنا عندما دمر انفجار ضخم السفارة الأميركية في عين المريسة في 1983، وشاهدنا الدخان من شرفة المدرسة. فقد كنا شهوداً على صراعات إقليمية ودولية من دون أن نعلم أو أن يؤخذ برأينا.

وليست قليلة المرات التي رجعنا فيها إلى البيوت ركضاً بسبب تساقط القذائف قرب المدرسة، حيث كانت الإدارة تُفضِّل أن تُطلِق سراحنا في الشوارع التي تتعرض للقصف على أن نموت في حرم المدرسة. وفي إحدى المرات في سنة 1984، سقطت قذيفتا هاون 120 ملم (نعم، كنا نستطيع تمييز أنواع القذائف من أصواتها) في مشتل الزهور، ورشّت شظايهما واجهة المدرسة المطلة على المشتل. لم يكن التلامذة في حاجة إلى من يخبرهم بما يجب عليهم فعله؛ إذ حمل كل واحد منّا كتبه ودفاتره، واندفعنا ننزل السلالم ونخرج إلى الشارع. وأظن أنها المرة الأولى التي ركضتُ فيها بهذه السرعة، متوجهاً إلى البيت. وربما لم أُحطم رقمي القياسي هذا إلا في الدورة العسكرية التي شاركت فيها في العام ذاته، عندما كان المدرب يُطلق الرصاص بين قدمي لدفعي إلى الركض بأسرع مما كنت أقدر. مرة ثانية، كدنا في الطريق من المدرسة إلى البيت أن نتحول إلى شهداء قضية لا شك عظيمة، لكننا لم نشارك في صنعها.

ومن الأحداث التي فاتني أن أكون شاهداً عليها بسبب إنهائي رحلتي المدرسية، اغتيال الرئيس المنتخب حديثاً رينيه معوَّض أمام الثانوية بعبوة ناسفة ضخمة، وضعت على بعد أمتار من البوابة الحديدية الكبيرة، وذلك بعد انتهاء الاحتفال الذي شارك فيه بذكرى استقلال لبنان في 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 1989. وكان موكب معوَّض يمرّ أمام المدرسة عندما انفجرت العبوة به، وأطاحت بسيارته المرسيدس المصفحة عشرات الأمتار نزولاً إلى ما وراء سجن بيروت، قرب مركز لأحد التنظيمات الناصرية التي كانت قد انشقت عن تنظيم «المرابطون». قوة الانفجار وما ألحقته بالسيارة، أدهشت الشركة المصنعة التي أرسلت وفداً منها لتفحُّص الحطام، بحسب ما قالت أرملة الرئيس المنتخب في مقابلة تلفزيونية بعد سنوات. المهم أن لوحة تذكارية موجودة اليوم قرب مدخل الثانوية تُشير إلى الجريمة التي يظن كثيرون أنّ مرتكبها وضع قنبلته تلك بعدما استشرف أن لمعوض نوايا تسير عكس توجهات صاحب العبوة الناسفة في الكيفية التي ينبغي له إدارة لبنان بها بعد اتفاق الطائف، الذي جرى التوصل إليه قبل شهور لإنهاء الحرب الأهلية.

اغتيال معوَّض قرب مدرستنا، كان كفيلاً بمنحها اسمه، حيث أصبح قسمها الإنكليزي يُسمّى «ثانوية الرئيس الشهيد رنيه معوّض المختلطة»، فيما بات القسم الفرنسي يحمل اسم «ثانوية الدكتور حسن صعب المختلطة» والأخير كان شخصية أكاديمية مرموقة في بيروت الستينيات والسبعينيات.

وفي الشارع ذاته، جنوب ثانوية رمل الظريف وفي وسط المسافة بينها وبين بيت أهلي، قَتَل الفاعل ذاته، على الأرجح، مفتي الجمهورية اللبنانية حسن خالد بعبوة مشابهة. بيد أن هذه الأخيرة لم تُثِر دهشة أيٍّ من صانعي السيارات؛ إذ إن موكب المفتي لم يتضمن عربات مُصفَّحة، فيما خلّف الانفجار حفرة عميقة في الأرض ودماراً في المنازل المحيطة، التي انهارت أسوارها ومداخلها، وقضى بعض المواطنين تحت الأنقاض وتضرّر محل «فروج أبو عصام» الصامد إلى اليوم. وهذا حدث آخر وقع بعد تخرجي من الثانوية لكن في محيطها القريب وعلى الطريق إليها.

