ملخص
يسخر الكاتب من تصاعد الخطاب المشكك في التغير المناخي داخل اليمين البريطاني، معتبراً أن تجاهل الحقائق العلمية بينما تلتهم الحرائق أوروبا يعكس انفصالاً عن الواقع، ويحول إنكار الأزمة المناخية إلى مفارقة تتجاوز حدود السخرية.
لم يسبق لي أن التقيت أليستر هيث، ولذلك لا أستطيع الجزم بما إذا كان أيديولوجياً متطرفاً أم كاتباً ساخراً من الطراز الرفيع. في الحالتين سيظل معجبوه يعتزون طويلاً بمقاله الذي أشاد فيه بالبيان المالي الكارثي الذي عجل بسقوط حكومة ليز تراس (واصفاً إياه بأنه “أفضل موازنة سمعتها في حياتي”). ولا شك في أن هؤلاء استمتعوا أيضاً بمقاله في صحيفة “تليغراف” الخميس الماضي، الذي دعانا فيه جميعاً إلى الترحيب بتغير المناخ، وبناء المزيد من أحواض السباحة.
النظرية القائلة إن هذه الكتابات ليست سوى أعمال ساخرة متقنة اكتسبت مزيداً من المصداقية عندما ابتكرت صحيفة “ذا نيو وورلد” على موقعها الإلكتروني “مولّداً آلياً لعناوين مقالات أليستر هيث” Allister Heath Headline Generator. إذ تكفي كتابة بضع كلمات مفتاحية، مثل “بيرنهام + ضريبة الوفاة + تغير المناخ”، ليولد على الفور عنواناً يبدو مقنعاً إلى حد مذهل وكأنه مقتبس من أحد مقالات هيث: “مؤامرة بيرنهام الخاصة بضريبة الوفاة وتغير المناخ هي أنجح عملية اختراق ماركسية في التاريخ.” وهكذا ببساطة!
وللمقارنة، إليكم بعضاً من عناوينه الحقيقية. ففي يناير (كانون الثاني) كتب هيث محذراً: “بريطانيا العاجزة وعديمة الجدوى أصبحت في أضعف حالاتها منذ 500 عام”. وفي مارس (آذار) 2023 قال: “صافي الانبعاثات الصفري هو حصان طروادة لتدمير المجتمع الغربي بالكامل”. وفي أغسطس (آب) من العام نفسه كتب: “جنون المتعصبين لقضية تغير المناخ يقود البشرية إلى الانقراض”. ثم عاد في يناير 2025 ليطالب رئيس الوزراء البريطاني قائلاً: “على ستارمر إقالة المجنون [إد] ميليباند لإنقاذ بريطانيا” [كان حينها وزير دولة لأمن الطاقة وصافي الانبعاثات الصفري].
ليس من الصعب فهم سبب اعتبار البعض أليستر هيث عبقرياً في السخرية، وهو يقف جنباً إلى جنب مع كتّاب ساخرين آخرين مثل كريغ براون أو مارينا هايد. فبعد أعوام من الدعوة إلى عدم اتخاذ أي إجراء لمواجهة “ما يُسمى بتغير المناخ” – على حد تعبيره – وصل في مقاله يوم الخميس إلى الاستنتاج المنطقي بالنسبة إليه: “لقد خسرنا الحرب ضد تغير المناخ. حان الوقت للتخلي عن صافي الانبعاثات الصفري”.
قد يتذمر النقاد ويقولون إن هذه العبارة تبدو مستوحاة إلى حد بعيد من العنوان الفرعي لفيلم الكوميديا السوداء الشهير لستانلي كوبريك الذي أخرجه عام 1964 “دكتور سترينجلوف أو: كيف تعلمت أن أتوقف عن القلق وأحب القنبلة”Dr. Strangelove or: How I Learned to Stop Worrying and Love the Bomb . لكن، حتى بعيداً عن هذا التشابه، يظل مقال هيث قطعة تستحق القراءة من حيث قيمتها الساخرة.
