-
الجمهورية.نت
-
-
-
كتاب جديد، أو قديم، اهتديت إليه عبر زاوية خيارات محرر، أو اسم مؤلف-ة تتابعه-ينه، أو بسبب إغراء علامة «بيست سيلر»، كتاب تعرفه-ينه أنت وعشرة آخرون فقط لسبب ما، أو تتبّعته عبر أحد خطوط الشبكات اللانهائية بين الكتب والمراجع المذكورة فيها. سألنا كاتباتٍ وكتّاباً في شبكاتنا أن يخبرونا عن الكتاب الذي يقرأونه الآن، وكيف وقع عليه خيارهمنّ لصالح هذه المقالة من زاوية «الليستا» المخصصة لخيارات ومقترحات المحررة الثقافية.
نسرين الزهر – كاتبة وأكاديمية في مجال العلوم اللغوية
مع أن فرويد لم يَعد من المستحبّين في النقاشات الفكرية، ولكنني أستمتع باستعادة الفكرة الفرويدية أن فضول المعرفة عند الطفل يبدأ مع أول بزوغات الحياة الجنسية والشغف بالقراءة، حيث يرتبط بهما فهم ما يجري وراء الباب المغلق للأهل. على كلٍّ، ارتبطت القراءة حتى الفكرية المجردة، عندي دائماً بآليات قراءة الألغاز البوليسية لأغاثا كريستي، هناك شيءٌ ما سيَتبَدى حتماً بعد نهاية الكتاب، وإلا فلا طائل من القراءة. وأجمل الروايات هي تلك أحب أن أقرأ آخر صفحة فيها قبل الصفحة الأولى، وأصبحت أُقاوم تلك الرغبة مع التقدم في السن.
مع اقتراب الموت السريع والفقد إلى حياتي، شُغفت بمعرفة كيف يتعامل البشر مع الفقد. كنت أعرف، من مكان وزمان ما، أن رولان بارت كتب عن يوميات الحداد على أمه. التهمت تلك اليوميات المتفاوتة بين كلمة وصفحتين أحياناً، كما كنت ألتهم روايات أغاثا كريستي، علماً أن معدل قراءاتي سقط سقوطاً حراً مؤخراً. انتهيت من الكتاب بسرعة مخيّبة، فسألت «تشات جي بي تي» بماذا ينصح حول الحداد على الأمهات، فنصحني بكتاب سيمون دوبوفوار الموت الناعم عن آخر أيام أمها، وكتاب ناتاليا جينزبرغ كلمات القبيلة، وكتاب أمي لألبير كوهين. وشاءت خوارزميات حياتي أن أقرأ تعليق إحدى قارئات الروائية المصرية ريم بسيوني على روايتها الغواص التي كتبتها عن الإمام أبو حامد الغزالي، وكيف أن هذه الرواية ساعدتها في تقبُّل فقدان والدها، فقررت أن أقرأها.
أجمل القراءات هي القراءات المُلحّة لإشباع الحاجات والرغبات، وإرضاء الفضول، وحل الألغاز البوليسية.
أنس الأسعد – كاتب ومحرّر ثقافي في العربي الجديد
أن نقرأ متعب الهذَّال وغيبته اليوم
أعدتُ التفكير مؤخراً بمفهوم الغياب، أو الغيبة، خصوصاً مع تطورات الحرب على إيران والأجواء السلبية التي تركتها على حياتنا بشكل عام. لكنّني فكرت بالموضوع من مدخل أدبي أكثر، وهنا انشغلت بقراءات تناولت شخصية متعب الهذال، بطل الجزء الأول من خماسية مدن الملح للروائي السعودي عبد الرحمن منيف.
متعب الهذّال شخصية تراجيدية جداً، يُمثّل قيم البداوة وما قبل الحداثة، التي عاشت مواجهة مع شركات النفط في الجزيرة العربية قبل مئة سنة وخسرت هذه المواجهة. لم يمت، لكنه غاب أو اختفى، وترك هذا الغياب أثراً كبيراً، وجسّد مقولة حضور الغياب.
إحدى الكتابات التي تناولت متعب الهذال كانت لحازم صاغية في كتابه رومنطيقيو المشرق العربي، الصادر عن دار رياض الريس عام 2021. يَقرأُ صاغية، في هذا المثال، في فصل خاص حمل عنوان حداثة ضد الحداثة، متناولاً الخماسية كنموذج روائي ينتمي إلى الأدب الملتزم، ويُسائِل مفهوم الغيبة، ولماذا تفرّدت هذه الغيبة بالذات عن غيرها، وطبعت أو وصمت هذه الشخصية.