ولكني عاصرت اغتيال الشيخ أحمد عساف بين جامع عائشة بكار ومدرستي، قبل شهرين من اجتياح 1982. وكان الشيخ جارنا، ويُطلُّ منزلنا على منزله. الاغتيال شكّل واحدة من علامات التعفن العام الذي ميّز «المناطق الوطنية» عشية الغزو الإسرائيلي. واعتبر كُثُر أنَّ جنازته الحاشدة كانت تظاهرة احتجاج على ممارسات الفلسطينيين وحلفائهم في الحركة الوطنية، واستفتاء على نهاية نفوذهم، تماماً كما ستكون جنازة المفتي حسن خالد، بعد سبع سنوات، استفتاءً على الدور السوري في المراحل الأخيرة من الحرب.

وبما أن رمل الظريف كانت «للبنين»، كما يقول اسمها قبل بدء زمن الاختلاط في ثانويتَي رينيه معوّض وحسن صعب، فإن البنات كنَّ شيئاً خارج حياتنا اليومية. ولم يكن أحدنا يعرف عنهنَّ سوى أنهنَّ شقيقاتنا وأمهاتنا وبنات عمومتنا وأخوالنا أو في أبعد الاحتمالات أخوات أصدقائنا، نصادفهنَّ أثناء زيارتنا لهم في بيوتهم. وليس كشفاً أن أول ما ينطلق في هذه الأوضاع هو الخيال يليه اللسان الذي يجعل من الشتائم الأكثر بذاءة وتصويرية والخالية من أيّة إيحاءات – ما دام الكلام مباحاً في أصرح كلماته – فيندمج الخيال السارح باللفظ الجامح وتُنتَج لغة قوامها الأعضاء التناسلية البشرية والحيوانية، المؤنثة والمذكرة، بمقاييس تتخطى ما تصنعه الطبيعة بأشواط.

غياب الفتيات أو «العنصر الأنثوي» على هذا النحو من يومياتنا خلّف كل أنواع التصورات المبالغ فيها في «الخطاب» وفي «الممارسة». ولم نعرف أن واحداً منّا أقام صداقة عادية مع فتاة طوال مدة بقائنا في رمل الظريف. في المقابل، كان حديث الجنس أو بالأحرى التهويمات بشأنه وكيف يكون ومع أي نوع من النساء، شغلنا الشاغل وموضوع أحاديث أكثرها من صنف المغامرات المتخيلة عن فلان وامرأة متزوجة يعمل زوجها خارج لبنان، أو عن زيارة إلى بيت دعارة شهير ولقاء مع «الباترونة» المفضلة في حكايا تلك الفترة، «أم وليد».

«أقوى الأفلام» 

لكن الأمر الحقيقي وسط كل هذه الخرافات والأقاويل، كان الزيارة الثابتة إلى قاعات السينما التي تعرض الأفلام البورنوغرافية. وهذه كانت كثيرة في بيروت الغربية. قاعات صغيرة، روادها من المكبوتين من أمثال تلامذة رمل الظريف، أو من الباحثين عن علاقة مثلية سريعة في عتمة القاعة. سينمات ومسارح ما قبل الحرب، في شارعي الحمرا وبلِس، وتلك الواقعة في المزرعة والزيدانية، أدخلت الأفلام البورنوغرافية ضمن عروضها طمعاً في جذب المشاهدين، ومستفيدة من حمايات وحراسات وفرتها الميليشيات و«قباضيات» الأحياء. غني عن البيان أنّ كل سيناريوهات الأفلام كانت تُناقَش بالتفصيل في الملاعب أثناء الاستراحات. وغالباً ما تدخل المبالغات، ويُنثر الكثير من الفلفل والملح على ما يدور أثناء عرض الفيلم وقبله وبعده.

