ملخص
اليوم تعددت المراكز وتنوعت، وكل مركز ينتج نخبه، وهناك أسماء كبيرة في الشعر والنقد والرواية والترجمة هي نتاج البلدان التي كانت تسمى “الأطراف” من الخليج والشام وشمال أفريقيا، والسؤال الآن، أمام هذا التعدد في المراكز هل بإمكان المركزية المصرية الثقافية أن تعيد تموقعها وبأي شكل وبأي محتوى؟
أكتب هذه الورقة مستعرضاً فيها بعض الأفكار من الذاكرة الجزائرية والمغاربية مباشرة من دون الرجوع إلى المراجع أو المواقع، وهذا للتدليل على أن المركزية الثقافية مهما كانت، لها سلطتان، سلطة في الواقع الثقافي والسياسي والعقائدي، وسلطة على المخيال الفردي الذي يشكل نسق التفكير في مجتمع ما
المركزية الثقافية لا تتأكد إلا من خلال هيمنة رمزية تتحول شيئاً فشيئاً إلى طريقة تفكير وأسلوب حياة بالنسبة إلى النخب على اختلافاتها السياسية والفكرية واللغوية والدينية، مما مثلته المركزية المصرية الثقافية والفنية أساساً على جموع “الإنتليجنسيا” في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على مدى قرن تقريباً، وهي ظاهرة تاريخية لا يمكننا نكرانها أو تجاهلها، بكل ما فيها من إيجابيات وسلبيات.
حين نفكر في صناع المركزية الأدبية والفنية والفكرية والنقدية والإعلامية في مصر، فإن هناك مصفوفة من الأسماء تقفز إلى أذهاننا، لا لشيء إلا لأننا كنا في فترة زمنية من تكويننا تحت تأثيرها، إن بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لقد تحولت بعض هذه الأسماء إلى أصنام في الفضاء الثقافي والجامعي.
والمركزية الثقافية المصرية لم تشكلها أسماء كبيرة فقط، بل مرات كتب بحد ذاتها، ومرات أفلام سينمائية، ومرات بعض الأغاني التي عاشت طويلاً في الشعور الجمعي والفردي على حد سواء.
أسماء ثقيلة تنتمي إلى ما يمكننا أن نطلق عليه اسم “الإنتليجنسيا الإبداعية” شكلت عصب المركزية الثقافية المصرية في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ويمكن أن نذكر منها تلك التي تحضر بصورة مباشرة على لسان أي مثقف من المنامة إلى نواكشوط، من المفكرين والشعراء والروائيين والنقاد والإعلاميين، ويجيء على رأسها طه حسين والعقاد بوصفهما الكاتبين اللذين شغلا الخاص والعام، الجامعي وغير الجامعي، فلا أعتقد بأن هناك كاتباً جرى تناول اسمه والحديث عنه بالقبول أو الرفض أو النقد، خلال قرن من الزمن تقريباً مثل ما حدث مع اسم طه حسين وبالأساس منذ صدور كتابه في الشعر الجاهلي عام 1926 وأيضاً سيرته الذاتية “الأيام” التي صدر جزؤها الأول عام 1927.
ويكاد يكون اسم العقاد أيضاً مرادفاً لاسم طه حسين وإن بصورة أخرى ومن موقع مختلف، فالأول جامعي والثاني عصامي، الأول منتظم في ثقافة الغرب من خلال الثقافة العربية والتراث العربي الإسلامي والثاني منتقد لها من خلال الثقافة المحلية نفسها التي يعتمدها طه حسين.
ولكن وفي الحالين، كان هذان الاسمان أهم عماد للمركزية الثقافية المصرية، ومن موقع سلطتهما الرمزية سيشكلان الطريق الثقافي والإبداعي السيار أمام أسماء أخرى قد تكون أقل شهرة منهما لكنها لا تقل عنهما فكراً وتحليلاً ورؤية من أمثال قاسم أمين وعلي عبدالرازق وأحمد أمين وزكي مبارك ومصطفى صادق الرافعي وشوقي ضيف وغيرهم.