عبّر متعب الهذّال، بحسب صاغية، عن نزعة فناء ذاتي ما كان من الممكن أن تتحقق إلا بالانتحار أو بالعودة المستحيلة إلى رحم أول. ويتابع أن الرواية يُمكن تصنيفها كأُهجية مُرّة ضد النفط، وأن الهذال كان شاهداً على عملية تحول الرعاة إلى عمال، وعاش مواجهة ضد شركات النفط. والهذال أيضاً، كما يلفت صاغية، كاره للآخر ولكل جديد، ويتصدى للأميركيين، بالمعنى الذي مارسه عمال النسيج اللوديون (Luddites) في زمن الثورة الصناعية الإنجليزية.
الهذّال شخصية لا تتكرر، حتى بالنسبة إلى كاتبها منيف، الذي يعتبره شخصاً ماضوياً غير مرشح للعودة في المستقبل. ومرةً سأل حسين مروة عبد الرحمن منيف ما إذا كان الهذال سيعود في الجزء الثاني من خماسية مدن الملح. ففي الجزء الأول، التيه، كان متعب الهذال هو البطل الذي ينتهي إلى الاختفاء. ويجيب منيف أن عدم عودته أفضل له وأكرم؛ يجب أن يتوارى، وأن يتخفى، ليبقى رمزاً موجوداً وغير موجود.
وبالعودة إلى كتاب صاغية، الذي وجد أن الرواية قدّمت، بلغة سهلة واسعة الانتشار، هجاءً للنفط وإدانةً للنفط في ذاته، وليس للإشكاليات التي ترتبت عليه، مثل إعادة توزيع الثروة والفساد وغيرها من الإشكاليات، يختتم بالقول إن قصة متعب الهذال هي نقد رومنطيقي شامل ومغلق للواقع وللحداثة.
في مقابل حازم صاغية، هناك نموذج آخر من التناول النقدي، مُتمثِّل في ما قدمه المفكر اللبناني فواز طرابلسي في ندوة أُقيمت بـ«غاليري تجليات» في دمشق عام 2009، بمناسبة الذكرى الخامسة لرحيل عبد الرحمن منيف، وهي الندوة التي نُشر محتواها مؤخراً ضمن كتاب حمل عنوان حروف وخطوط، الصادر عن دار المتوسط.
وبالنسبة لطرابلسي، ففي حين يرى البعض في أجواء التيه وبداوة متعب الهذال في مدن الملح حنيناً إلى بداوة ما قبل النفط، فإنه يرى في الرواية محاولة وحيدة في الأدب والعلوم الاجتماعية والسياسية العربية لسرد التحولات التي أدخلها النفط على المجتمع. ويصف طرابلسي الهذّال بأنه شبح هائم لازمه منذ قراءته الأولى للرواية، التي صدر جزؤها الأول عام 1982.
ونرى أيضاً في قراءة طرابلسي ميلاً إلى أفعل التفضيل، كما عندما يتحدث عن المسار الروائي «الأكثر توفقاً»، ويختتم بأن مدن الملح وأرض السواد، رواية منيف الأُخرى وبطلُها داود باشا، تُمثلان نموذجَ حداثة وطنية بديلة، لا تُبرّر الاحتلال ولا ترى في الاستعمار حامل حضارة.
النموذج الأخير من التناولات النقدية لسيرة متعب الهذّال، ممّا شغلني، هو مقال كتبه الروائي الهندي وأستاذ الأدب المقارن في جامعة نيويورك أميتاف غوش بعنوان البترومخيلة: الرواية واشتباك النفط.
يعتبر غوش أن الكتابة الأدبية عن النفط ما تزال تندرج ضمن المسكوت عنه، بل إن عمليات التنقيب وتصويرها وما تُخلِّفه تشبه أخيلة نهايات العالم. وفي حين يتجه الأدب الأميركي، وما يزال، إلى الداخل، منشغلاً بالتأمل النفسي، يخلو المشهد من رواية أميركية عن النفط. كما أن هناك مجهوداً لإخفاء هذا الاشتباك، كما يُسميه غوش، «اشتباك النفط». وعلى الجانبين العربي والأميركي، لا توجد روايات عن النفط، بحسب أميتاف غوش.