وقمة قاعات السينما البورنوغرافية كانت «التياترو الكبير» التي يُقال إنها شهدت بعضاً من فصول المجد الفني اللبناني قبل 1975، وإن أمَّ كلثوم غنّت فيها. تُقابل سينما «التياترو» مدخل شارع المعرض، وتقع على شارع الأمير بشير الواصل بين ساحتي رياض الصلح والشهداء. ويُحيط اليوم جدار خشبي بالمبنى الذي حذّر مهندسون من أنه على وشك الانهيار أثناء انتفاضة 17 تشرين الأول (أكتوبر) 2019، عندما كان مئات الشبان يحتشدون على شرفاته. أمّا طوال أعوام الحرب فقد فصل ستار قماشي كبير رُفع أمام السينما بين الجزء «الوطني» من الشارع وبين الآخر الانعزالي. وظيفة الستار هي حماية رواد «التياترو» من نيران القناصة الذين كانوا يتمركزون في المباني القريبة من الناحية الشرقية، ولعلّ أقربها هو مبنى اللعازارية. لم يكن معروفاً من أدار «التياترو» في أعوام القتال. لكن عدداً من القتلى سقط، وجُرِح آخرون، أثناء محاولاتهم الوصول إلى الشارع المقنوص لمشاهدة «أقوى الأفلام» التي كانت قاعات شارع الحمراء وأخرى صغيرة منتشرة في شوارع فرعية – سينما «بلازا» في الزيدانية مثلاً لصق شقيقتها الأكبر سينما «عايدة» –  تحجم عن عرضها. «بلازا» كانت لمشاهدات أيام الأسبوع العادية. أمّا التوجه إلى «التياترو» فكان يتطلب استعداداً يستغرق عطلة الأسبوع.

وكان بعض تلامذة الظريف يقول، بين المزح والجد، إن ثانويتنا «قدمت الشهداء» في الطريق إلى «التياترو». ولم تغفل عين الفضيلة عن هذه القاعة، إذ كانت تتعرّض، مع جوارها الذي شكّل مأوى لعدد من المدمنين وتجار المخدرات، لمداهمات متفرّقة من عناصر «القوات المشتركة» التابعة للحركة الوطنية، شارك في واحدة منها الشاعر يوسف بزّي، بصفته مقاتلاً في حزب من أحزاب الحركة الوطنية، ودوّن مشاهداته عمّا صادفه على الشاشة، وعن الجمهور المقبوض عليه، في واحد من كتبه. يا له من عالم صغير!

بلغت قاعات سينما الأفلام البورنوغرافية ذروتها في فترة ما قبل الاجتياح الإسرائيلي في 1982. أمّا بعده، فقد انتشر الجيش اللبناني هناك و«بسط هيبة الدولة» على نحو ما. من الهيبة هذه، أن مدير مدرستنا مرّ على صفنا في اليوم الأول لعودتنا إلى الدراسة بعد الاجتياح وكنت في البكالوريا – القسم الأول وقال لنا بصوت واثق إن «أيام الزعرنة خلصت» وإنه سيستدعي اللواء المجوقل في الجيش، الذي كان قد تشكّل حديثاً وحظي بشهرة واسعة، لكل من تسول له نفسه القيام بأعمال شغب.

لم نرَ داعياً إلى الاحتجاج على كلام المدير. فسلوك تلامذة مدرستنا كان من المسائل المثيرة دائماً لاحتجاج الأساتذة خصوصاً عندما يصل الأمر إلى التطاول عليهم وتهديدهم بإحضار المسلحين. كان المدير يُذيقنا بعضاً مما خبره هو وزملاؤه على أيدي التلامذة.