وبقدر ما كانت المركزية المصرية تتموقع أكثر فأكثر في الأطراف كان المركز (القاهرة) يضخ أسماء متتالية إلى سوق القراءة والجامعة والإعلام من أجيال متتالية وبحساسيات فكرية مختلفة والتي أصبح لها بريق وحضور مؤثر وفاعل في صناعة مستقبل الثقافة والفكر في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومن بينها عائشة عبدالرحمن (بنت الشاطئ) وزكي نجيب محمود ولويس عوض وغالي شكري ومحمود أمين العالم وحسن حنفي ومحمد عمارة وصلاح فضل وعز الدين إسماعيل ونصر حامد أبو زيد وجابر عصفور وغيرهم، وبهذا المعنى فالكثرة تقوم بدور في تكريس المركزية.
والمركزية الثقافية المصرية لم يكُن حضورها على المستوى الفكري فقط، بل كانت أيضاً على المستوى الإبداعي، فقد كان لأسماء كبيرة في الشعر بخاصة أثرها في تكريس هذه المركزية، ومن الأسماء التي شكلت وزناً ثقيلاً في تثبيت هذه المركزية على المستوى الشعري الشاعر أحمد شوقي (أمير الشعراء) وحافظ إبراهيم والبارودي، فهذا الثلاثي على اختلاف الحساسية الجمالية والفكرية شكّل مرجعية روحية حيال اللغة والجمال تمتد من المحيط إلى الخليج، مؤثراً في أجيال متلاحقة من الشعراء والنقاد والكتاب بصورة عامة.
وكان السرد الروائي والقصصي، وإن على نحو أقل، عمل أيضاً على تثبيت هذه المركزية الأدبية من خلال أسماء لا أعتقد بأن قارئاً لم يقرأ لها في ما يسمى “بلدان الهامش” من أمثال توفيق الحكيم ولطفي المنفلوطي وإحسان عبدالقدوس وعبدالحليم عبدالله ونجيب محفوظ ومحمود تيمور ومحمد حسين هيكل وغيرهم.
والمركزية الإبداعية المصرية قامت أيضاً ومبكراً على السينما، فكانت قاعات السينما من حيفا مروراً بالرياض ودمشق وبغداد وعدن وصنعاء وصولاً إلى الخرطوم ومدينة الجزائر وتونس والدار البيضاء تعرض أفلاماً مصرية بجمهور عريض، وكانت تنافس السينما الهندية منذ منتصف القرن الماضي، ففي الجزائر على سبيل المثال حدث هذا حتى خلال أعوام الاستعمار، فكانت هناك قاعات خاصة بعرض الأفلام المصرية في كل المدن الجزائرية تقريباً، وإضافة إلى السينما ومتقاطعة معها، شكلت الموسيقى المصرية روحاً حقيقية لهذه المركزية، فأسماء مثل محمد عبدالوهاب وأم كلثوم وعبدالحليم حافظ وفريد الأطرش وأسمهان ورياض السنباطي ومحمد الموجي وسيد درويش ونجاة الصغيرة وليلى مراد وهاني شاكر وفايزة أحمد وخورشيد وغيرهم، كان لها موقع في الشعور والمخيال، وأسست جزءاً من ثقافة العاطفة في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
من دون منازع، يُعد هذا الجيل المختلف في الرؤى الفكرية والسياسية والجمالية والمتنوع في الممارسات الإبداعية من الفكر والشعر والسرد والسينما والمسرح، من صنع المركزية المصرية في الثقافة وحافظ عليها أعواماً طويلة، فمن المنامة شرقاً إلى نواكشوط غرباً، مروراً ببغداد ودمشق وبيروت وعدن وصنعاء والخرطوم وتونس والجزائر ووهران وفاس والرباط لا يوجد مثقف واحد ينتمي إلى الفترة الممتدة ما بين الحرب العالمية الثانية وحتى مطلع السبعينيات لم يطلع على بعض كتابات هؤلاء الكتاب أو لم يشاهد فيلماً من الأفلام التي سجلت مروراً كبيراً في تاريخ السينما أو لم يستمع بمتعة إلى أغنية من أغاني هذا الجيل الذهبي.