بعد مقدمة فيها نوع من الإطراء على الرواية، يختم غوش مقاله، الذي ترجمته الباحثة والشاعرة منى كريم، بجزء يحمل جرعة نقدية أكبر لهذه الرواية، فيتوقف عند تفاصيل، منها أن العمال الآسيويين ظهروا كحشود بلا وجوه، ابتداءً من الجزء الثاني فصاعداً، وأن منيف، وبمجرد ابتعاده عن اشتباك النفط، وجد نفسه أمام واقع أكثر تعقيداً، و«فشل» روائي، لم يتحرر فيه من رهاب الأجانب (نقطة يتقاطع فيها مع حازم صاغية) وهو ذات السجن الذي خلقته شخصيات مثل السلطان خزعل. ويختم أميتاف غوش باعتبار رهاب الأجانب جزءاً من صعوبة الكتابة الروائية عن النفط.
جمانة الياسري- كاتبة ومترجمة
رواية يا مريم – سنان أنطون
أعادتني ذكرى تفجير كنيسة مار إلياس في دمشق (22 حزيران ‘يونيو’ 2025) إلى أجواء رواية «يا مريم» لسنان أنطون (2012)، التي يحضر فيها موضوع الغياب والفقد ومغادرة الأماكن وألفتها، خصوصًا أنّني أتعامل على نحو يومي، كمترجمة في مجال اللجوء، مع من اضطروا إلى مغادرة بلدانهم بسبب شتى أنواع العنف والاضطهاد السياسي والعرقي والديني أيضاً. تذكّرني كل القصص التي أسمعها من العراق ومن مصر ومن سوريا بقصة يوسف في الرواية، وهو يمشي في شوارع بغداد التي كان يعيش فيها المسلمون واليهود والمسيحيون والآشوريون والصابئة والإيزيديون، والعديد من المكونات الدينية والعرقية الأخرى التي ميّزت العراق لآلاف السنين، قبل أن تُحطَّم هذه البلاد بقسوة في أيام نظام صدام، وكذلك بعد سقوطه. في مواجهة خط سيرة يوسف المتمسك بالبقاء، تظهر ريم، الشابة التي تسكن في غرفة من منزله، وعلى النقيض منه، متأملةً السفر ومغادرة البلاد بوصفهما أملها الوحيد في النجاة من العنف الأصولي الذي، وإن كان يستهدف جماعات دينية بعينها، فإنه على المدى الأوسع، يشمل الجميع ويؤدي إلى إفراغ المنطقة من جزء أصيل من سكانها. استعدت أجواء الرواية مع التطورات السياسية في سوريا في مرحلة ما بعد سقوط الأسد، والانفلات الأمني، والمجموعات المتحكمة ذات الطابع الأصولي، وبشكل خاص المجازر التي استهدفت أقليات دينية ومغادرة أعداد كبيرة من المسيحيين، وملامح الشبه بين العراق وسوريا اليوم، بالإضافة إلى موقعي بين الهويتين السورية والعراقية، وانشغالي بفكرة الغياب والفقدان، وبقسوة أن تفرغ الأمكنة ممن عاشوا فيها.
صافي شمعون – موسيقي وباحث أكاديمي أنثروبولوجي
جوناثان لير- تخيل النهاية: الحِداد والحياة الأخلاقية
«لن يفتقدنا أحد!» قالها أحدهم ساخراً من التأثير الكارثي للبشر على الكوكب خلال محاضرة أكاديمية عن التغيير المناخي. رغم الضحكات التي أثارتها العبارة، سعى الفيلسوف الأميركي جوناثان لير، كعادته، في كتابه الأخير، تخيل النهاية: الحِداد والحياة الأخلاقية (2022)، إلى قراءة هذه العبارة فرويدياً وتحليل المحمول الشعوري لهذه العبارة، أننا لا نستحق أن نُفتَقَد، بالعلاقة مع سؤال «ما معنى أن تنتهي الحياة؟» وفي مواجهة العيش في حالةٍ من عدم اليقين. هذه الأسئلة هي في صلب مشروع لير الفلسفي الذي يتمحور حول إيجاد معنى في أعقاب انهيار حيوات أو عوالم، وكيفية العيش في ظلِّ غياب وجهة مُحدّدة أو أفق مستقبلية واضحة.