يوم العَلَم 

ومن الأيام الفارقة في ثانويتنا، كان ظهور أعلامٍ لبنانية صغيرة ملصقة على الأعمدة والجدران. وبعد الصعود إلى الصف قيل لنا إن وزير التربية الجديد، بطرس حرب، قد قرَّر أن يكون هناك «يوم للعلم» حيث نتعرَّف فيه على كيفية رسم علم بلدنا وعلى النشيد الوطني. ولا أُخفي دهشتي عندما قرأت، على ورقة وزَّعوها علينا، النشيد كاملاً؛ إذ تبين لي أنه يحتوي على فقرات لم أكن أعرفها تلي الفقرة الأولى والوحيدة التي كنت أسمعها والتي تبدأ بـ«كلنا للوطن». والشيء بالشيء يُذكر، إن في فيلم «بيروت الغربية» الشهير، يتحدى التلميذ – بطل الفيلم – المعلمة التي تحاول إرغام كل التلامذة على إنشاد النشيد الوطني الفرنسي «المارسيلياز»، ويرفع مكبراً للصوت لإنشاد «كلنا للوطن». هذا المشهد كان كافياً لي لأُوقف مشاهدة الفيلم؛ إذ إنه يتحدث عن عالم غير عالمي الذي عشته في بيروت الغربية أيضاً، حيث لم نكن نبالي لا بالنشيد اللبناني ولا الفرنسي، ولا نعرف أيّاً منهما. كان الفيلم، الذي يتحدث عن مرحلة تتقاطع مع مراهقتي الأولى في رمل الظريف، يُحاول أن يحكي قصتنا بكلمات ليست كلماتنا.

المستوى العلمي

وإلى جانب تفشي العنف وأثره على العملية التربوية ككل، وربما بسببه، كان ثمّة إجماع بين من يتناولون شؤون المدرسة الرسمية على أن مستواها العلمي متدنٍّ. دلائل عدة تؤيد مذهبهم هذا. ليس أولها نوعية التعليم العالي الذي يتابعه خريجو الثانويات الرسمية، وأهمية الجامعات التي يلتحق بها من يستطيع التغلب على ظروفه المادية الصعبة، ويسَعُ أهله تحمّل تكاليف الدراسة الجامعية حتى لو كانت ضئيلة. فغالباً ما يتوجه تلامذة المدارس الرسمية الذين ينجحون في اجتياز حاجز البكالوريا، إلى الجامعة اللبنانية شبه المجانية، أو يبحثون عن منح من جامعات أجنبية. ويؤخذ عادة على التعليم الرسمي أنه لا يؤهل طلابه للمنافسة مع تلامذة المدارس الخاصة.

«اسمي سامي»

على سبيل المثال، أذكر أني في يومي الأول في ثانوية رمل الظريف، دخلت معلمة اللغة الفرنسية حاملة معها لوحاً قماشياً وأشخاصاً من ورق يلتصق على القماش. وبدأت بتحريك الأشخاص على قماشة اللوح. لم أفهم ما المقصود من هذا الدرس. ذاك أن ما كانت تقوله المعلمة على لسان أشخاصها كان لا يزيد على كلمات التحية البسيطة، والسؤال عن الصحة، وأشياء ممَّا لم أصدق أن تلامذة الصف المتوسط الأول في حاجة إلى تعلُّمها، مقارنة مع ما كنت أعرفه من الفرنسية من مدرسة مار إلياس بطينا. فهذا جاك يسأل سامي: «ما اسمك؟»، فيرد الأخير: «اسمي سامي». في غضون ذلك، يكون جاك، الذي اقترب شخصه الورقي من التهرؤ الكامل لكثرة التنقل بين الصفوف وأداء دوره أمام طلاب ربما لم يرَ فيهم ما يُشجّع على البقاء منتصبَ القامة، قد مال عن اللوح وأصبح على وشك السقوط على الأرض.

المفارقة أن دروس اللغة الفرنسية تقفز قفزات عملاقةً من صف الأول إلى الثاني إلى الثالث المتوسط إلى آخره. وعندما تبدأ دروس الأدب الفرنسي في المرحلة الثانوية، التزاماً بمقررات المنهج الرسمي اللبناني، يكون التلامذة قد أصبحوا في غربة كاملة عن هذه اللغة التي لم يتعرفوا عليها كما يجب في صفوف المراحل السابقة. وأذكر أن أستاذنا في الأدب الفرنسي في الصفين الثانويين الأول والثاني كان خريج جامعة فونتانبلو الفرنسية، وكان لبنانياً مولوداً في أفريقيا يكاد لا يعرف العربية؛ مع ذلك، كان من مؤيدي حركة «أمل» على ما أعلن لنا. ساعاته كانت بمثابة العذاب المشترك لنا وله، لانعدام أيِّ قدرة على التواصل. تعرقّه الغزير أثناء رسمه لأسهم تشرح العلاقات بين شخصيات العمل الأدبي، وانفعاله عند وصول القصة إلى حبكتها وذروتها الدرامية، لم يعنِيا لنا شيئاً، نحن السارحون في نعاس مديد. فلا هو قادر على شرح مسرحيات راسين باللغة العربية، كما كان يفعل أساتذة الفرنسية في الصفوف الأخرى، ولا نحن قادرون على التفاعل مع مأساة «أندروماك» و«مثلث الحب» الذي وقعت فيه. أمّا التوريات في مسرحية «السيّد» لكورنيل فقد تطلبت من الأستاذ جهوداً جبارة لتفسير العلاقة الملتبسة بين الشخصيتين الرئيسيتين في العمل الكلاسيكي الفرنسي. «مدام بوفاري» التي زارتنا في الصف الثانوي الثاني لم تحظَ أيضاً باهتمامنا اللازم.