ففي توقيت شديد المفارقة – وبينما كانت مساحات واسعة من فرنسا وإسبانيا تشتعل بالحرائق – كتب هيث يقول إن التخلص من “خدعة صافي الانبعاثات الصفري البغيضة” سيمكّننا من أن “نتعلم كيف نتكيف مع مناخ البحر الأبيض المتوسط الأكثر حرارة وجفافاً وتقلباً، بل وأن نستمتع به كلما أمكن، إذا كان هذا هو قدرنا بالفعل”.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه هو عبارته الأخيرة الماكرة، التي توحي بأن بريطانيا قد تكون بمنأى عن موجات الحر القارّية، ربما بفضل “القنال الإنجليزي” الذي حمى هذه الجزيرة على مدى قرون طويلة من الزمن.
لكن إذا وصل الحر إلينا، فلنفرش له السجاد الأحمر، بحسب هيث. فهو يدعو – وعلى شفتيه ابتسامة ساخرة بالتأكيد – إلى “بناء المزيد من أحواض السباحة… وزرع المزيد من نباتات حوض البحر المتوسط”، مضيفاً أن “كثيرين في بريطانيا سيستمتعون بالمناخ الأكثر دفئاً الذي يتوقعه واضعو النماذج المناخية… ففي عصر التبريد والبيوت الزجاجية الزراعية وتحلية المياه بالتناضح العكسي، تزدهر المناطق الجنوبية اقتصادياً وجيوسياسياً من دبي إلى فلوريدا وجنوب شرقي آسيا وإسرائيل”.
بالطبع ينبغي أن تكون السخرية الناجحة معقولة وقابلة للتصديق، وهنا تحديداً ربما بالغ هيث. فما زال كثيرون يتذكرون ما حدث في أبريل (نيسان) 2024، عندما شهدت دبي خلال أقل من 24 ساعة هطول كمية من الأمطار تعادل تقريباً ما يهطل خلال عام أو حتى عام ونصف، مما أدى إلى غرق الطرقات والمنازل وتعطيل أكثر مطارات العالم ازدحاماً بالرحلات الدولية.
أما فلوريدا، فتستحضر في الأذهان الأعاصير المدمرة وارتفاع وتيرة العواصف البحرية و”ظاهرة الفيضانات التي تحدث حتى في الأيام المشمسة”، إضافةً إلى انسحاب عدد من شركات التأمين من أجزاء من الولاية أو رفعها أقساط التأمين بشكل كبير بسبب الخسائر المتزايدة المرتبطة بالمناخ.
ربما فات أليستر هيث أيضاً ما شهدته منطقة جنوب شرقي آسيا في الأعوام الأخيرة من فيضانات موسمية وأعاصير مدارية مدمرة، أو موجات الحر الأكثر طولاً وشدة في إسرائيل، التي أدت إلى زيادة الضغط على الموارد المائية وتفاقم الجفاف. مع ذلك، دعونا نفتح زجاجة بيرة باردة ونذهب للاسترخاء في جوار حوض السباحة.
لعل قراء صحيفة “تليغراف” أنهوا هذا الأسبوع وهم في حيرة من أمرهم، لأنهم كانوا غير قادرين على تحديد ما إذا كانوا يقرأون مقالات جادة أم ساخرة. فقد تناول المقال الرئيس في صفحة الرأي قضية تغير المناخ بشكل يومي، وكان اثنان من هذه المقالات يتسمان بمقدار لافت من الاتزان.
فيوم الإثنين كتب تيم ستانلي موضوعاً رصيناً انتقد فيه الطريقة التي انجرف من خلالها اليمين المعاصر – من دون تفكير – إلى نمط من التشكيك في تغير المناخ يتعارض مع المبادئ المحافظة نفسها. واستشهد بالنسبة المرتفعة للكهرباء المتجددة في كينيا، وبالاعتماد السريع على الألواح الشمسية على أسطح المنازل في باكستان، كدليل على أن الطاقة النظيفة تنتشر لأسباب عملية واقتصادية، وليس بدوافع أيديولوجية فقط، وأن هاتين الدولتين لا تمضيان نحو تحقيق صافي الانبعاثات الصفري بالسرعة الكافية.