يتنقل لير ما بين علم النفس والفلسفة في اشتباكه مع سؤال الحياة والمفاهيم التي من خلالها يفهم المرء كيف يُمكن أن يعيش. اهتديت إلى أعمال لير من خلال أحد صفوف الجامعة، وأيضاً من قراءة أعمال مشرفي الأنثروبولوجي ديفيد سكوت، وأصبحت أفكار لير عن الأمل الراديكالي والمفارقة (Irony) أحد الأُطر النظرية الأساسية لرسالة الدكتوراة التي أعمل عليها حالياً. عدت مؤخراً إلى كتاب لير الأخير عن تخيُّل النهاية بعد حديث لطيف مع الصديق العزيز الأنثروبولوجي أندرياس بانداك.
يعود لير إلى نص فرويد القصير عن الزوال (1916)، الذي يروي فيه حديثاً دار بينه وبين شاعر مشهور لا يسمّيه خلال نزهة في حديقة جميلة في الصيف الذي سبق اندلاع الحرب العالمية الأولى. فعلى الرغم من جمالية الحديقة، لم يستطع الشاعر الاستمتاع بها، وظلَّ يُردد أن كل هذا الجمال سوف يزول قريباً. ينشغل لير، في حواره مع فرويد، بالدلالات النفسية والسياسية لعبارات غالباً ما نرددها: الدنيا فانية، العالم إلى زوال أو كلنا سنموت.
رسم فرويد فارقاً أساسياً بين الحِداد والمالنخوليا كاستجابتين مختلفتين لإشكالية الفقدان. في حين يُعدُّ الحِداد الاستجابة الأكثر صحة، على مستوى الوعي، لفقدان شخص عزيز أو أشياء مجردة كالوطن، الحرية والمثل العليا، تُعتبر المالنخوليا الحالة التي لا يُدرك فيها المرء بشكل كامل لما تم فقدانه، ويتحول الشعور فيها بألم الفقدان إلى أحاسيس بالذنب، ونقد ولوم الذات، وغضب موجه نحو النفس. ضمن هذا الإطار، قد يُحاول البعض تفسير عبارة «لن يفتقدنا أحد» كحالة كلاسيكية للمالنخوليا.
ولكن لير يدعونا للتفكير باتجاه آخر. في مناقشته لأعمال الفيلسوفة الأميركية كورا دايموند، وبالأخص مقالتها التأسيسية صعوبة الواقع وصعوبة الفلسفة، يتناول لير فكرتها الرئيسية التي ترى أن ثمة صعوبة في فهم بعض جوانب الواقع عندما تكون مفاهيمنا محدودة وغير كافية لاستيعابها. ربما عبارة «لن يفتقدنا أحد!» كانت، إذاً، محاولة لوضع اليد على جوانب لم نكوّن مفاهيم قادرة على فهم ما بعد، وقد تكون أيضاً محاولة للتفكير في الخسارة أو تمرد على الحداد نفسه، حتى لا نجعل موضوع الخسارة أمراً اعتيادياً، أو بتعبير لير حتى لا نخسر الخسارة.
من المفارقات الحزينة أن هذا الكتاب كان آخر ما كتبه جوناثان لير إذ رحل عن عالمنا في أيلول (سبتمبر) الماضي (2025).
صادق عبد الرحمن – كاتب ومحرر
كتاب «النهضة والأطراف: يوتوبيا المثقفين في الساحل السوري خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين»، للطبيب والكاتب السوري د.إياس حسن.
اطلعتُ عليه في طبعته الثانية الصادرة عن دار الفرقد في 2011، والأرجح أن الطبعة السابقة كانت في العام 2007 عندما تم تداولُ الكتاب للمرة الأولى.
يكتسب الكتاب أهمية استثنائية في رأيي لسببين اثنين: الأول أنه يُطلعنا على جانب مهم من الصحافة والحركة الثقافية والفكرية في الساحل السوري، في حقبة تميل التصورات الشائعة عنها إلى افتراض أن الإنتاجات والتحولات الثقافية والفكرية المهمة كانت تجري في دمشق وحلب فقط، إذ يذكرنا بأن النهضة لا تقوم فقط اعتماداً على المراكز، وأن التحولات في الأطراف قد تكون حاسمة لقيام أي كيان سياسي شأنها شأن التحولات في المراكز.
والسبب الثاني أنه يطلعنا، خصوصاً، على الحراك الثقافي والفكري في البيئة العلوية، التي ما يزال كثيرٌ من تاريخها الاجتماعي والثقافي في النصف الأول من القرن العشرين مجهولاً، لصالح التركيز على المنبت العلوي لعائلة الأسد منها، ودور الطائفة في بنية النظام السوري السابق.