الطامة الكبرى كانت أثناء تقديم امتحانات البكالوريا. إذ إننا نحن الذين كنّا شبه أميين باللغة الفرنسية، صار مطلوباً منّا الإجابة عن أسئلة في مادة الفلسفة بلغة ديكارت وباسكال أثناء الامتحان الرسمي، على افتراض أن تلامذة رمل الظريف قد استعدوا تماماً مثلما استعد نظراؤهم في مدارس الليسيه التي تُديرها البعثة العلمانية الفرنسية، والكوليج بروتستانت، وما يُعادلها.

ولم تكن المقارنة مع تلامذة المدارس الخاصة ظالمة لنا فقط، بل كانت أيضاً ظروف دراستنا مقابل ظروفهم، ومبنى مدرستنا مقابل مباني مدارسهم. وهذا ما خبرته عياناً عندما تقرر أن أقدم امتحان البكالوريا- القسم الأول في «الإنترناشونال كوليدج»، «الآي سي» لا غير. مدرسة النخبة السياسية والمالية اللبنانية. كان مؤلماً التجوّل بين صفوف «الآي سي» وملاعبها الخضراء، وتذكُّر بؤس ملاعبنا وصفوفنا وجدراننا المتسخة…

وليس آخر ما يؤيد الكلام عن ضعف مستوى المدرسة الرسمية أن جميع أساتذتها، مع استثناءات سمعت عنها لكني لم أقابل أيّاً منها أثناء سبع سنوات من دراستي فيها، يرسلون أولادهم إلى مدارس خاصة مع ما يفرضه ذلك من أعباء عليهم.

المواد الأخرى كانت أفضل حالاً، مقارنة مع اللغة الفرنسية. وباختصار يسعني القول إنني تعلمت الرياضيات والفيزياء والكيمياء بمستوى مقبول، خصوصاً وأن أكثر مؤلفي الكتب المعتمدة في المنهج الرسمي كانوا هم أنفسهم أساتذتنا في الصفوف الثانوية. والحق أنهم أبدوا قدراً محترماً من الالتزام بواجباتهم التعليمية في وقت كانت فيه أوضاع البلاد عبارة عن مهرجان يومي من الفوضى والجنون.

«يا بهايم»

بعض الأساتذة كان أطرف من غيره. علمنا اللغة العربية في سنتين من سنوات المرحلة المتوسطة الأربع، أستاذٌ كان شعلة من النشاط والحيوية، بحيث لا يتردد في رشق أحدنا بالطبشورة بكل عزم ذراعه إذا أزعجه صوت التلميذ وثرثرته. كلمته الثابتة في التوجه إلينا كانت «يا دواب» جمع دابة. وبين الحين والآخر ينتقل في مخاطبتنا إلى صيغة «يا بهايم». ولم يتعرض الأستاذ المذكور لأي نوع من الشكوى من أهالينا، ولم نسمع أنه تلقى تهديداً من أيٍّ من الميليشيات الفاعلة في تلك الأثناء. ربما لاتفاق الأهل معه في تصنيفنا أو لاعتبارهم أن عدم دفعهم المال مقابل العلم يُبيح للمعلمين التعامل معنا كيفما شاؤوا. والدتي كانت تخصُّ الأستاذ هذا بعدد من اللعنات عندما علمت أنّه ينادينا بتلك الكلمات. لكنها لم تسعَ يوماً إلى تقديم شكوى بحقه، ولم تحضَّ والدي على فعل ذلك.

