لا يحمل العنوان أعلاه إلا اقتراح التعامل مع الغد بناء على ما نرجّح أن يكون أسوأ من اليوم. وإن كانت تلك الملاحظة تصحّ خصوصاً على أحوال بلدان المشرق العربي، فإنها تبقى صالحة كلما وسّعنا الرؤية التي يمكن أن تشمل الكوكب بأكمله. ولكن بما أنّ قولاً مطلقاً كهذا يؤدي غالباً إلى الاستسلام لليأس وتعميم الاكتئاب، فإنه ربما يكون مفيداً تجزئة المشهد قليلاً مع الخوف من أن ذلك قد لا يزيده إلا قتامة.
ومقولة “انتظار الأسوأ ربما يقلّل الأضرار” تجد في منطقتَي الخليج والشرق الأوسط ملعبها المفضل هذه الأيام، ذلك أن متابعة الأحداث وخلفيات أصحاب القرار وتصوّراتهم لنهاية الحرب، توحي فعلاً بأنّ توقُّع أي انفراجة مغامرة في غير مكانها طالما بقي دونالد ترامب وأمثاله يحكمون أميركا، وجنرالات الحرس الثوري يديرون السلطة في إيران. ليس السبب أننا أمام حرب ضخمة ممتدة جغرافياً من لبنان إلى ضفتَي الخليج العربي والفارسي وجنوباً وغرباً إلى اليمن والبحر الأحمر وباب المندب، بل لأننا أمام نوع من الحروب التي يتباهى معظم أطرافها بأنها “وجودية”. و”الحرب الوجودية” في السياق الهجومي مرادفة للحرب الإبادية، بغض النظر عن هوية أطرافها، مع ما يلازمها من صرخات الاستئصال، ورمي شعب في البحر، والحيوانات البشرية، وإعادة شعوب إلى العصر الحجري، وعدم التمييز بين مدنيين ومسلحين، بما أن “صغارهم مشاريع إرهابية”. لافت في هذا الإطار حجم الشبه في المصطلحات الإبادية بين حكام أميركا وإيران هذه الأيام. فمن يستمع لماركو روبيو ودونالد ترامب، يخفّ عجبه من النبوءات الأبوكاليبتية لمحمد باقر قاليباف وقادة الحرس الثوري. حفلة زجَل دموي بعنوان “العين بالعين” الذي يردده المسؤولون الإيرانيون وروبيو من المعسكر الأميركي بمناسبة ومن دونها، وغزل بالعصر الحجري الذي تريد أميركا إعادة إيران إليه، فتحلف طهران بإرجاع المنطقة كلها (لا أميركا طبعاً) إلى العصر نفسه قريباً.
أما عندما تُستحضر تعويذة “الحرب الوجودية” بالحديث عن الصراع العربي ــ الإسرائيلي قديماً وحاضراً خارج إطار الدفاع عن النفس، فإن ذلك يعني إما أن نبقى نحن أو هم يبقون، أي إما نُباد نحن أو يُبادون هم، بالتالي وجبت إبادتهم أولاً قبل أن يبيدونا. وإن كانت عملية “طوفان الأقصى” تنتمي إلى المعارك “الوجودية” المشؤومة بمعناها الإلغائي، فإنّ كل ما تفعله إسرائيل منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023 هو جعْل الإبادة سياسة حكومية رسمية صار استنكارها عالمياً يحتاج إلى جرأة وسمو أخلاقي.
ومردّدو شعار “حرب وجود لا حرب حدود” لا يوضحون غالباً إن كانوا يقصدون من حربهم حفظ وجودهم هم أو القضاء على وجود عدوّهم. وعندما يطلقون صرختهم للدعوة إلى المبادرة في الهجوم، فإنهم يعطون نقيضهم حقاً مساوياً لحقهم، فلا أحد أفضل من أحد في الحرب الإبادية، مثلما هو الحال في الحروب الدينية. في الأولى كل طرف تحرّكه رغبة بإفناء عدوّه، وفي الثانية كل ملّة لديها ما يكفي من حمولة مقدسة لادعاء الصواب المطلق الذي لا يتحقق إلا على حساب الآخر. أما المنادون الإسرائيليون في السنوات الماضية بهذا النوع من الحروب الإبادية، فقد صاروا هم الحكام وأصحاب القرار في الحكومة والجيش ومفاصل الدولة والمجتمع، مع تراجع شعبية “معسكر السلام” من الإسرائيليين اليهود إلى نسب مثيرة لقلق عظيم، مثلما يجب أن يقلقنا الإباديون من أبناء جلدتنا ممّن لا يعدوننا إلا بالحرب الدائمة وبفوائد الجحيم على الأرض.
ليس انتظار الأسوأ في المنطقة هواية، بل وسيلة لحصر الأضرار. بديل واحد يطرح نفسه لكن على مستوى الفانتازيا ولرسم ابتسامات ساخرة بين جولة حربية وأخرى: أن تفعل المعجزة فعلها ونستفيق على نهاية حرب يخسر فيها جميع رموزها، في تل أبيب وواشنطن وطهران (وأدواتها)، ومعهم كل من ينادي بشعارات إبادية لأي طرف كان.
في انتظار معجزة كهذه لن تأتي، ليس بالإمكان إلا توقّع الأسوأ.