ساطع نورالدين… كاتب ،باحث لبناني
لا يُلام الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، على تنطحه باعلان الاستعداد للتفاوض مع القيادة السورية الحالية. فهو كان يرد “التحية” الى الرئيس السوري أحمد الشرع الذي أبدى مثل هذا الاستعداد، معطوفاً مع الرغبة المريبة بالمساهمة في تنفيذ اتفاق الطائف و”التدخل الإيجابي” في الشأن اللبناني، وليس العسكري الذي اقترحه الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكثر من مرة في نوبات صرعه السياسي وخلافه الشخصي مع رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو.
ومثلما رحبت الدولة اللبنانية أو تغاضت عن تجاوزات الشرع وخرقه لأبسط قواعد العلاقة بين الدولتين الوليدتين، لن يكون بإمكانها ان تحاسب او تحاكم او على الأقل تطلب من الشيخ نعيم الصمت وعدم التطرق الى مثل هذا الأمر الذي يفترض ان معالجته حق حصري للسلطة، لا يجوز لأي حزب او طرف لبناني ان يتناوله إلا تحت سقف الدولة ومؤسساتها وقوانينها..من دون أي خط عسكري أو سياسي خاص ينتهك الحدود والقوانين الدولية “المستعادة” بين البلدين.
وقع الخطأ اللبناني الرسمي الأول عندما جرى التسامح مع كلام الشرع الى الحد الذي دفع أحد الرؤساء الثلاثة يوما الى الاتصال بمسؤول سوري رفيع وشكره على موقف رئيسه الرافض للتدخل (العسكري) في لبنان، الذي لم يقصده ترامب أصلاً، إلا باعتباره تصويباً لوجهة الحملة العسكرية الإسرائيلية على لبنان، ثم تراجع عنه، عندما قرر نتيناهو تصعيد تلك الحملة مؤخراً وإقامة مواقع عسكرية ثابتة للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، لا سيما في الخيام وبنت جبيل..
ويبدو الآن أن محاولة إقناع الشرع والقيادة السورية بوقف التفاعل مع ترهات الرئيس ترامب عن التدخل في لبنان، وعدم التعامل معها بجدية، وتجنب الاجتهاد في بنودها الى حد الاستعداد للقاء حزب الله، من خارج مؤسسات الدولة اللبنانية، ستكون أسهل بكثير من محاولة إقناع الشيخ نعيم، بأن الرئيس السوري لم يقصد على الأرجح الحوار مع الحزب بمعزل عن الدولة، وعن تنفيذ ما لم ينفذ من اتفاق الطائف.. بل فهم كلام ترامب على أنه دعوة ضمنية لانهاء “سيطرة حزب الله على الحدود اللبنانية السورية”، حسب تعبيره الحرفي المكرر أكثر من مرة!
لكن ذلك المسعى جدير بالاهتمام، لا سيما وأن ما يجمع بين لبنان سوريا، هو أهم من الغرق في جدالات عقيمة حول ما يردده ترامب بلا تفكير ولا تقدير. والاكتفاء فقط بالدعاء بان تتصرف سوريا كدولة مع لبنان، حتى ولو كانت افتراضية او انتقالية، وأن تتعامل مع العنوان الوحيد والحصري للبنان، هي دولته الشرعية، مهما كانت دولة افتراضية او انتقالية هي الأخرى. الأولوية المشتركة هي تحييد حزب الله عن أي جدول أعمال لبناني سوري مشترك، نظراً لتاريخه المشؤوم في البلدين، وترك الشيخ نعيم يتفرغ لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي الذي يتوسع ويتمدد كل يوم، داخل الأراضي اللبنانية، وينذر بطول بقاء ودوام.
أما كلام الشيخ نعيم عن ان قوة سوريا هي سند للبنان، كما أن قوة لبنان هي سند لسوريا، فإنه سيسقط عند أول فرصة متاحة لخوض “حرب إسناد” جديدة على الجبهة اللبنانية السورية. المهم ألا يمضي المسؤولون السوريون في الحلم بتجديد “التدخل الإيجابي” في الشأن الداخلي اللبناني، وألا يسمح المسؤولون اللبنانيون للشيخ نعيم بالوهم في ان يجلس وفد من الحزب يوما ما مع وفد من القيادة السورية، لتجديد ما كان يوماً بينه وبين جبهة النصرة من تحاور وتفاوض وتبادل رهائن وتجار سلاح ومخدرات كانوا وما زالوا يعبرون الحدود في الاتجاهين.
لكن، للأسف، قد يأتي يوم لا يكون فيه ذاك الحلم السوري مستحيلاً، وذلك الوهم اللبناني خرافياً.
بيروت في 5 / 8 / 2026