هذه المركزية المصرية في الثقافة جعلت مبدعي الهامش من بلاد الشام والخليج وشمال أفريقيا في الفترة ما بين الحرب العالمية الثانية ونهاية السبعينيات ينظرون بنوع من التقديس إلى منتجات نخب هذا المركز، وفي فترة معينة أصبحت المركزية المصرية هي من تمنح بطاقات المرور إلى ساحة الإبداع من خلال النشر في المجلات والصحف ودور النشر في مصر، فالاعتراف الرمزي بالكاتب أو الممثل أو المغني أو الموسيقي لا يتحقق إلا من خلال تثمين هذا المركز له، فمقالة يكتبها طه حسين عن مولود معمري أو محمود المسعدي تُعد جواز سفر إلى دائرة الكبار.
وأن يقوم ممثل من بلدان الأطراف بدور لو ثانوي في فيلم أو في مسرحية مصرية يؤدي فيها النجوم المكرسون، فتلك بداية الطريق للاعتراف والتزكية، ومن شدة سلطة هذه المركزية كان بعض الفنانين ينحتون أسماءهم الفنية من أسماء المركزية المصرية من أمثال الفنان الجزائري الكبير أحمد وهبي، واسمه الحقيقي أحمد دريش التيجاني، وجاء اسم وهبي نسبة إلى عبدالوهاب، أي محمد عبدالوهاب الذي كان يقلد أغانيه، وصباح الصغيرة على وزن نجاة الصغيرة وهلم جرا.
وكان أن بعض الفنانين من الهامش اضطروا إلى السفر إلى القاهرة لافتكاك بطاقة الاعتراف من أمثال فريد الأطرش وأسمهان ووردة الجزائرية في الغناء، وجورج أبيض في المسرح، وبيرم التونسي في الشعر، ولا يتوقف الأمر عند الوجود في المكان بل كان عليهم أن يؤدوا الأغاني ويكتبون الشعر باللهجة المصرية.
ومع منتصف السبعينيات أنشئت جامعات كثيرة في الخليج وشمال أفريقيا، فجاءتها مجموعة من الدكاترة ودرسوا فيها، فكانوا حملة هذه المركزية، إذ نقلوا إلى هذه الجامعات مراجع مصرية وثبتوا أسماء كتاب مصريين في كل المجالات، تكرست في مخيال الطلبة والباحثين الذين سيصبحون لاحقاً أساتذة ومسؤولين سامين ووزراء التعليم العالي والتربية الوطنية والثقافة والإعلام وغيرها في بلدانهم.
كثير من الأسماء المصرية الكبيرة درس في جامعات دول الهامش في الشرق والخليج والشام وشمال أفريقيا من أمثال شوقي ضيف وصلاح فضل ومحمود شاكر وبنت الشاطئ وتمام حسان ومنصور عبدالرحمن وحسن فتح الباب ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي وسعد أردش وكرم مطاوع وغيرهم.
ولاحقاً وصل إلى جامعات الخليج وشمال أفريقيا أساتذة من جنسيات مختلفة درسوا في الجامعات المصرية وتخرجوا فيها وقدموا أطروحاتهم فيها بإشراف أساتذة من صناع المركزية المصرية، فكانوا رسلاً من الدرجة الثانية لتثبيت هذه المركزية من أمثال محمود الربداوي ورضوان الداية وحسين الأعرجي وهادي حسن حمودي وجيلي عبدالرحمن وغيرهم.
ومع نهاية الثمانينيات ظهرت جامعات خليجية كثيرة، ومعها ظهرت منابر إعلامية كثيرة أيضاً، فبدأت بامتصاص أسماء الجيل الثالث والرابع من الجامعيين والمبدعين المصريين الذين يُعدون عجلة احتياط للمركزية المصرية الثقافية، ومع هذه الهجرة تقلصت سلطة المركزية المصرية لربع قرن تقريباً، أي من الثمانينيات إلى مطلع الألفية الثالثة، ولكن تدريجاً ومع الاكتفاء الذاتي لهذه الجامعات والمنابر الإعلامية طويت مرحلة امتصاص النخب المصرية.
اليوم تعددت المراكز وتنوعت، وكل مركز ينتج نخبه، وهناك أسماء كبيرة في الشعر والنقد والرواية والترجمة هي نتاج البلدان التي كانت تسمى “الأطراف” من الخليج والشام وشمال أفريقيا، والسؤال الآن، أمام هذا التعدد في المراكز هل بإمكان المركزية المصرية الثقافية أن تعيد تموقعها وبأي شكل وبأي محتوى؟