أما أمبروز إيفانز بريتشارد (المحرر الاقتصادي في الصحيفة)، فذهب أبعد من ذلك في مقاله الأربعاء الماضي، محذراً من أن كيمي بادينوك تخاطر بتدمير “حزب المحافظين” من خلال السماح لمعارضة صافي الانبعاثات الصفري بأن تصبح معياراً أيديولوجياً حاسماً للحكم على الأعضاء، بدلاً من احتضان الثورة التي تقودها السوق في مجال الطاقة النظيفة.
ولا بد أن هذه المقالات، المنشورة بأقلام كتاب مرموقين في “ديلي تلغراف”، قد أربكت كثيراً من القراء الذين جرى تلقينهم، على مدى أعوام، الإيمان بالنقيض تماماً. غير أن الصحيفة قدمت قدراً من الطمأنينة يومي الثلاثاء والجمعة، من خلال مقالات مضادة كتبها كل من ديفيد فروست، أحد أبرز منظري “بريكست”، وكيمي بادينوك.
ويبدو أن بادينوك، التي أثار مقال أمبروز إيفانز-بريتشارد استياءها، بعثت أيضاً برسالة إلى الصحيفة وصفت فيها هدف “صافي الانبعاثات الصفري” بأنه “وهم سياسي”. وكانت بادينوك قد اشتهرت بقرارها منع أي شخص من الترشح عن حزب المحافظين ما لم يعلن صراحة رفضه للهدف القانوني الذي يلزم المملكة المتحدة بتحقيق صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2050. ومن غرائب هذا الزمن أن غرانت شابس [وزير الدفاع السابق]، الذي لا يزال يؤمن بهذا الهدف، مُنع هو الآخر من الترشح في لوائح الحزب لعضوية البرلمان. ويمكن القول إن المشهد تجاوز حدود السخرية.
من هم المتطرفون في قضية المناخ اليوم؟
في رسالة متزنة نشرتها صحيفة “تايمز” أواخر يونيو (حزيران) الماضي، ذكّر السير براين هوسكنز القرّاء بما يعنيه مفهوم صافي الانبعاثات الصفري في جوهره. وهوسكنز – الزميل في ” الجمعية الملكية البريطانية” Royal Society الذي أمضى معظم حياته المهنية في درس تغير المناخ – يعرف جيداً ما يتحدث عنه عندما كتب يقول: “إن صافي الانبعاثات الصفري ليس شعاراً اعتباطياً، بل تفرضه قوانين الفيزياء. وإذا ما أردنا وقف ظاهرة الاحتباس الحراري، فلا بد أن تتوقف الانبعاثات الصافية لغازات الدفيئة. أما التظاهر بأننا نستطيع إبطاء عملية التحول بأمان فيعني تجاهل حقيقة مؤكدة، وهي أن تكاليف تغير المناخ ستواصل الارتفاع، وأن الأسر الأكثر ضعفاً والأقل دخلاً ستكون الأكثر تضرراً”.
أليس محقاً، في نهاية المطاف؟ فهذه قوانين الفيزياء، وليست أوهاماً سياسية مجنونة تروج لها ثقافة “اليقظة” [الووك]، أو أشخاص يعانون، بحسب أحدث الشعارات الرائجة لدى اليمين، “تعاطفاً انتحارياً”. ومع ذلك، وبينما تواصل حرائق مروعة خروجها عن السيطرة في محيط بوردو ومدريد، يطالب المتعصبون الحقيقيون لقضية المناخ باستئناف عمليات التنقيب عن النفط والغاز في بحر الشمال.
لا بد من الاعتراف أخيراً بأن أليستر هيث هو، إلى حدّ ما، جوناثان سويفت عصرنا الراهن [أحد أبرز كتّاب السخرية في الأدب الإنجليزي]. إذ يدعونا إلى الذهاب إلى حوض السباحة، والتوقف عن القلق، وتعلم حب الاحتراق. يا لها من سخرية.