لكن، والحق يُقال، إن الرجل كان مرحاً على العموم. وكان يبدو من جيل خريجي الجامعة اللبنانية أو كلية التربية الذين انخرطوا في مهنة التعليم ضمن موجة أوائل السبعينيات من الطلاب الآتين من قرى الجنوب المقاوم.

وشاءت الصدف أن التقي باثنين من أساتذتي في مراحل لاحقة من حياتي. أولهم كان قد أصبح صحافياً معروفاً بعد أن ترك التعليم. وعندما ذكرّته أنه كان أستاذي في رمل الظريف، لم يُبدِ سروراً، بل سارع إلى تغيير الحديث. أما الثانية فكانت معلمة اللغة الفرنسية، وقد تركتنا في منتصف السنة الدراسية لتلتحق بالتعبئة التي أعلنها حزبها، وبقينا لأسابيع من دون معلم. ولاحقاً تعرفت إليها بصفتها مسؤولة في الحزب عينه الذي انتسبتُ إليه. المعلمة ذاتها وقعت في يوم من الأيام ضحية مقلب نفّذه تلميذ منّا. إذ كسر أنبوبين صغيرين يحتويان على مادة السولفور كريهة الرائحة. ما أصاب الصف بحالة قريبة من الإغماء، نظراً إلى كثافة النتن الذي بعثه الأنبوبان في الغرفة. وبعد تحقيقات واستقصاءات عرفت الإدارة مرتكب الفعل المذكور، وأظنُّ أنه مُنع من الحضور إلى الصف لأسبوع.

الحق أن أكثر الأساتذة كانوا يبدون من بيئات اجتماعية متوسطة. ويعمل أكثرهم في مدارس عدة، رسمية وخاصة، ويُعطي دروساً للتقوية حتى يستطيع تأمين حدٍّ أدنى من متطلبات الحياة. بورجوازية صغيرة متعلمة، فلنقل. لا بذخ في الثياب. سيارات قديمة ومتواضعة. حتى الأكبر سنّاً من بينهم لم يَبدُ عليه أنه يعيش بحبوحة مادية. أذكر أن أستاذ الرياضيات في الصف الثالث المتوسط كان مشهوراً في المدرسة بأنه صاحب البدلة الواحدة. سترة وبنطال باللون الزيتي القاتم. وقميص فاتح اللون. هذا كل ما كان يرتديه طوال السنة. كان اضطراره إلى الاكتفاء بطاقم واحد من الملابس يجعله قريباً منّا. شيء يقول لنا إن هذا الرجل يُشبهنا، أو إننا سنكون مثله إذا كُتبت لنا مواصلة تحصيل العلم.

جانب آخر اعتدنا عليه في رمل الظريف هو التبدل المستمر للطلاب. وغالباً ما ينضم تلامذة جُددٌ إلى الصفوف على نحو يجعل زملاء الصف السابق أقلية غريبة. يرجع ذلك، على الأغلب، إلى تدهور أوضاع الأهل المالية حيث يرسلون أولادهم إلى المدارس الرسمية، وإلى التهجير المستمر من الجنوب إلى بيروت. يُضاف إلى ذلك أن بعض التلامذة يختفي فجأة من الصفوف، إما بداعي التسرّب المدرسي أو لانتقال عائلته إلى أماكن سكن أخرى. أضعفت الظاهرة هذه رسوخ الصداقات. واليوم، على سبيل المثال، لا صلة لي بأيٍّ من أصدقائي في رمل الظريف. سمعت أن كثراً منهم هاجروا والتحقوا بأعمال بسيطة في بلاد الاغتراب، أو ذهبوا للدراسة في الخارج ولم يعودوا. كان جيلنا يبحث عن الفرار من بلد الحرب الأبدية. مثل جيل شباب اليوم ربما، الباحث عن خلاصه من دون أن تكون في البلد حرب داخلية صريحة.