ثمة سبب ثالث يجعل الكتاب مهماً، لكنه يتعلق باللحظة الراهنة، ما بعد سقوط نظام الأسد، إذ قد يكون النظر إلى «يوتوبيا المثقفين في الساحل السوري» مفيداً لمقاومة النزعة التي تستخفّ بتاريخ البلد السابق على 2011، أو تحاول أن تربطه تماماً بالأسدية بما يهدر أي قيمة لنضالات وتحولات وصراعات أبنائه السياسية والفكرية والثقافية. في هذا الكتاب نقرأ قطعة صغيرة جداً من تاريخ بلدنا، لكنها قد تكون مضيئة عند التفكير في اللحظة الراهنة، سواء اتفقنا مع قراءة الكاتب لهذه القطعة أو اختلفنا.
قد أُضيف سبباً رابعاً لاختياري هذا الكتاب، وهو أنه ليس معروفاً إلى الدرجة التي يستحقها في رأيي.
ياسين سويحة – كاتب ومحرر
نصف شمس صفراء، شيماماندا نغوزي أديشي
وصلت إلى الرواية وإلى الكاتبة بالصدفة. ببساطة، كنت قد عزِمت قبل أشهر على أن أقرأ أكثر لأفارقة، وعن إفريقيا.. من المخجل أن يكون أكثر ما قرأته إفريقيّةً هو نجيب محفوظ. وبعد هذا القرار بأسابيع وجدت الرواية أمامي على رف عنوانه «عوالم أخرى» أو شيء من هذا القبيل في بارتلبي آند كو، وهي مكتبة صغيرة، عبارة عن قبو في أحد شوارع حي نويكولن البرليني، متخصصة بالكتب باللغة الإسبانية وفيها ذخر جيد من منتجات دور النشر المستقلة. وعلى حائط المكتبة كتب أحدهم بقلم «شنيار» عبارة «تسقط الكولونيالية الإسبانية». العبارة مكتوبة بالإنكليزية. في نويكولن.
الرواية تبدأ بقصة أوغوو، وهو صبي من عائلة ريفية فقيرة من شعب الإيغبو في نيجيريا، ينتقل في بداية مراهقته لخدمة أودينيغبو، أستاذ جامعي مناضل يُدرّس في نسّوكا، وتتضافر حياة أوغوو مع أختين، أولانا وكاينانى، ابنتَي رجل أعمال ثري، والأولى شريكة ومن ثم زوجة أودينيغبو. تخترق أحداث الرواية عقد الستينيات، ما بين الطبقي والإثني وما – بعد – الاستعماري في الحياة العامة، وتفاصيل وتضاريس العلاقات الشخصية المُتبدّلة بين شخصيات الرواية، وصولاً إلى الحرب الأهلية النيجيرية والاستقلال الوجيز للإيغبو في إقليم بيافرا إثر مجرزة ارتُكبت بحقهم على يد الهاوسا. الحرب تُنتج زمناً مختلفاً، وأرضاً جديدة، وواقعاً يعجن شخصيات الرواية عجناً بين الحياة والموت؛ والنجاة والقتل.
رواية ببناء شخصيات وسرد قصصي مميّزين، وقسوة شديدة في بعض المقاطع. وعدا جودتها كمنتج أدبي فهي مفتاح جيد للفضول حول تاريخ نيجيريا، وتاريخ حرب بيافرا بالذات، تلك الحرب التي لا يُعرف عنها الكثير خارج أطر الاهتمام بغرب أفريقيا، ولكنها أسّست للكثير من بُنى التعاطي الدولي مع الحروب والكوارث والمجاعات، ووضعت أوائل مفاهيم الإغاثة والدعم الإنساني المعاصرين.
اكتشفت بعد الانتهاء من الرواية والبحث أكثر عن الكاتبة أن ثمة جدلاً حامياً بين نقاد وأكاديميين حول جواز أن يُعتبر شغلها «أدباً أفريقياً». منهم من رفض التأطير الفضفاض لهذه الأرومة، ومنهم من اعتبر أن من يكتب بالإنكليزية وينشر في نيويورك ولندن مع دار هاربر كولينز لا يُمكن أن تُعتبر كاتبة إفريقية، حتى لو كان موضوعها كذلك. نقاش «له ما له وعليه ما عليه»، وما علينا.. رواية ممتازة.
-