في نهاية العام الدراسي الأخير، انهمك كلٌّ منّا في تدبير معاملات الالتحاق بالجامعات التي يرغب بها. كانت ظروف أهلنا المادية لا تساعد على مراسلة جامعات كبيرة وشهيرة. في تلك السنة، كانت «مؤسسة الحريري» قد بدأت تقديم المنح الدراسية. وذهبت إلى مقرها الواقع في منطقة الجناح، حيث فوجئت بقسم كبير من تلامذة صفي هناك. انتظرنا أدوارنا لمقابلةٍ مع موظف في المؤسسة، ثم خرجنا وافترقنا. لم أتابع ما جرى في طلبي للدراسة مع مؤسسة الحريري لرغبتي في الحصول على منحة للدراسة في الاتحاد السوفياتي.

ساعات على عمود الكهرباء

لا أعرف بالضبط أين اختفى هؤلاء الشبان، وما الذي حلّ بهم، أو كيف صاغوا حيواتهم. لكن عندما أفكر في بعض الأسماء التي تشاركت معها صفوف الدراسة، ترجع إلي صورة علي، وهو شابٌ اختفى فجأة من صف الرياضيات في سنتي الأخيرة في الظريف. لم نسأل كثيراً عنه، إذ إن الغيابات المفاجئة لم تكن أمراً نادراً في زمن الاحتلال والتهجير والحرب. بيد أنني فوجئت عندما سألت عنه إحدى المعلمات، فأجابها رفيق لنا، من دون مبالاة كبيرة أن علياً قد قُتل في انفجار سيارة مفخخة قبل أسابيع. الخبر لم يكن كافياً لوقف الدرس أو لدقيقة صمت. فتابعنا صفنا كالعادة. وفي الملعب أثناء فرصة الظهيرة، أوضح لنا ناقل الخبر أن قوة الانفجار حملت علياً إلى أعلى عمود كهرباء قريب، حيث بقيت جثته معلقة هناك لساعات، قبل أن ينزلها عناصر الدفاع المدني.

وبين الحين والآخر، أسمع أن فُلاناً في أميركا، أو أن علّاناً في فرنسا. فلا أحاول الاتصال بهما، ولا هما يحاولان الاتصال بي. ذات يوم، التقيت بزميل دراسة يقود سيارة السرفيس التي ركبتها. تعرّفت عليه فوراً، إذ لم تتغير ملامح وجهه. وعرفني هو. وبعد تبادل التحيات، قال إنه يعمل «على الخط» منذ سنوات، وإنه لم يُتابع تعليمه الذي تركه قبل الحصول على الشهادة الثانوية. وإن ابن خاله، الذي كان رفيقنا في الصف، يملك شاحنة صغيرة لنقل الخضار، وإنه متزوِّج ولديه أولاد. وإن الحالة مستورة والحمد لله.

في الأيام الأخيرة من الدراسة في صف القسم الثاني من البكالوريا، راحت ساعات الدوام تضمحلُّ مع إعلان كل أستاذ عن نهاية برنامجه، وأن الباقي علينا للاستعداد في المنازل للامتحانات الرسمية. ربما كان يومي الأخير في ثانوية رمل الظريف هو توجُّهي إلى الإدارة للحصول على علاماتي المدرسية التي ربما أحتاجها إذا رغبت بالتقدم إلى إحدى الجامعات.

ولعل في ذلك نبذة عن مصير جيلنا، الموزَّع بين الهجرة للعلم أو العمل، وبين مهن بسيطة وحياة يبزغ منها جيل جديد من الفقراء الذين يدرسون في مدارس تشبه ثانويتنا، أو تتعلق جثثهم لساعات طويلة على أعمدة الكهرباء في انتظار أن يتكرم أحد بإنزالها.

لم تهتم مدرستنا بتجميل الواقع أو تزييفه. واجهتنا به، وصدمتنا بالعنف والرعب والموت منذ أن كنّا في أواخر طفولتنا. فتحت علينا أبواب الحرب كثمن يدفعه الفقراء أثناء بحثهم عن بعض العلم، علَّ فيه ما يقيهم من تكرار حيوات أهلهم البائسة. كانت معسكراً لإعداد أجيال من الناقمين ومن المستسلمين في آن واحد. من الهاربين ومن المحاربين. لذلك لم أُفاجَأ عندما التقيت بعددٍ من زملاء المدرسة عندما حملت السلاح مقاتلاً يسارياً…